তাফসির গিলানী
تفسير الجيلاني
{ و } من شدة شكيمته، وبغضه بالله ورسوله وكتابه، ونهاية عتوه وعناده { إذا تتلى عليه } وقرئ عنده { ءاياتنا } الدالة على توحيد ذاتنا، وكمال أسمائنا وصفاتنا { ولى } عنها، وأعرض عن استماعها، وانصرف عن قبولها { مستكبرا } عليها، متجافيا كشحه عنها، { كأن لم يسمعها } مع أنها تتلى عليهم قصد الاستماع، ولم يلتفت إليها { كأن في أذنيه وقرا } صمما يعوقه عن السماع والاستماع { فبشره } يا أكمل الرسل بعدما أعرض عن كتاب الله، واستنكف عن استماعه وإصغائه مستخفا عليه، مستحقرا إياه { بعذاب أليم } [لقمان: 7] مؤلم في غاية الشدة والألم.
[31.8-11]
ثم عقب سبحانه وعيد الكفرة الهالكين في تيه الغي والضلال بوعد المؤمنين على مقتضى سنته المستمرة فقال: { إن الذين آمنوا } بتوحيد الله، وصدقوا رسله { وعملوا الصالحات } المرضية له سبحانه، المقبولة عنده على مقتضى ما نزل عليهم من الآيات الواردة إياهم، المصفية لظواهرهم وبواطنهم { لهم } في النشأة الأخرى جزاء ما أتوا به من الإيمان والعمل الصالح في النشأة الأولى { جنات النعيم } [لقمان: 8] متنزهات مملوءة بألوان النعم، وأصناف الجود والكرم، لا يتحولون منها أصلا، بل صاروا { خالدين فيها } مترفهين بنعيمها لا يمسهم فيها نصب ولا وصب { وعد الله } الذي وعد لخلص عباده من عنده على مقتضى علمه وإرادته لا بد له أن ينجزه { حقا } صدقا بلا خلف وتردد { و } كيف يخلف في وعده { هو العزيز } الغالب القادر على جميع ما دخل في حيطة علمه وإرادته { الحكيم } [لقمان: 9] المتقن في إيجاده وإظهاره على الوجه الذي أراد.
ومن جملة حكمته المتقنة المتفرعة على حضرة علمه المحيط، وقدرته الشاملة، وإرادته الكاملة أنه { خلق } وأظهر { السموت } أي: عالم الأسباب { بغير عمد } وأسانيد على الوجه الذي { ترونها } معلقة على الأرض بلا استناد واتكاء { وألقى في الأرض } التي هي عالم المسببات { رواسي } شامخات، وجبالا راسيات؛ كراهة { أن تميد بكم } وتميل عليكم وقت ترددكم وتحرككم عليها { وبث فيها } أي: بسط عليها، ونشر { من كل دآبة } تتحرك عليها متبادلة متقابلة كيف اتفق؛ لتستقر وتتمكن؛ لأن طبيعتها في حد ذاتها كانت على الحركة والاضطراب؛ إذ هي محفوفة بالماء السائل المجبول على الحركة والسيلان، وبالهواء المتموج بالطبع، وبالنار المضطربة، وبالأفلاك المتحركة بطبقاتها { و } بعدما شهدناها وألقينا عليها من الرواسي العظام تتميما لتقريرها { أنزلنا من } جانب { السمآء مآء } مستحدثا من الأبخرة والأدخنة المتصاعدة المتراكمة، المتسحيلة بالماء بمجاورة الكرة الزمهريرية { فأنبتنا } وأخرجنا بإنزال الماء عليها { فيها } أي: في الأرض المنبسطة اليابسة بالطبع { من كل زوج } صنف من النبات مزدوج مع شاكلته { كريم } [لقمان: 10] كثير المنافع الفوائد، مصلح للأمزجة، قموم لها؛ لتعيشوا عيلها مترفيهن متنعمين، شاكرين لنعمنا، غير كافرين بمقتضى جودنا وكرمنا.
ثم قال سبحانه من مقام العظمة والكبرياء، وكمال المجد والبهاء على سبيل الإسكات والتبكيت لمن أشرك معه غيره عنادا ومكابرة: { هذا } الذي سمعتم أيها المجبولون على السمع والإصغاء { خلق الله } القادر المقتدر ذي الحول والقوة الغالبة، والطول العظيم { فأروني } أيها المشركون المسرفون، المفرطون في دعوى الشرك معه سبحانه { ماذا خلق } أي: أي شيء أظهر وأوجد الشركاء { الذين } تعبدونهم وتدعون نحوهم في الخطوب، وتذعنون أنهم آلهة { من دونه } سبحانه مستحقة للعبادة والرجوع، قادرة على لوازم الألوهية والربوبية، فسكتوا بعدما سمعوا ما سمعوا باهتين، وانقلبوا حينئذ صاغرين { بل الظالمون } المجبولون على الظلم والخروج عن مقتضى الحدود الإلهية، سيما بدعوى الشركة واتخاذ إله سواه - العياذ بالله منه - { في ضلال مبين } [لقمان: 11] وغواية ظاهرة ، وطغيان عظيم.
[31.12-15]
ثم قال سبحانه عن سبيل إظهار الفضل الامتنان، والتفرد بمقتضى الألوهية والربوبية: { ولقد آتينا } من مقام عظيم لطفنا وجودنا { لقمان } بن باعورا بن ناخور بن آزر، فكان ابن أخت أيوب عليه السلام أو ابن خالته، وعاش إلى أن أدرك داوود عليه السلام فأخذ منه العلم و { الحكمة } وهي عبارة عن اعتدال الأوصاف الجبلية المودعة في النفوس البشرية على مقتضى الفطرة الأصلية، والتخلق بالأخلاق المرضية المنشئة من الأوصاف الذاتية الإلهية، وقلنا له بعدما أنعمنا عليه نعمة الحكمة، وأعددناه لقبول فيضان أنواع اللطف والكرامات: { أن اشكر لله } واصرف بمقتضى الحكمة الموهوبة لك من عندنا جميع ما أعطيناك من النعم العظام على ما جبلنا لأجله؛ لتكون من زمرة الشاكرين المواظبين على أداء حقوق جودنا وكرمنا، ومن جملة المطيعين لمقتضيات حكمتنا وأحكامنا.
{ و } أعلم أيها المجبول على الحكمة الفطرية أنه { من يشكر } نعمنا عاد على نفسه فوائد كرمنا { فإنما يشكر لنفسه } إذ فائدة شكره عائدة إليه، مزيدة لنعمنا إياه، مستجبلة لأنواع لطفنا وإحساننا معه { ومن كفر } لنعمنا من خبث طينته، وأعرض عن أداء حقوق كرمنا إياه، فوبال كفرانه أيضا عائد إلى نفسه؛ إذ عندنا الشكر والكفر سيان، ونحن منزهون عن الربح والخسران { فإن الله } المتجلي على عموم الأنفس والآفاق بالاستحقاق { غني } بذاته عن جميع صور إحسان عباده معه { حميد } [لقمان: 12] هو في ذاته باعتبار أوصافه الذاتية الظاهرة آثارها على صفائح الأكوان والمكونات، المتجهة نحو مبدعها، المثنية له حالا ومقالا، سرا وجهارا.
{ و } اذكر يا أكمل الرسل لمن تبعك من المؤمنين معناه تذكيرا لهم، وعظة عليهم: { إذ قال لقمان لابنه } المسمى بأنعم أو أشكم، أو ماثان قولا ناشئا عن محض الحكمة المتقنة، الموهوبة له من عنده سبحانه { وهو يعظه } ويقصد تهذيب ظاهره وباطنه عن الأخلاق الردية والخصائل الدنية، مناديا أياه، مصغرا على سبيل التحنن والتعطف، وكمال الترحم والتلطف، مضيفا إلى نفسه؛ ليقبل منه ما أوصاه: { يبني لا تشرك بالله } المنزه عن الشريك والشبيه، والكفء والنظير، واعلم أن أجل أخلاقك، وأعز أوصافك: التوحيد وتنزيه الحق عن الشبيه والتعديد، وأخس أوصافك، وأرذل أخلاقك، وأردى ما جرى في خلدك وضميرك: الشرك بالله { إن الشرك } واعتقاد التعدد والاثنينية في حق الحق، الحقيقي بالحقية، الوحيد بالقيومية، الفريد بالديمومية، المستقبل بالألوهية والربوبية { لظلم عظيم } [لقمان: 13] لا ظلم أعظم وأفحش، أعاذنا الله وعموم عباده منه.
ثم قال سبحانه على سبيل التوصية والمبالغة تأكيدا وتحقيقا على ما أوصى به لقمان ابنه من النهي عن الشرك، والزجر عنه: { ووصينا الإنسان } وألزمنا عليه أولا بعدما أظهرناه قابلا لحمل التكاليف المستكملة { بوالديه } أي: بإطاعتهما، وبحفظ آداب المعاشرة والمصاحبة معهما، ورعاية حقوقها على ما ينبغي ويليق بلا فوت شيء من حقوقهما، سيما الوالدة المتحملة لأجله أنواع المحن والمشاق؛ إذ { حملته أمه } بواسطة حمله في بدء وجوده { وهنا على وهن } أي: ضعفا على ضعف؛ إذ كلما ازداد نشوءه ازداد ضعفها إلى أن انفصل عنها، وبعد انفصاله تداوم لحفظه وحضانته إلى فطامه { وفصاله } أي: فطامه إنما هو { في عامين } وبعد انفطم تلازم أيضا على حفظه إلى وقت بلوغه، وبعدما بلغ سن التكليف قلنا له: { أن اشكر لي } أيها المكلف المتنعم بأنواع النعم مني أصالة وتسببا؛ لأني خلقتك وأظهرتك من كتم العدم ولم تك شيئا.
অজানা পৃষ্ঠা