তাফসির গিলানী
تفسير الجيلاني
{ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا } يعني: أيزعم أن من زين وحسن له الشيطان عمله السويء القبيح في الوقاع فخيله حسنا بحسب زعمه الفاسد واعتقاده الباطل، كمن كان عمله حسنا في الواقع حقا في نفس الأمر واعتقده أيضا كذلك، حتى يكونا متساويين في استحقاق الأمر الجزيل والجزاء الجميل؟! كلا وحاشا { فإن الله } المتعزز برداء العظمة والكبرياء، المقتدر على جميع ما يشاء { يضل } عن صراط توحيده بمقتضى قهره وجلاله { من يشآء } من عصاة عباده { ويهدي من يشآء } منهم الإضلال والضلال، والإرشاد والهداية إنما هي مستمدة أولا وبالذات إلى مشيئة الله وإرادته، لا مدخل لأحد من خلقه فيها أصلا { فلا تذهب نفسك } أي: لا تتعب ولا تهلك نفسك { عليهم } أي: على غواية من أردت أو أحببت هدايته { حسرات } أي: حال كونك متحسرا ومتأسفا تحسرا فوق تحسر، وتحزنا فوق تحزن على ضلالهم وعدم قبولهم الهداية، والمعنى: أفمن زين له سوء عمله، فحسنه على نفسه واعتقده حقا جهلا مع أنه باطل في نفسه، وبذلك ضل عن طريق الحق وانحرف عن سوء السبيل، وبعد بمراحل عن الهداية، وأنت يا أكمل الرسل أذهبت وأهلكت نفسك حسرة عليهم وضجرة لما لم يهتدوا ولم يؤمنوا، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وبالجملة: { إن الله } المراقب على جميع حالاتهم { عليم بما يصنعون } [فاطر: 8] يجازيهم على مقتضى علمه بسوء صنيعهم، ولا تتعب نفسك عليهم بما يفوتون على نفوسهم من الرشد والهداية.
[35.9-11]
{ و } كيف لا يعلم سبحانه ضمائر عباده واستعداداتهم مع أنه { الله } المدبر لعموم أفعالهم وأحوالهم وحوائجهم، هو { الذي أرسل } بلطفه ومقتضى جوده { الرياح } العاصفة { فتثير } وتهيج { سحابا } هامرة، مركبة من الأبخرة والأدخنة المتصاعدة، القابلة لأن تتكون منها مياها بمجاورة الهواء البارد والرطب { فسقناه } بعدما تم تركيبه عناية منا { إلى بلد ميت } يابس في غاية اليبس بحيث لا اخضرار له أصلا { فأحيينا به } أي: بالمطر الحاصل من السحاب { الأرض بعد موتها } أي: جفافها ويبسها { كذلك } أي: مثل إحيائنا الأرض اليابسة بعد يبسها وجمودها { النشور } [فاطر: 9] أي: أحياؤنا الأموات الجامدة ونشرهم من قبورهم؛ بإعادة الروح المنفصل منهم إلى أبدانهم التي تفتت أجزاؤها، بإرسال نفحات نسمات لطفنا ورحمتنا لتثير سحاب العناية الماطرة قطرات ماء الحياة المسوقة إلى أراضي الأبدان اليابسة والجامدة بالموت الطبيعي، إنما أحييناهم وأخرجناهم من الأجداث؛ إظهارا لقدرتنا، وتتميما لحكمتنا واستقلالنا في آثار تصرفنا في ملكنا وملكوتنا، وتعززنا وكبريائنا في ذاتنا.
وبالجملة: { من كان يريد العزة } الكاملة، التي لا يعقبها ذل أصلا، فله أن يسترجع إلى الله ويتوجه نحو توحيده { فلله العزة } والغلبة والسلطنة الكاملة والبسطة الشاملة { جميعا } ومن أراد أن يتعزز بعزة الله، فله في أوائل سلوكه إلى الله أن يتذكر سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا إلى أن ينتهي تذكره إلى التفكر الذي هو آخر العمل وصار متفكرا في ذاته، مستكشفا عن أستار جبروته سبحانه، إلى أن صار مستحضرا له، مكاشفا إياه، مشاهدا آثار أوصافه وأسمائه على صفائح الأكوان بلا مزاحمة الأغيار، وبالجملة: فله أن يشتغل بالتذكر في أوائل الحال؛ إذ { إليه يصعد الكلم الطيب } من الأسماء الحسنى والصفات العظمى الناشئة من ألسنة المخلصين المتفكرين في آلاء الله ونعمائه.
{ والعمل الصالح } المقرون بالإخلاص والتبتل { يرفعه } أي: يرفع العمل المنبئ عن الإخلاص، والكلم الطيب إلى درجات القرب من الله، فمن كان إخلاصه في عمله أكمل، كان درجات كلماته المرفوعة نحوه سبحانه أرفع وأعلى عند الله { والذين يمكرون } مع الله المنكرات { السيئات } يعني به سبحانه: المكر السيئ الذي مكر به المشركون - خذلهم الله - مع حبيبه صلى الله عليه وسلم { لهم } في النشأة الأخرى { عذاب شديد } جزاء لما مكروا به { و } إن كان { مكر أولئك } الماكرين { هو } أي: مكرهم في نفسه { يبور } [فاطر: 10] يفسد ويبطل، ويعود وباله ونكاله عليهم بلا أثر لمكرهم بالممكور به صلى الله عليه وسلم.
{ و } كيف لا يعود ضرر مكرهم إليكم أيها المشركون؛ إذ { الله } الذي قصدتم المكر معه ومع من اختاره واصطفاه { خلقكم } وقدر وجودكم { من تراب } جامد، لا حسن لها ولا شعور { ثم من نطفة } مهينة، مستحدثة من أجزاء النبات المتكون من الأرض { ثم جعلكم } وصيركم حيوانا { أزواجا } ذكورا وإناثا؛ لتتوالدوا وتكثروا { و } يربيكم على الوجه الأحسن الأصلح؛ إذ هو عليم بجميع ما يعنيكم وما لايعنيكم وبكل ما جرى عليكم إلى حيث { ما تحمل من أنثى ولا تضع } حمله { إلا بعلمه } وإذنه سبحانه، وهو معلوم له لا يغيب عنه { و } بعد وضع الحمل { ما يعمر من معمر } يبلغ عمر نهايته { ولا ينقص من عمره } بأن لم يصل إليها { إلا في كتاب } أي: مثبت مسطور في حضرة العلم الإلهي ولوح القضاء { إن ذلك } أي: حفظه وثبته { على الله } العليم الحكيم { يسير } [فاطر: 11] وإن كان عندكم عيسر، بل متعذر ممتنع؛ إذ لا يسع لكم استحضار آنكم ولحظتكم، فيكف أحوال يومكم وشهركم وحولكم؟! فيكف أحوال طفوليتكم وكونكم جنينا؟!.
[35.12-14]
ثم مثل سبحانه كلا الفريقين المؤمن والكافر بالبحرين العذب والمالح، فقال: { وما يستوي البحران } في النفع والفائدة الحاصلة منهما؛ إذ { هذا } أي: المؤمن المصدق لبحر الإيمان والعرفان، المترشح من بحر الوحدة الذاتية { عذب } حلو في كمال الحلاوة { فرات } يكسر غليل أكباد المتعطشين في سراب الدنيا ببرد اليقين { سآئغ شرابه } أي: سهل انحداره للمجبولين على فطرة التوحيد.
{ وهذا } أي: الكافر المتوغل في بحر الغفلة { ملح } لا مصلح يصلح من يذوق منه، بل { أجاج } مر مفسد للمزاج، من ذاق منه هلك هلاكا أبديا بحيث لا نجاة له، بل { و } البحر الأجاج له نفع، ولا نفع للكفر والضلال أصلا؛ إذ { من كل } من البحرين { تأكلون لحما طريا } مثل السمك وغيرها { وتستخرجون } منهما { حلية } أي: أنواعا من التزيينات اللاتي { تلبسونها } وإنما أباح لكم سبحانه أيها المكلفون منافع بره وبحره { وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } [فاطر: 12] أي: رجاء أن تشكروا نعمه، وتزيدوا على أنفسكم مزيد كرمه.
ومن كمال فضل الله عليكم ورحمته أنه { يولج الليل } أي: يدخل ظلمته { في } في { النهار } فيطول أجزاء النهار بإيلاج أجزاء الليل في الصيف؛ تتميما لمصالح معيش عباده { و } كذا في الشتاء { يولج النهار } أي: أجزاء منه { في الليل } فيطوله بأجزائه؛ تسكينا للقوى النامية، وتمكينا لها؛ ليجددها للخدمة المفوضة إليها { وسخر الشمس والقمر } أيضا؛ تتميما لمصالح عباده إلى حيث { كل } منهما { يجري } ويدور بإذن الله وإلهامه { لأجل مسمى } هي من مبدأ دوره إلى منتهاه، أو إلى انقراض نشأة الدنيا { ذلكم } المتصرف بالاستقلال والاختيار، المدبر بكمال العلم والخبرة ووفور الحكمة والدرية، هو { الله ربكم } الذي أظهركم من كتم العدم، ورباكم بأنواع النعم والكرم، كيف لا يربيكم سبحانه بعدما أبدعكم؛ إذ لا متصرف في الكائنات إلا هو { له الملك } لا مالك له سواه ولا مدبر غيره.
অজানা পৃষ্ঠা