তাফসির গিলানী
تفسير الجيلاني
قيل: يشير سبحانه بالجدد البيض إلى طائفة الصوفية الذين هم صفوا بواطنهم عما سوى الحق من الأمور المنصبغة بصبغ الأكوان وألوان الإمكان، وبالحمر المختلف الألوان إلى طائفة المتكلمين الذين بحثوا عن ذات الله وصفاته، متشبثين بالدلائل العقلية والنقلية الغير المؤيدة بالكشف والشهود، المفيدة للظلن والتخمين إلا نادرا، وبالغرابيب السود إلى طائفة الفقهاء الذين كثفت حجبهم وغلظت أغشيتهم وأعطيتهم إلى حيث لم يبق في فضاء قلوبهم موضع يليق لقبول انعكاس أشعبة أنوار الحق، بل سودوها وصبغوها إلى حيث أخرجوها عن فطرة الله التي فطر الناس عليها.
{ و } أخرجنا به أيضا؛ أي: من الآثار تربية الماء وإحيائها أموات الأراضي { من الناس } المنهمكين في الغفلة والنسيان { والدوآب } المنسلخة عن رتبة الإدراك والشعور المتعلق بالمبدأ والمعاد { والأنعام } المشغوفة بتوفير اللذات الجسمانية والمشتهيات النفسية { مختلف ألوانه كذلك } أي: أجناسه وأنواعه وأصنافه وأشكاله وهيئاته، وبالجملة: { إنما يخشى الله } ويخاف من بطشه { من عباده } الذين أبدعهم وأظهرهم من كتم العدم بإفاضة رشاشات رشحات بحر وجوده بمقتضى جوده { العلماء } العرفاء بالله وبأوصافه الكاملة الفائضة عليهم، وأسمائه الحسنى الشاملة، المتحققون بمرتبة التوحيد، المنكشفون بسر سريان الوحدة الذاتية على عموم المظاهر؛ إذ أخشى الناس من الله أعرفهم بشأنه؛ لذا قال صلى الله عليه وسلم:
" إني أخشاكم الله وأتقاكم به "
، وكيف لا يخشى العارفون منه سبحانه { إن الله } المتردي برداء العظمة والكبرياء { عزيز } غالب على انتقام من أراد انتقامه من عباده { غفور } [فاطر: 28] ذنوب من تاب إلى الله ورجع نحوه عن ظهر قلب.
ثم أشار سبحانه إلى خواص عباده، وبنبههم على ما هو المقبول منهم عنده سبحانه من أعمالهم، وحثهم عليها امتنانا لهم، فقال: { إن الذين يتلون كتاب الله } المنزل على رسوله { وأقاموا الصلاة } المفروضة، المكتوبة في الأوقات المحفوظة، المأمورة إياهم في كتاب الله { وأنفقوا } طلبا لمرضاتنا { مما رزقناهم } وسقنا إليهم من الرزق الصوري والمعنوي { سرا } خفية من الناس؛ اتقاء عن وصمة الرياء والسمعة، ومن الفقراء المستحقين أيضا؛ صونا لهم عن أن يتأذوا حين أخذوا { وعلانية } أيضا بعدما اقتضى المحل إعلامه، ولم يتأت منه الإخفاء { يرجون } من الله بالأفعال المذكورة { تجارة } من الأحوال والمقامات { لن تبور } [فاطر: 29] أي: لن تهلك وتفسد وتفنى أصلا.
وإنما فعلوا ذلك { ليوفيهم } ويوفر عليهم سبحانه { أجورهم } التي يستحقون بأعمالهم بها { ويزيدهم } عليها { من فضله } ما لا يعد ولا يحصى من الكرامات؛ امتنانا لهم، وكيف لا يوفيهم ويزيدهم سبحانه { إنه } عز شأنه وجل برهانه { غفور } في ذاته لفرطات عباده، يغفر لهم ذنوبهم { شكور } [فاطر: 30] يقبل منهم يسير طاعاتهم التي أتوا بها مخلصلين، فكيف بعسيرها؟!.
[35.31-35]
{ والذي أوحينآ إليك } يا أكمل الرسل { من الكتاب } الجامع لما في الكتب السالفة، الحاوي لمعظمات أصول الدين { هو الحق } المنزل من عندنا، المثبت في حضرة علمنا { مصدقا لما بين يديه } وما يقدم عليه من الكتب والصحف المنزلة من عندنا، المبينة لحكمنا وأحكامنا { إن الله بعباده لخبير } أي: مطلع لجميع أحوالهم الظاهرة والباطنة حتى استعداداتهم وقابلياتهم { بصير } [فاطر: 31] بما جرى وسيجري عليهم في أولاهم وأخراهم.
{ ثم } بعدما اصطفيناك يا أكمل الرسل بالرسالة العامة، وأيدنا أمرك بإنزال القرآن المعجز، الموجز، المشتمل لجميع فوائد الكتب السماوية مع زيادات خلت عنها الكل { أورثنا الكتاب } المنزل إليك، وأبقيناه بعدك بين القوم { الذين اصطفينا من عبادنا } واخترناهم بإرسالك إليهم وبعثتك بينهم، فجعلناهم في اقتباس نور الهداية والتوحيد من مشكاة النبوة، والرسالة الختمية المحمدية، الحاوية لمراتب جميع الرسل الذين مضوا قبله صلى الله عليه وسلم أصنافا ثلاثة: { فمنهم } من كمال شوقه إلى مبدئهم الأصلي وغاية تحننهم نحو الفطرية الجبلية التي فطر الناس عليها في بدء الأمر { ظالم لنفسه } البشرية، بحيث يمنع عنها جميع حظوظها النفسانية ومقتضيات قواها الجسمانية إلى حيث اتصل بعضهم من كمال احتماء نفسه عن متقضياتها البهيمية بالملأ الأعلى قبل انقراض النشأة الاولى، وهم شطار الأولياء الذين صرفوا همهم بالوصول إلى مبدئهم الأصلي ومنزلهم الحقيقي.
{ ومنهم مقتصد } معتدل، مائل عن كلا طرفي الإفراط والتفريط، بحيث لا يمنع نفسه عن ضرورياتها والمقومة لها ولا يكثرها عليها، بل يمنعها عن الزيادة على الضروري في عموم الحوائج، وبالجملة: يقتصد في الأعمال والأفعال والأقوال وجميع الأحوال، وهم الأبرار من الأولياء { ومنهم سابق بالخيرات } مواظب على الطاعات، مشمر دائما بالأعمال الصالحات وفواضل الصدقات، والإنفاق على طلب المرضاة للفقرءا والمهاجرين في سبيل الله، المنصرفين عن الدنيا وما فيها { بإذن الله } وعلى مقتضى ما ثبت في كتابه ونطق به لسان رسوله، وهم الأخيار المحسنون من الأولياء { ذلك } الإيراث والتوريث والإعطاء والاصطفاء { هو الفضل الكبير } [فاطر: 32] من الله إياهم في أولاهم، والفوز العظيم، والنوال الكريم لهم في أخراهم.
অজানা পৃষ্ঠা