Tafsir Al-Shaarawi
تفسير الشعراوي
জনগুলি
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا
[البقرة: 245]. إنه سبحانه وتعالى متفضل بالنعمة ثم يسألك أن تقرضه هو. ولنضرب على ذلك مثلا من أمر الدنيا - وسبحانه وتعالى منزه عن كل مثل وله المثل الأعلى - هب أنك محتاج وفي ضائقة مالية، وعندك أولاد ولهم مبالغ مدخرة مما كنت تعطيهم من مال فتقول لهم أقرضوني ما معكم من مال وسأرده لكم عندما تمر الضائقة. كأنك لم ترجع في هبتك وما أعطيته لهم من مال، إنما اقترضته منهم، كذلك يفعل الله سبحانه وتعالى. وكذلك لنا عبرة وعظة من السيدة فاطمة رضي الله عنها عندما دخل عليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآها ممسكة بدرهم، والدرهم يعلوه الصدأ وأخذت تجلوه، فسألها أبوها: ما تصنعين يا فاطمة؟ قالت: أجلو درهما. قال: لماذا؟ قالت: لأني نويت أن أتصدق به، قال: وما دمت تتصدقين به فلماذا تجلينه؟ قالت: لأني أعلم أنه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد المحتاج.
ومن البر أيضا أن يفي الإنسان بالعهد، فالحق يقول: { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } [البقرة: 177]. وما معنى العهد؟. إن هناك عهدا، وهناك عقد. والعهد يوجد من طرفين تعاهدا على كذا، لكن قد يستطيع أحدهما العطاء ولا يستطيع الآخر الرد. والعقد يوجد بين طرفين أيضا، أحدهما يعطي ويأخذ، والآخر يعطي ويأخذ. ومن البر أن تكون من { والصابرين في البأسآء والضراء } [البقرة: 177]. ولنا أن نلحظ أن الحق جاء ب { والموفون بعهدهم } [البقرة: 177] مرفوعة لأنها معطوفة على خبر لكن البر، فلماذا جاء " بالصابرين " منصوبة؟ فماذا يعني كسر الإعراب؟ إن الأذن العربية اعتادت على النطق السليم الفصيح فإذا كان الكلام من بليغ نقول: لم يكسر الإعراب هنا إلا لينبهني إلى أن شيئا يجب أن يفهم، لأن الذي يتكلم بليغ وما دام بليغا وقال قبلها: " والموفون " ثم قال: " والصابرين " فلابد أن يكون هناك سبب، ما هو السبب؟. إن كل ما سبق مطية الوصول إليه هو الصبر، إيتاء المال على حبه ذوي القربى و.. و.... لذلك أراد الله أن ينبه إلى مزية الصبر فكسر عنده الإعراب، وكسر الإعراب يقتضي أن نأتي له بفعل يناسبه فجاء قوله تعالى: " والصابرين " وكأن معناها: وأخص الصابرين، وأمدح الصابرين. إذن كسر الإعراب هنا غرضه تنبيه الآذان إلى أن شيئا جديدا استحق أن يخالف عنده الإعراب. لأن الصبر هو مطية كل هذه الأفعال، فالذي يقدر في الصبر على نفسه بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. وإيتاء المال على حبه هو الذي فاز وظفر، إذن كل ذلك امتحان للصبر. ومن هنا خص الله " الصابرين " بإعراب مخالف حتى نفهم أنه منصوب على المدح، أو على الاختصاص. ولماذا خص الله الصابرين بالمدح؟. لأن التكليفات كلها تعطي مشقات على النفس، ولا يستطيع تحمل هذه المشقات إلا من يقدر على الصبر. وما دام قد قدر على الصبر فكل ذلك يهون. ومن هنا خص الله الصبر بهذه الميزة. والمهم أن الآية جاءت بالصابرين بعد " والموفون " حتى تكون النقلة ملحوظة ومتيقنة، بأن الإعراب فيما سبق " والصابرين " تقديري معطوف أي هو معطوف على خبر " ولكن البر من آمن بالله ".. فجاءت " والموفون " مرفوعة لنفهم أنها معطوفة على خبر " ولكن " ، ثم جاء ما بعدها " والصابرين " منصوبة، حتى نلحظ الفرق بين المعنيين، ولو جاءت مرفوعة مثل ما قبلها فربما مرت علينا ولم نلحظها. " والصابرين في البأسآء والضراء " البأساء هو البؤس والفقر، وهذا في الأحوال، نقول: فلان حاله بائس. " والضراء " هي الألم والوجع والمرض، وهي تصيب البدن والجسد.
" وحين البأس " أي حين الحرب عندما يلتقي المقاتل بالعدو ويصبر ويصمد ليقاتل. إذن صفة الصبر تناولت ثلاثة أمور: في البأساء، أي في الفقر، وفي المرض، وفي الحرب مع العدو، صابر في كل هذه الأمور. ولذلك جاء في الحديث الشريف:
" ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها ".
ويقول الحق عن الذين دخلوا إلى رحاب البر: { أولئك الذين صدقوا } [البقرة: 177] ف { من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأسآء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا } [البقرة: 177]. ماذا تعني صدقوا؟ الصدق هو مطابقة النسبة الكلامية للواقع الفعلي. وأولئك صدقوا في إعلان إيمانهم، وواقع حركتهم في الحياة، وصدق قولهم: " لا إله إلا الله محمد رسول الله ". إذن فصدق إيمانك متوقف على أن تكون حركة حياتك مناسبة لمقتضيات إيمانك. فإن آمنت وأسلمت وجاءت حركة حياتك مناقضة لإعلان إسلامك، نقول: أنت غير صادق، ولكن إذا وجدت صفات الإيمان في إنسان نقول له: لقد صدقت في إيمانك، لأن حركة حياتك انسجمت مع واقعك الإيماني. وما أكثر الناس الذين يقولون ولا يفعلون، وهم منسوبون إلى الإسلام بالكلام. وما نتيجة صدق المؤمنين؟ يجيبنا الحق بوصفهم: { وأولئك هم المتقون } [البقرة: 177]. وساعة تسمع كلمة " متقون " أو " اتقوا ". فذلك يعني أنهم جعلوا وقاية بينهم وبين شيء، ولا يطلب منك أن تجعل وقاية بينك وبين شيء إلا إن كنت لا تتحمل هذا الشيء. ومثل ذلك قوله تعالى:
يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا..
[التحريم: 6]. أي اجعلوا بينكم وبين النار حاجزا. وقلنا: إن من العجب أن كلمة " اتقوا " تأتي إلى الشيء الذي هو " اتقوا النار " وتأتي إلى " اتقوا الله " ، كيف يكون التقوى في متناقضين؟ نعم: لأن معنى اتقوا النار، أي اجعلوا بينكم وبينها وقاية، وهل النار فاعلة بذاتها أم بتسليط الله لها على العاصي؟ إنها فاعلة بتسليط الله لها على العاصي. إذن اتقوا الله معناها اتقوا متعلق صفات الجلال من الله، لأن لله صفات جمال وصفات جلال، فاجعلوا بينكم وبين صفات الجلال من الله وقاية، لأنكم لا تتحملون غضب الله، ولا قهر الله، ولا بطش الله، فاجعلوا بينكم وبين صفات جلاله وقاية، ومن آثار صفات جلاله النار. فالمسألة متساوية ولا تناقض فيها. وبعد ذلك يقول الحق: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى... }.
[2.178]
وساعة ينادي الله { يأيها الذين آمنوا } [البقرة: 178] فهذا النداء هو حيثية الحكم الذي سيأتي، ومعنى هذا القول: أنا لم أكلفكم اقتحاما على إرادتكم أو على اختياركم، وإنما كلفتكم لأنكم دخلتم إلي من باب الإيمان بي، وما دمتم قد آمنتم بي فاسمعوا مني التكليف. فالله لم يكلف من لم يؤمن به، وما دام الله لا يكلف إلا من آمن به فإيمانك به جعلك شريكا في العقد، فإن كتب عليك شيئا فأنت شريك في الكتابة، لأنك لو لم تؤمن لما كتب، فكأن الصفقة انعقدت، وما دامت الصفقة قد انعقدت فأنت شريك في التكليف، ولذلك يقول الله: " كتب " بضم الكاف. ولم يقل " كتب " بفتح الكاف. وتلحظ الفرق جليا في الأشياء التي للإنسان دخل فيها، فهو سبحانه يقول:
অজানা পৃষ্ঠা