তাফসির সাদর আল-মুতাআল্লিহীন
تفسير صدر المتألهين
ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا
[المائدة:93]. فالتقوى الأولى تقي القلب عن الشرك، والإيمان الذي ذكر في مقابله التوحيد؛ والتقوى الثانية عن البدعة، والإيمان ذكر معها اقتداء الشريعة واجتماع الأمة؛ والتقوى الثالثة عن المعاصي الفرعية والإقرار في هذه المنزلة، فيقابلها الإحسان - وهي الطاعات والإقامة عليها -.
وقد جاءت التقوى بمعنى اجتناب فضول الحلال، وهو ما روي في المشهور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنه قال:
" إنما سمي المتقون متقين لتركهم ما لا بأس به حذرا عما به بأس "
فإن أردت أن تجمع بين تلك المعاني وبين ما جاء في الخبر في حد جامع ومعنى بالغ، فلك أن تقول: التقوى هي الاجتناب عما يخاف منه ضرر في الدين؛ ثم الذي يخاف الضرر منه في أمر الدين قسمان، محض الحرام والمعصية، وفضول الحلال - لأن الانهماك فيه أيضا يجر إلى الحرام المحض، لأنه يوجب شره النفس وطغيانها وتمردها وعصيانها -، فمن أراد أن يأمن الضرر في أمر دينه، فليجتنب عن فضول الحلال لئلا يقع في الحرام، حتى يصير ذلك وقاية له عن كل شر.
والشر ضربان: شر بالإصالة كالمحرمات، وشر لا بالإصالة كالشهوات المباحة، فالتقوى عن الأولى تقوى فرض يجب بتركها عذاب النار، والثانية تقوى زجر وأدب يلزم بتركها الحبس والحساب الطويل، واللوم والتعيير.
فصل
وأما العلوم الشريفة، فبيان استدعاء الآية لها واشتمالها عليها؛ أن الله لما أمرنا بعبادة الرب، أردفه بما يدل على وجود الصانع، وهو خلق نفوسنا، وخلق من سبق وجوده على وجودنا، وهذا مما يدل على أنه لا طريق إلى معرفة الله، إلا بالنظر والاستدلال والتدبر في مبادئ المطالب، وأوائل البراهين، والعلم بكيفية وجود الخلائق، والإطلاع على حقائق الآفاق والأنفس.
وطعن قوم من المعطلة والحشوية في هذه الطريقة وقالوا: " الاشتغال بنمط البراهين لتحقيق اليقين بدعة " ، وقوم منهم أنكروا هذا العلم، وزعموا أن الإنسان مكلف بالعمل لا بالمعرفة، ولا ينكرون سائر العلوم، بل جعلوا بعضها واجبة وبعضها مستحسنة. ونحن بحمد الله تعالى خالفنا سيرتهم، وهدمنا بنيانهم، وكسرنا أصنامهم الجاهلية في رسالة سميناها كسر أصنام الجاهلية، فلنذكر في بيان صحة طريقنا وجوها نقلية وعقلية في عدة إشراقات.
الاشراق الأول:
অজানা পৃষ্ঠা