তাফসির গিলানী
تفسير الجيلاني
{ وقالوا } مفتخرين بما عندهم من الجاه والثروة: نحن أولى بما أدعيتم من النبوة والرسالة؛ إذ { نحن أكثر أموالا وأولادا } إذ بالأموال تنال كل مطلوب، وبالأولاد يظاهر على كل مملة ومكروه { و } بالجملة: { ما نحن بمعذبين } [سبأ: 35] لا في الدنيا لما سمعت من كرامة الأموال والأولاد، ولا في الآخرة أيضا إن فرض وقوعها؛ لأنا قوم أكرمنا الله بها في الدنيا، فكذا يكرمنا في الآخرة.
{ قل } لهم يا أكمل الرسل بعدما بالغوا في الافتخار والمباهاة بما عندهم من حطام الدنيا ومتاعها: { إن ربي } القادر المقتدر على الإنعام والانتقام { يبسط } ويكثر { الرزق } الصوري الدنيوي { لمن يشآء } من عباده؛ اختبارا لهم وابتلاء { ويقدر } أي: يقل ويقبض على من يشاء؛ تيسيرا له وتسهيلا عليه حسابه { ولكن أكثر الناس } المجبولين على السهوا والنسيان { لا يعلمون } [سبأ: 36] حكمة قبضه وبسطه؛ لذلك يفرحون بوجوده ويحزنون بعدمه، ولم يتفطنوا أن وجوده يورث حزنا طويلا وعذابا أليما، وعدمه يوجب أنواع الكرمات ونيل المثوبات.
ثم قال سبحانه تقريعا على المفتخرين بالأموال والأولاد: { ومآ أموالكم ولا أولادكم } أيها المغرورون بهما، المحرومون عن اللذات الأخروية بسببهما، إلا وسيلة وواسطة { بالتي } أي: بالخلصة الحسنة التي { تقربكم } أيها المأمورون بالتقرب إلينا بالأعمال المقبولة { عندنا زلفى } أي: تقريبا مطلوبا لكم، مصلحا لأحوالكم وأعمالكم ومواجيدكم { إلا من آمن } منكم أيها المتمولون المتكثرون للأولاد، وأيقن بتوحيده سبحانه وصدق رسله وكتبه { وعمل } عملا { صالحا } مقبولا عند الله، متقربا إليه سبحانه ، بأن أنفق ماله في سبيل الله طلبا لمرضاته، وعلم أولاده علم التوحيد والأحكام والعقائد المتعلقة بدين الإسلام { فأولئك } السعداء المقبولون عند الله، المبسوطون من عنده بالرزق الصوري في هذه النشأة { لهم } في النشأة الأخرى { جزآء الضعف بما عملوا } أي: جزاؤهم من الرزق المعنوي أضعاف ما استحقوا بأعمالهم إلى العشرة، بل إلى ما شاء الله من الكثرة، بل { وهم في الغرفات } المعدة لأهل الجنة في الجنة { آمنون } [سبأ: 37] مصونون عن جميع المؤذيات والمكروهات.
ثم قال سبحانه: { و } الكافرون المنكرون المكذبون رسلنا وكتبنا { الذين يسعون } ويجتهدون { في } قدح { آياتنا } الدالة عظلمة ذاتنا، وكمال أسمائنا وصفاتنا، وعلى الأحكام الجارية بين عبادنا، المتعلقة لأحوالهم في النشأتين حال كونهم { معاجزين } قاصدين عجزنا عن إقامة الحدود بين العباد، واتخاذ العهود منهم، ووضع التكاليف والأحكام والآداب بينهم { أولئك } البعداء، الطاعنون لآياتنا الكبرى، الغافلون عن فوائدها العظمى { في العذاب } المؤبد المخلد { محضرون } [سبأ: 38] لا يتحولون عنها ولا يغيرون.
{ قل } يا أكمل الرسل للمسرفين المنحرفين عن جادة العدالة الإلهية، متكئين بما عندهم من الأموال والأولاد الفانية الزائلة، مفتخرين بها تفوقا وتبجحا: { إن ربي } العليم، المطلع على جميع استعدادات العباد، الحكيم في إفاضة ما يليق لهم { يبسط } يزيد ويفيض { الرزق } الصوري { لمن يشآء من عباده } تارة على مقتضى مشيئته ومراده { ويقدر له } أي: ينقص ويقبض الرزق عنه مرة أخرى إرادة واختيارا على مقتضى حكمته ومصلحته التي استأثر الله بها في غيبه وحضرة علمه { و } بعدما سمعتم هذا اعلما أيها المبسوطون المنعمون { مآ أنفقتم من شيء } استخلفكم الله سبحانه عليه من الرزق، وأمركم بإنفاقه على فقرائه { فهو } سبحانه { يخلفه } ويعوض عنه بأضعافه وآلافه، إن صدر عنكم الإنفاق بالاعتدال بلا تبذير وتقتير { و } كيف لا يخلف سبحانه الرزق الصوري لخلص عباده مع أنه { هو } سبحانه { خير الرازقين } [سبأ: 39] بالرزق الصوري المعنوي، المخلص لهم عن مقتضيات بشريتهم ومشتيهات أهويتهم البهيمية.
[34.40-43]
{ و } اذكر يا أكمل الرسل لمن عبد الملائكة واتخذوهم أربابا من دون الله مستحقين للعبادة والرجوع في الملمات مثله سبحانه، وسموهم شفعاء { يوم يحشرهم } في المحشر { جميعا } العبادون والمعبودون { ثم يقول للملائكة } على رءوس الأشهاد، وتفضيحا للعابدين، وتقريعا لهم: { أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون } [سبأ: 40] يعني: أهؤلاء المسرفون المشركون ي يعبدون إياكم كعبادتي، بل يخصونكم بالعبادة ويهتمون بشأنكم، هل تستبعدونهم وتسترضون عبادتهم وتوالون معهم، أم يعبدونكم من تلقاء نفوسهم؟!.
{ قالوا } أي: الملائكة خائفين من بطشه سبحانه، مستحيين، متضرعين نحو جنابه: { سبحانك } ننزهل يا مولانا عما لا يليق بشأنك { أنت ولينا من دونهم } وأنت المراقب علينا، المطلع على سرائرنا وضمائرنا، المتولي لجميع ما صدر عنا، وأنت تعلم يا مولانا ألا موالاة بيننا وبينهم؛ إذ لا يخفى عليك خافية، ومن أين يسع لنا ويتأتى من الرضا بأمثال هذه الجرأة والجرائم العظيمة، وأنت أعلم يا مولانا بمعبوداتهم التي اتخذوها هؤلاء الغواة الطغاة، الهالكون في تيه الجهل والغفلة؛ لعلو شأنك وشأن ألوهيتك وربوبيتك { بل كانوا يعبدون الجن } أي: الشياطين الداعين لهم إلى عبادتهم، الراضين بها؛ لأنهم يتمثلون بصور الملائكة، ويدعون الألوهية والربوبية لأنفسهم، ويأمرونهم بالعبادة لأنفسهم، بل { أكثرهم } أي: كل المشركين، وجملة المتخذين أندادا لله { بهم مؤمنون } [سبأ: 41] أي: بالشياطين، عابدون لهم، متوجهون نحوهم في عموم مهامهم.
{ فاليوم } تبلى السرائر، وظهر ما في الضمائر، ولا سلطان الوحدة الذاتية، وانقهر الأظلال الأغيار، وظهر أن الأمور كلها مفوضة إليه سبحانه، وإن كان قبل ذلك أيضا، كذلك { لا يملك بعضكم } أيها الأظلال المستهلكة في شمس الذات { لبعض نفعا ولا ضرا } لا جلبا ولا دفعا، ولا لطفا ولا قهرا { و } بعدما انقطع عنهم التصرف مطلقا، لا معنى ولا صورة، ولا مجازا ولا حقيقة { نقول } على مقتضى قهرنا وجلالنا { للذين ظلموا } وخرجوا عن ربقة عبوديتنا ومقتضيات حدودنا الموضوعة لإصلاح أحوال عبادنا: { ذوقوا } أيها الضالون المنهمكون في بحر العدوان والطغيان { عذاب النار التي كنتم بها تكذبون } [سبأ: 42] في نشأتكم الأولى بعدما أخبرتم على ألسنة الرسل والكتب.
{ و } كيف لا نقول لهم ما نقول؛ إذ هم كانوا من غاية عدوانهم وظملهم على الله وعلى رسله وكتبه { إذا تتلى عليهم آياتنا } الدالة على إصلاح أحوالهم المتعقلة بالنشأتين مع كونها { بينات } واضحات في الدلالة على أهل مقاصدهم ومطالبهم { قالوا } من شدة شكيمتهم وغيظهم على رسول الله: { ما هذا } المدعي للرسالة والنبوة - يعنون الرسول صلى الله عليه وسلم - { إلا رجل } حقير مستبد برأيه، مستبدع أمرا من تلقاء نفسه { يريد أن يصدكم } ويصرفكم { عما كان يعبد آبآؤكم } ويستتبعكم؛ أي: يجعلكم تابعين له، بل يستبعدكم بأمثال هذا التلبيس والتقرير { وقالوا } أيضا في حق القرآن: { ما هذآ } الذي جاء به { إلا إفك مفترى } أي: كذب مختلق غير مطابق للواقع، افتراه على الله؛ تلبيسا وتقريرا على ضعفاء الأنام { و } بالجملة: { قال الذين كفروا للحق } الصريح، وستروه بالباطل عدوانا وعنادا { لما جآءهم } أي: حين عاينوا به وعلموا أنه من الخوارق العجيبة، واضطروا خائبين حائرين عن جميع طرق الرد والمنع، غير أنهم نسبوه إلى السحر وقالوا: { إن هذآ } أي: ما هذا الذي سماه قرآنا { إلا سحر مبين } [سبأ: 43] ظاهر سحريته، عظيم إعجازه.
অজানা পৃষ্ঠা