তাফসির গিলানী
تفسير الجيلاني
{ يأيها النبي } المؤيد من عند العليم الحكيم مقتضى نبوتك التي صرت بها خاتما لدائرة النبوة والرسالة، متمما لمكارم الأخلاق، مكملا لأمر التشريع والتدوين: التقوى والتحفظ من مقتضيات الأراء الباطلة، والأهواء الفاسدة، والتحصن بالله والثقة إليه، وجعله وقايتك عند نزول البلاء وهجوم الأعداء { اتق الله } حق تقاته، واجتنب عما لا يرضى به ربك مطلقا { ولا تطع } في حال من الأحوال أمر { الكافرين والمنافقين } الذين خاصموا معك في إسرارهم وإعلانهم، ولا تتبع أهواءهم الفاسدة وآراءهم الباطلة، وابتغ فيما آتاك الله من مقتضيات استعدادك، وما تفضل عليك امتنانا لك؛ لرضاء الله والفوز بشرف لقاء الله { إن الله } المصلح لأحوال عباده { كان عليما } في حضرةة علمه الحضوري بقابليتك وبمقتضياتها { حكيما } [الأحزاب: 1] في إفاضة ما يعينك وينبغي لك، ويليق بشأنك.
{ و } بعدما جعلت ربك وقاية نفسك، واتخذته وكيلا لشأنك وأمرك { اتبع ما يوحى إليك من ربك } تأييدا لك، وتدبيرا لأمورك وأحوالك، ولا تلتفت إلى هذيانات من عاداك، ولا تبال بمكرهم وحيلهم { إن الله كان } الرقيب عليك وعليهم { بما تعملون } من المخائل الفاسدة، والتلبيسات الباطلة المتعلقة لمقتك وهلاكك { خبيرا } [الأحزاب: 2] يكفيك مؤنة شرورهم ومكرهم، ويغلبك عليهم ويظهر دينك على الأديان كلها.
{ وتوكل على الله } أيها المتحصن بكنف حفظه وجواره، وثق بكرمه ولطفه { وكفى بالله } أي: كفى بالله المراقب عليك في جميع أحوالك { وكيلا } [الأحزاب: 3] لك يراقبك ويحفظظ من شرور من قصد مقتك، وهجومهم عليك، ومكرهم معك، وكن في نفسك متوجها إلى ربك، مخلصا فيه، مائلا بوجه قلبك إلى قبلة وجهه الكريم، ولا تفلتفت إلى من سواه ولا تخطر ببالك غيره؛ إذ لا يسع في القلب الواحد إلا هم واحد.
ولهذه الحكمة العلية { ما جعل } وخلق { الله } العليم الحكيم، المتقن في أفعاله { لرجل } واحد { من قلبين } مشعرين مدركين { في جوفه } حتى لا يتفتت ميله، ولا يتعدد قبلة مقصده ومرماه، وإن خلق له عينين وأذنين ويدين وغيرهما { و } كذا { ما جعل } الله العليم الحكيم { أزواجكم اللائي تظاهرون منهن } وتقولون لهن: أنت علي كظهر أمي { أمهاتكم } حقيقة؛ ليترتب عليها أحكام الأمهات من التحريم، وعدم القربان والفراش معها وغيرها { وما جعل } أيضا { أدعيآءكم } أي: الأجانب الذين تدعونهم أبناء من إفراط المحبة والمودة { أبنآءكم } حقيقة؛ حتى يترتب عليهم أحكام الأبناء من الميراث والمحرمية، وحرمة زوجتهم وابنتهم وغير ذلك من الأحكام.
{ ذلكم } أي: الأمور الثلاثة المذكورة { قولكم } أي: مجرد قول صدر عن ألسنتكم وتكلمتكم { بأفواهكم } لا حقيقة لها سوى الاشتهار { والله } المدبر لأموركم، المصلح لأحوالكم { يقول الحق } أي: الحكم الثابت المتحقق عنده سبحانه، المترتب عليه أحكامه إرشادا لكم، وإصلاحا لحالكم { و } كيف لا { هو } بمقتضى ألوهيته وربوبيته { يهدي السبيل } [الأحزاب: 4] السوي والصراط المستقيم إلى عباده الذين انحرفوا عن سبل السلامة، وطرق الاستقامة في الوقائع والأحكام.
[33.5-8]
وبعدما سمعتم حقيقة القول في أدعياءكم وحقيته { ادعوهم } أي: سموهنم أدعياءكم بأسمائهم، وانسبوهم حين دعائكم وندائكم:إيها { لآبآئهم } المولدين لهم حقيقة لا إلى الداعي إن علموا آباءهم الأصلية النسلية { هو } أي: انتسابهم إلى آبائهم { أقسط عند الله } وأقوم بين المؤمنين، وأقرب إلى الصدق، وأبعد عن الكذب والفرية؛ إذ كثيرا ما اشتهر دعي باسم من تبناه فأراد أن يأخذ منه الميراث، فعليكم ألا تنسبوهم إلا لآبائهم الحقيقيين { فإن لم تعلموا آباءهم } لتنسبوهم إليهم { فإخوانكم في الدين ومواليكم } أي: فهم إخوانكم في الدين وأولياؤكم فيه كسائر المؤمنين، فخاطبوهم مثل خطاب بعضكم بعضا، فقولوا له: يا أخي، ويا صاحبي، ووليي في الدين وغير ذلك.
{ وليس عليكم } أيها المؤمنون { جناح } إثم ومؤاخذة { فيمآ أخطأتم به } أي: بقولكم هذا ونسبتكم هذه إذا صدرت عنكم هفوة على سبيل الخطأ والنسيان، سواء كان قبل ورورد النهي أو بعده { ولكن } تؤاخذون في { ما تعمدت قلوبكم } وصدرت عنكم هذا قصدا؛ إذ قصدكم به يؤدي إلى الافتراء، وتضييع حقوق المؤمنين { وكان الله غفورا } في حق من أخطأ ونسي ثم ذكر فتاب { رحيما } [الأحزاب: 5] عليه يقبل توبته، ويغفر ذاته.
ثم أشار سبحانه إلى تأديب كل من الأمم مع نبيه المؤيد من عنده سبحانه بأنواع التأييدات، والمعجزات الخارقة للعادات، المبعوث إليهم؛ لإرشادهم وتكميلهم، وأمرهم بحسن الأدب معهم والمحافظة على خدمتهم وحرمتهم.
وكيف لا يحسنون الأدب من الأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم - إذ كل نبي بالنسبة إلى أمته كالأب المشفق العطوف معهم، بل هو خير آبائهم يرشدهم إلى ما هو أصلح لهم في دينهم الذي هو حياتهم الحقيقية، فلهم أن يكونوا معه في مقام التذلل والانكسار التام، والانخفاض المفرط بأضعاف ما وجب عليهم من حقوق الولد النسبي؛ إذ آثار تربية الأنبياء مؤبدة مخلدة، وآثار تربية هؤلاء الآباء متناهية منقطعة، وإن ترتب على تأديبهم وانخافضهم معه من المثوبة الأخروية، فإنما هي راجعة إلى تربية نبيهم.
অজানা পৃষ্ঠা