তাফসির সাদর আল-মুতাআল্লিহীন
تفسير صدر المتألهين
ثم اعلم أن الإنسان بحسب سيره الباطني، كلما وصل إلى درجة من درجات الكون، اتحد بها واتصف بصفاتها وأحكامها، وصدر منه أفعالها وآثارها المختصة، أو لا ترى أنه منذ أخذ في السلوك من أول تكونه من التراب، - وهو أنزل مراتب الأكوان -، ومن النطفة، - وهي أوهن الصور الجمادية الحاصلة من امتزاج الأركان -، فكل مرتبة وصل إليها من النبات والحيوان، تحقق بحقيقتها واتحد بماهيتها، حتى وصل إلى الألطف فالألطف من الأكثف فالأكثف.
فوصل في جسميته إلى جرم دخاني هو أشبه الأجرام بالسماء، وفي روحانيته إلى عقل يدرك به كليات الأشياء، فلا يزال يتصفى ويترقى روحا وبدنا، إلى أن يتحد بعقله العقل الفعال، وبجسمه صورة السماء المبرأة عن تفاسد الأضداد والأمثال، وهكذا يترقى - إذا ساعدته الهداية - من سماء إلى سماء [عليا]، ومن عقل أدون إلى عقل أعلى، حتى يصل إلى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، كما قال تعالى:
إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه
[فاطر:10].
وبما ذكر من هذه المقدمات، يتذكر اللبيب البصير، ويتمكن من أن يذعن، بأن الله بنى ملك السموات وملكوتها تارة أخرى، وعمرها بأعمال بني آدم، وزين بيوتها وبروجها وسقوفها وحيطانها بمصابيح أنوار عقولهم، واسم السماء إنما أطلق عليها بعد سمو قدرها بارتقاء أرواحهم إليها، واتصالهم بها، وتعمير الله إياها بزينة أعمالهم ومحاسن نياتهم، وكان اسمها فلكا ومجرى للكواكب والدراري.
وبناء هذه المقاصد أيضا، على أن الطبائع متجددة سيالة، متوجهة من أنقص المراتب إلى أعلاها، وأن الكل بحسب ما ارتكز في جبلاتهم وغرائزهم - إن لم يعقها عائق - متوجهون نحو الحضرة الإلهية، فولى الله وجوههم شطره، وقلوبهم نحوه، - إن لم يعدلوا عن طريق الحق، ولم ينسلخوا عن الفطرة بإغواء الشياطين الطاغية، واضلال النفوس المردة المردودة إلى أسفل سافلين -.
فقد انكشف وتبين من تضاعيف هذه الأسرار اللطيفة، أن السموات كانت مقدمة على الأرض وما فيها من وجه، وهي أيضا متأخرة من وجه آخر.
وهذان الوجهان، كما يجريان فيها بحسب مراتب الإنسان وبداياته ونهاياته، كذلك يجريان فيها بحسب أنفسها، فإن لكل فلك صورة نفسانية، ينبعث منها جوهر مادتها، وتبتدئ منها حركة جرمها بحسب استكمالاتها وتصوراتها وتشوقاتها، فلكل منها صورة نفسانية مشتاقة إلى جوهر كامل عقلي، لا بد أن يصل إلى كمالها وغايتها، وإلا لكان ما أودع الله فيها من التشوق إليه، والتوسل به إلى تقرب الباري للكل جل شأنه هباء وعبثا - والله منزه عن فعل العبث والجزاف -.
فعلم من هذا سر كلامه:
أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما
অজানা পৃষ্ঠা