ويعد الدور الذي ينبغي أن تؤديه البلاغة في التفكير النقدي موضعا للجدال، وربما يعود سبب ذلك إلى أن معظم معلمي التفكير النقدي من الفلاسفة الكبار، أو على الأقل من المتمرسين في علم الفلسفة، والعداء بين مدرسة الفلسفة ومدرسة البلاغة قديم يمتد حتى العصر الذهبي في أثينا.
وحينما عرف سقراط الفلاسفة بأنهم «محبو الحكمة»، كان من بين أهدافه أن يميزهم عن فئة أخرى تسمى السفسطائيين. كان السفسطائيون معلمين رحالة يدرسون للأثرياء والطموحين خدعا لفظية تزيد من فاعلية الحديث؛ أي تجعله مقنعا بدرجة أكبر. وفي أثينا الديمقراطية، كان مفتاح السلطة يكمن في تحريك الجماهير؛ مثل هيئات المحلفين ومجلس الحكم. ولهذا السبب، أصبحت مساعدة الناس على إتقان التعامل مع الحشود عملا مربحا. لكن رغبة السفسطائيين في مساعدة الآخرين على تعلم إظهار الحجج الضعيفة بمظهر القوة قد وضعهم في مرمى نيران الفلاسفة الذين كانوا يسعون إلى الحقيقة الصادقة لا مظهرها فحسب.
9
على الرغم من مرور ألفين وخمسمائة عام من الجدال بين أهل الفلسفة وأهل البلاغة، فإن فهم دور البلاغة في التواصل الإنساني يمكن أن يدعم دراسة التفكير النقدي. فالكثير من العبارات الإضافية التي قد يلزم استبعادها من الحجج النثرية لتصفيتها إلى مقدمات منطقية واستنتاجات تخلو من الغموض، هي على الأرجح من الأساليب البلاغية المخصصة للإقناع، لكنها لا تقدم معلومات بالضرورة (مثل العبارة المذكورة سابقا «هذا هراء!»). ولهذا؛ فإن فهم اللغة الإقناعية مفيد في تحديد ما يمكن تضمينه في الحجة المنطقية وما يمكن استبعاده.
علاوة على ذلك، إذا كانت البلاغة تستخدم لإظهار الحجة الضعيفة بمظهر القوة، فإن فهم الأساليب البلاغية يزود المفكر النقدي «برؤية ثاقبة» من أجل تبديد الغموض اللفظي وتحديد ما يكمن فيها من استدلال فقير أو مقدمات زائفة.
وأخيرا، إذا كان للبلاغة أن تظهر حجة ضعيفة بمظهر أكثر إقناعا، فتخيل ما يمكن أن تفعله لحجة قوية. حتى إذا كانت المقدمات صحيحة والاستدلالات المنطقية التي تؤدي إلى الاستنتاج رصينة، فلا يزال المرء بحاجة إلى جذب انتباه الناس إلى ما يقوله. إن استخدام أساليب الإقناع التي لا تزال تحرك الجماهير منذ قرون مع الحجج الصالحة السليمة القوية (التي ينبغي أن تكون أخلاقية فاضلة)، لا يجعلها مقنعة فحسب، بل يصعب دحضها للغاية أيضا. «إن استخدام أساليب الإقناع التي لا تزال تحرك الجماهير منذ قرون مع الحجج الصالحة السليمة القوية (التي ينبغي أن تكون أخلاقية فاضلة)، لا يجعلها مقنعة فحسب، بل يصعب دحضها للغاية أيضا.» (11) الحجاج
ثمة مغالطة لم أذكرها في الأجزاء السابقة هي «الاشتراك اللفظي»، وتنبع من اللبس (المتعمد أو العرضي) الذي ينتج عن وجود العديد من الكلمات التي تتخذ أكثر من معنى واحد. ومن هذه الكلمات التي تتخذ معاني عدة، كلمة تكررت كثيرا في هذا الفصل، وهي «الحجة».
من ناحية ما، يمكن تعريف الحجة على أنها مجموعة جمل تتضمن أدلة (في شكل مقدمات منطقية)، واستنتاجا واستدلالات منطقية تربط بين المقدمات المنطقية والاستنتاج. وبناء على هذا التعريف، يعتبر قياس أرسطو المنطقي - في مجمله - حجة واحدة، وينطبق الأمر نفسه على الحجة المطروحة في حفل العشاء التي تناولها الكتاب بصياغات مختلفة.
وبالرغم من ذلك، يمكن تعريف الحجة بمعنى أشمل؛ إذ وصفها أحد الباحثين بأنها تشمل «التعبير عن الأفكار والخواطر والمشاعر والافتراضات، وجمع تلك الأفكار والمفاهيم بعضها مع بعض في تسلسلات منطقية وشبه منطقية، مدعوما (في العادة وعلى وجه الإفادة) بالأدلة، إضافة إلى تحديد موقف الدارس من حيث المعارف الحالية».
10
অজানা পৃষ্ঠা