عندما كنت حاملا بكليا كنا نعيش في منزل في شارع أرجايلز في مدينة فانكوفر. كان المنزل مطليا بالجص الرمادي المقبض من الداخل؛ مما جعلنا نقرر في شتاء ممطر أن نقوم بطلاء المنزل بأكمله من الداخل، جميع الغرف، بألوان زاهية غير متناسقة؛ حيث طلينا ثلاثة جدران بغرفة النوم بلون أزرق فاتح ضارب إلى الرمادي، والجدار الرابع بالأحمر الأرجواني، حينها كنا نقول إنها تجربة لنرى إذا ما كانت الألوان يمكن أن تدفع أي شخص للإصابة بالجنون يوما ما. أما الحمام فقد تم طلاؤه بلون أصفر برتقالي غامق، وعندما انتهينا من طلائه علق هوجو على الحمام قائلا: «يبدو كما لو أننا بداخل قطعة جبن؛ هذا صحيح، أليس كذلك؟» ورددت عليه قائلة: «هذه جملة جيدة يا صانع الجمل.» حينها كان سعيدا ولكن ليس بنفس مقدار السعادة التي كان سيشعر بها جراء كتابة تلك الجملة بدلا من قولها. فيما بعد، في كل مرة يقوم بها بعرض الحمام على أي شخص يقول: «انظر، هل ترى هذا اللون؟ إنه يبدو كما لو أننا بداخل قطعة جبن.» أو يقول: «كما لو أننا نقضي حاجتنا بداخل قطعة جبن.» وليس الأمر أنني لم أقم بنفس الشيء، حفظ بعض الجمل وترديدها مرارا وتكرارا، فربما قلت تلك العبارة عن قضاء الحاجة بداخل قطعة جبن، حيث كانت لدينا العديد من الجمل المشتركة؛ فعلى سبيل المثال كان كلانا يطلق على مالكة البيت لقب الدبور الأخضر؛ إذ إنها في المرة الوحيدة التي رأيناها بها كانت ترتدي رداء بلون السم الأخضر الذي نراه في القصص الخرافية، وكان يزين الرداء قطع من فراء الفئران وصحبة من ورود البنفسج؛ كان الرداء يعطي إيحاء بالشر. كانت ربة البيت تتعدى السبعين من عمرها وكانت تدير بنسيونا للرجال بوسط المدينة. أما ابنتها دوتي فكنا نطلق عليها لقب الغانية المقيمة. لا أدري لماذا اخترنا لها لقب «غانية»؛ فهذه المفردة غير مستخدمة عادة. أعتقد أننا استخدمناها بسبب كونها مفردة يبدو على طريقة نطقها الرقي، طريقة نطق راقية وتدل على الانحراف في نفس الوقت، الأمر الذي يتناقض وبسخرية مع دوتي نفسها؛ فأنا وهوجو نعشق السخرية.
كانت دوتي تعيش في قبو المنزل بشقة مكونة من غرفتين، وكان عليها دفع خمسة وأربعين دولارا لأمها كإيجار شهري لتلك الشقة، وقد أخبرتني في مرة أنها تحاول تدبير المال عن طريق عملها جليسة أطفال.
حينها فسرت لي اختيارها قائلة: «أنا لا أستطيع الخروج إلى العمل، فأعصابي لا تحتمل هذا الضغط. لقد أمضيت أكثر من ستة شهور مع زوجي السابق وهو يحتضر بسبب داء في الكليتين في منزل أمي، وما زلت مدينة لها بأكثر من ثلاثمائة دولار مقابل هذه الإقامة. كانت تجبرني على أن أصنع له شراب البيض بلبن خالي الدسم. لا يوجد يوم بحياتي لم أكن مفلسة فيه. كانوا دائما يقولون إن الصحة تغلب المال، وما دمت متمتعة بصحتي فكل شيء بخير، ولكن ماذا يحدث إذا لم يكن لديك لا صحة ولا مال؟ فمنذ الثالثة من عمري وأنا مصابة بالالتهاب القصبي الرئوي، ثم أصابتني الحمى الروماتيزمية وأنا في الثانية عشرة، وفي السادسة عشرة تزوجت زوجي الأول الذي لقي حتفه في حادث قطع أشجار، هذا إضافة إلى أني أجهضت ثلاث مرات، فأصبحت رحمي متهتكة؛ مما يجعلني أستخدم ثلاث علب من الفوط الصحية شهريا. فيما بعد تزوجت من مزارع يمتلك مزرعة ألبان في الوادي، ثم حدث أن أصابت الحمى قطيعه؛ مما جعلنا معدمين، هذا هو زوجي الذي توفي جراء داء بكليتيه. لا عجب، لا عجب على الإطلاق أن أعصابي منهارة.»
لقد اختصرت الكثير من الحوار. تم هذا الحوار على طاولة دوتي حينما دعيت لاحتساء الشاي ثم الجعة فيما بعد، وكان هذا الحوار أطول من هذا بكثير وفي الواقع في منتهى الحزن والتعاسة، وبالرغم من ذلك كان يوجد حس بالفخر والانشداه في حديث دوتي. هذه هي الحياة الواقعية بعيدا عن الكتب أو المقالات أو الصفوف الدراسية أو المناقشات. لقد كانت شخصية دوتي على النقيض من شخصية والدتها؛ فقد كانت صريحة ورقيقة ولينة ومغلوبة على أمرها، هذا النوع من السيدات الحائرات اللواتي لا يحملن ما يميزهن عن غيرهن، واللواتي تجدهن على محطات الحافلات في المدينة منتظرات للحافلة بأيديهن أكياس التسوق. في الواقع، لقد وجدت دوتي في نفس هذا الوضع تماما، حيث رأيتها على محطة الحافلات في وسط المدينة، ولم أتعرف عليها في بادئ الأمر حيث كانت ترتدي معطف شتاء أزرق باهت اللون. كانت غرفة دوتي مليئة بالأثاث الثقيل، أثاث جمعته من زواجها: بيانو عمودي، وأريكة كبيرة وكراسي متخمة، وخزانة مكسوة بخشب الجوز للآنية الخزفية، إضافة إلى طاولة لغرفة الطعام، تلك التي جلسنا إليها؛ وكان يوجد بمنتصف هذه الطاولة مصباح ضخم ذو قاعدة خزفية مزخرفة، مزود بكمة حريرية مطوية ذات لون أحمر داكن، وكانت تلك الكمة موضوعة بزاوية غريبة كما لو كانت تنورة مطوقة.
وصفت هذا المصباح لهوجو قائلة: «إنه مصباح بيت البغاء.» فيما بعد أردت أن يهنئني ويحييني على دقة هذا الوصف. وقد أخبرته أنه عليه أن يولي دوتي مزيدا من الاهتمام في حال إذا أراد أن يكون كاتبا. كما أخبرته عما حدث لزوجها ولرحمها وعن مجموعتها من الملاعق التي تباع في محلات الهدايا التذكارية، وكان رده حينها أنني لدي مطلق الحرية في متابعتهم بنفسي. كان حينها يقوم بكتابة مسرحية شعرية.
بمجرد نزولي للقبو كي أضع الحطب في المدفأة وجدت دوتي تقف على الباب مرتدية روبا من الشانيل وردي اللون، وهي تودع رجلا يرتدي زيا كالذي يرتديه العاملون في محطات البنزين أو رجال تسليم البضائع. حدث هذا الأمر في منتصف وقت العصر. لم تكن طريقتها في توديع هذا الرجل تدل على أي نوع من أنواع الفحش أو العاطفة، ولم أكن لأستنتج أي شيء يتعلق بهذا المنحى، ربما كنت سأحسب هذا الرجل مجرد قريب أو نسيب لولا أنها بدأت وهي سكرى قليلا في سرد قصة طويلة حول كيف ابتلت ملابسها بسبب المطر، وكان أن اضطرت أن تترك ملابسها في منزل والدتها ولبس فستان من فساتين والدتها التي كانت ضيقة عليها للغاية مما أدى لارتدائها هذا الروب؛ ولذلك هي تقف مرتدية إياه الآن. ثم بدأت في سرد كيف أن لاري رآها وهي مرتدية تلك الملابس أثناء توصيله لبعض الملابس التي طلب منها أن تخيطها لزوجته، وكيف أنني أراها الآن بنفس الملابس، وأنها لا تدري كيف تبدو صورتها الآن أمامنا. الأمر كله كان غريبا، حيث إنني قد رأيتها عدة مرات من قبل وهي مرتدية الروب. وأثناء ضحكها وشرحها للموقف قام الرجل بتجنب الحديث وخرج من الباب دون أن ينظر إلي أو يبتسم أو يقول أي كلمة من أي نوع أو حتى لدعم قصة دوتي حول ما حدث.
حينها أخبرت هوجو: «يبدو أن لدى دوتي عشيقا.»
فرد علي قائلا: «أنت لا تخرجين من المنزل كثيرا، والآن تحاولين جعل حياتك أكثر إثارة.»
طوال الأسبوع التالي لهذه الحادثة قمت بمراقبة المنزل لمعرفة ما إذا كان هذا الرجل قد عاود الظهور مجددا. لم يظهر مرة أخرى، ولكن ظهر ثلاثة رجال آخرين؛ واحد منهم جاء مرتين، كانوا يسيرون بسرعة ورءوسهم منكسة ولم يضطروا للانتظار أمام باب القبو أيضا. حينها لم يستطع هوجو إنكار ما يحدث، وعلق على هذا الأمر قائلا إن الواقع يقتبس من الخيال، وبعد كل تلك الغانيات السمينات ذوات الدوالي اللائي قابلهن في الكتب، كان من المحتم أن يحدث ذلك. حينها بدأنا في إطلاق لقب الغانية المقيمة على دوتي، وبدأنا نتباهى بها أمام أصدقائنا، فكانوا يأتون لزيارتنا كي يقفوا خلف الستائر في محاولة اختلاس نظرة خاطفة لها وهي تدخل منزلها أو تخرج منه.
كانوا يقولون: «ليست هي تلك! أهي تلك فعلا؟ أليست مخيبة للآمال؟ ألا تمتلك أي ملابس خاصة بالمهنة؟»
অজানা পৃষ্ঠা