তাফসির সাদর আল-মুতাআল্লিহীন
تفسير صدر المتألهين
وهو أيضا فاسد، لعدم اختصاص كل من النصفين بصفة يوجب ما ذكره، بل الأرض بتمامها لا تستدعي إلا أمرا واحدا.
ومنهم من ذهب إلى أن الأرض تطلب بالطبع وسط الكل وجهة التحت، لأن الثقيل بالطبع يميل إلى السفل، كما أن الخفيف بالطبع يميل إلى الفوق، والفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء، والتحت المركز، وكما يستبعد صعود الأرض فيما يلينا إلى جهة السماء، فليستبعد هبوطها في مقابلة ذلك، لأن ذلك المسمى بالهبوط صعود بالحقيقة إلى جهة السماء أيضا، فإذن لا حاجة في سكون الأرض وقرارها في حيزها إلى علاقة من فوقها، ولا إلى دعامة من تحتها، بل يكفي في ذلك ميلها الطبيعي إلى تحت، وهذا هو رأي أرسطاطاليس وجمهور أتباعه، الذين التزموا القوانين العقلية، وتحاشوا عن القول بالظن والتخمين، وعن المجازفة بالتقليد.
واعترض عليه الإمام الرازي بأن هذا أيضا ضعيف، لأن الأجسام متساوية في الجسمية، فاختصاص البعض بالصفة التي تطلب لأجلها تلك، لا بد وأن يكون أمرا جائزا، فيفتقر إلى الفاعل المختار.
أقول: والعجب من هذا المتبحر، مع استغراقه وتبحره في الأفكار، كيف يشتبه عليه الأمر في تجويزه ترجيح الفاعل المختار أحد الأمرين أو الأمور المتساوية من غير مرجح، مع أن كل عاقل إذا راجع وجدانه حكم بفساده.
ثم لم يعلم أن تجويز مثل هذا الفاعل المختار - الذي أثبته هو وأصحابه من أتباع الشيخ الأشعري زعما منهم أن في ذلك تقوية الدين ونصرة الشريعة - ينفسخ أصل الدين، وينسد طريق إثبات الصانع باليقين، وكذا إثبات جميع المطالب والأصول الحقة البرهانية؛ فكل مختار لأحد طرفي أمر، أو لأحد أشياء متساوية النسبة، لا بد أن يترجح عنده أحدهما أو واحد منها، فإنه إن لم يترجح، فنسبته الشيء إليه إمكانية، فلا يقع الممكن دون مرجح.
فالذي يقال : " إن الإرادة تخصص أحد الجانبين بالوقوع، لا بناء على أولوية، بل لأن من خاصية الإرادة تخصيص أحد المثلين أو الأمثال من دون الحاجة إلى مرجح، ولا يسئل عن اللمية، فإن لوازم الماهية لا تعلل " كلام لا حاصل له، فإن الإرادة إذا كان الجانبان أو الجوانب بالنسبة إليها سواء، لا يتخصص بها شيء منها إلا بمرجح، إذ لا يقع الممكن إلا بمرجح، وأما الخاصية التي يقولونها فهو هوس؛ أليس لو اختارت الجانب الآخر - الذي فرض مساويا لهذا الجانب - كانت تحصل هذه الخاصية.
ثم تعلق الإرادة بشيء، مع أن النسبة إلى الجانبين سواء، هذيان، فإن الإرادة ما حصلت أولا إرادة ثم تعلقت، فإن المريد لا يريد إلا ما تميز في علمه، فلا يكون له إرادة غير مضافة إلى شيء أصلا، ثم يعرض لتلك الإرادة تخصيص ببعض جهات الإمكان، بلى إذا وقع إدراك، وحصل تصور يرجح أحد الجانبين، تحصل إرادة متخصصة بأحدهما، فالترجح مقدم على الإرادة.
وأعجب من ذلك، تعويله في أكثر الأمر في إثبات مثل هذا الفاعل المختار الذي تصوره بهذه الإرادة الجزافية، التي جعلوها فاعلة للأشياء لمصالح أدلتهم واحتجاجاتهم واعتذاراتهم من كل ما جهلوه، على أن الأجسام متساوية في الجسمية، حتى يلزم سلب ما يوجب تخصيص بعض أنواعها بما يستوجب به رجحان تعلق أمر الله وإرادته به في صدور بعض الآثار منه لذاته، دون سائر أنواع الأجسام.
وقد جهل - أو تجاهل -، عن أن فصول الأجسام أو صورها، التي هي مبادي فصولها، أمور محصلة للجسمية المشتركة، وهي في درجة التقرر والوجود متقدمة على أصل الجسمية، واستناد أمر واحد مشترك لازم، أو جنس، لأمور متخالفة الذوات غير مستنكر، فالسؤال في اختصاص كل جسم كالأرض أو السماء، بصورة تخصصه، وطبيعة تنشأ منها آثاره المتخصصة، غير وارد ولا إشكال فيه، إذ الجسمية تابعة للطبيعة المخصوصة دون العكس.
فههنا نقول: جسمية الأرض من لوازم طبيعتها المقومة لها، لكنها من اللوازم المشتركة بين طبيعة الأرض وغيرها من الطبائع العنصرية والفلكية.
অজানা পৃষ্ঠা