في بعض الأحيان كان الكلام يقف على طرف لسان إت قبل أن تقول لآرثر: «ثمة سر يؤرقني كنت أعتزم إخبارك به.» فهي لم تصدق أنها كانت ستدعه يموت دون أن يعرفه. لم تكن لتسمح له بذلك. وقد احتفظ بصورة لشار على مكتبه، وهي صورة التقطت لها وهي ترتدي ملابس تلك المسرحية التي لعبت فيها دور الفتاة التمثال. غير أن إت تغاضت عن الأمر، يوما بعد يوم. وظلت هي وآرثر يلعبان الريمية بأوراق اللعب وقاما على رعاية حديقة صغيرة، مع قصب التوت. لو أنهما كانا متزوجين لقال عنهما الناس إنهما في غاية السعادة.
مادة قصصية
أنا لا أتابع كتابات هوجو، ولكن أحيانا أرى اسمه، في المكتبة، على أغلفة بعض المجلات الأدبية التي لا أقرؤها؛ فأنا لم أقرأ مجلة أدبية منذ أكثر من اثني عشر عاما والحمد لله. أو ربما أقرأ اسمه في الصحف أو أراه على ملصقات إعلانية - في هذه الحالة أيضا أكون في المكتبة أو بمتجر الكتب - وفي أحيان أخرى أرى اسمه بلوحة الإعلانات بالجامعة للإعلان عن استضافته بندوة أدبية، وذلك عندما يأتي هوجو لمناقشة موضوعات مثل وضع الرواية في العصر الحالي، أو القصة القصيرة المعاصرة، أو التحدث عن النزعة القومية الجديدة في أدبنا. حينها أتساءل هل يذهب الناس إلى الندوات الأدبية تلك حقا؟ هل يقوم الناس الذين في مقدورهم الذهاب للسباحة أو لاحتساء مشروب أو حتى المشي بالتوجه إلى الحرم الجامعي حتى يبحثوا عن القاعة ويجلسوا في صفوف متتالية من الكراسي للاستماع لهؤلاء الرجال المغرورين الذين يثيرون الزوبعات؟ رجال مترفون، مستبدون بآرائهم، وغير منظمين، نعم هكذا أراهم، رجال تدللهم الحياة الأكاديمية، وتدللهم الحياة الأدبية، وتدللهم النساء. يذهب إليهم الناس ليسمعوهم يتحدثون عن أن هذا الكاتب أو ذاك لا يستحق أن تقرأ له أي عمل بعد الآن، وأن هذا الكاتب أو ذاك يجب عليك أن تقرأ أعماله، يذهب إليهم الناس ليستمعوا إليهم وهم يقللون من شأن هذا ويمجدون في شأن ذاك، ويستمعون إليهم وهم يجادلون ويضحكون ويصدمون الناس. أقول الناس ولكني هنا أتحدث عن النساء، نساء مثلي في منتصف العمر، مرتجفات وفي حالة تأهب دائمة، يأملن في أن تكون الأسئلة التي يطرحنها أسئلة ذكية وألا يتم النظر إليهن على أنهن سخيفات؛ وفتيات ذوات شعر ناعم غارقات في العشق والوله حتى آذانهن، يتمنين أن تلتقي أعينهن مع أعين رجل من الرجال الموجودين على المنصة. تقع الفتيات، إضافة إلى السيدات، في غرام هؤلاء الرجال، معتقدات أنهم يمتلكون قوة كامنة فيهم.
وإن بحثت عن زوجات هؤلاء الرجال الموجودين على المنصة فلن تراهن في الحضور، ستجدهن يشترين الخضراوات أو ينظفن الفوضى في منازلهن أو حتى يحتسين شرابا. دائما ما تجد حياتهن متمحورة حول الطعام والبيت والفوضى والسيارات والمال. ستجد أنهن المسئولات عن كل شيء؛ فهن من يتذكرن وضع إطارات السيارة المانعة للتزحلق، وهن من يذهبن للبنك، وهن من يجمعن زجاجات الجعة الفارغة؛ ولم يجب عليهن القيام بذلك؟ لأن أزواجهن رجال مبدعون وموهوبون، رجال عجزة ينبغي العناية بهم، وذلك في سبيل الكلمات التي تخرج من عقولهم. أما السيدات اللاتي في الحضور فستجدهن زوجات لمهندسين أو أطباء أو رجال أعمال. أنا أعرفهن شخصيا، فهن صديقاتي، بعضهن اتجه لعالم الأدب على نحو غير جدي، تلك هي الحقيقة، ولكن أخريات أتين على استحياء ولديهن أمل كبير ولكنه سريع الزوال. هؤلاء النساء يمتصصن ازدراء الرجال الموجودين على المنصة كما لو كن يستحققنه، وهن يؤمن خفية بأنهن يستحققن ذلك بسبب منازلهن وأحذيتهن باهظة الثمن، وأزواجهن الذين يقرءون للكاتب آرثر هايلي.
أنا شخصيا متزوجة من مهندس يدعى جابرييل، ولكنه يفضل أن نناديه جايب. يفضل الاسم جايب في هذا البلد؛ حيث إن مسقط رأسه رومانيا، وقد عاش هناك حتى سن السادسة عشرة حتى انتهت الحرب الدائرة بها، ولكنه نسي كيفية التحدث باللغة الرومانية . كيف يمكنك أن تنسى؟ كيف يمكنك أن تنسى لغتك الأم التي قضيت طفولتك كلها تتحدث بها؟ لطالما اعتقدت أنه يدعي النسيان؛ لأن الأشياء التي رآها ومر بها خلال الفترة التي كان يتحدث فيها بهذه اللغة، أشياء مهولة ومريعة بحيث إنه يرغب عن تذكرها مرة أخرى. وقد أخبرني ذات مرة أن اعتقادي هذا غير صحيح؛ حيث أكد لي أن خبرته مع الحرب لم تكن بهذا السوء؛ فكان يصف الضجة التي كانت تحدث في المدرسة عندما يتم إطلاق صافرات الإنذار عند الغارات الجوية مؤذنة بإلغاء الدراسة، ولكني لم أكن أصدقه كليا. كنت أطالبه بأن يصبح سفيرا قادما من أوقات عصيبة وبلاد بعيدة، ثم بدأت أشك في كونه رومانيا بالفعل، وأنه مدع نصاب.
ولكن هذا الشك كان قبل أن أتزوجه، حينما كان يأتي لزيارتي ورؤيتي في شقتي الموجودة بشارع كلارك رود، الشقة التي كنت أعيش بها مع ابنتي الصغيرة كليا، ابنتي من هوجو، ولكن هوجو اضطر لتركها والتخلي عنها تماما. رزق هوجو بأبناء عديدين؛ حيث إنه سافر ثم تزوج مرة أخرى وقد أنجبت زوجته ثلاثة أطفال، وفيما بعد طلق هذه الزوجة ثم تزوج مرة أخرى، أما زوجته التالية التي كانت طالبة لديه فقد أنجبت ثلاثة أطفال آخرين، أول طفل منهم قد أنجبته وهوجو ما زال مع زوجته الثانية. في ظروف كهذه يصعب على الرجل أن يتشبث بكل شيء. أما جابرييل فكان معتادا على البقاء طوال الليل أحيانا على الأريكة التي يمكن استخدامها كسرير، فكنت أستخدمها في تلك الشقة الصغيرة الفقيرة التي كنت أمتلكها؛ وأتذكر حينها أنني حينما كنت أشاهده وهو نائم كان يدور بخلدي أنه مع علمي بهذا الشخص، إلا أنه قد يكون ألماني الجنسية، أو ربما روسيا، أو حتى مجرد مواطن كندي عادي يتصنع لكنة ويختلق ماضيا حتى يبدو شخصا مثيرا للانتباه. كان جابرييل لغزا بالنسبة لي، وحتى بعدما أصبح عشيقي بفترة طويلة وبعدما أصبح زوجي، كان ولا يزال لغزا غامضا بالنسبة لي؛ حتى بالرغم من كل الأشياء التي أعرفها عنه، من عاداته اليومية وسماته الجسدية؛ سواء قسمات وجهه مثل انحناءات وجهه الناعمة وشكل عينيه الضحلتين المرسومتين على وجهه تحت جفون وردية ناعمة، أو تلك التجاعيد المنقوشة على هذه الملامح الناعمة، هذا السطح الناعم الذي لا يمكن فهمه أو اختراقه؛ ومع ذلك تلك الملامح لم يكن لها أي تأثير؛ فجسده كبير وذو هيبة ويعطي إيحاء بالهدوء والراحة. دائما ما كنت أراه يبدو كمتزلج بارع وإن كان كسولا. يبدو أنني لا أستطيع وصف جابرييل دون أن أشعر بشعور مألوف من الخضوع والاستسلام. أنا لا أستطيع وصف جابرييل ولكني أستطيع أن أصف هوجو، إن سألني أحدهم عنه، أستطع وصفه حتى أدق التفاصيل؛ حينما كان عمره ثمانية عشر عاما - منذ عشرين عاما مضت - كان شعره قصيرا للغاية كشعر الجنود، كما كان نحيفا. وجميع عظامه وحتى جمجمته تبدو كما لو كانت مجمعة ومخيطة معا بالصدفة البحتة؛ فكان هناك شيء غير متسق وغير متوقع، وفي بعض الأحيان خطير، في الطريقة التي تتحرك بها قسمات وجهه أو حتى أسلوب حركة أطرافه. وحينما أحضرت هوجو أول مرة إلى الجامعة أخبرني زميل لي أنه يبدو كمجموعة من الأطراف تم تجميعها وربطها معا بواسطة حزمة من الأعصاب، وما قاله كان صحيحا؛ حيث دائما ما كنت أستطيع تخيل تلك الخيوط المتقدة التي تعمل على ربطه معا بعد هذا الموقف.
ومن جهة أخرى حين قابلت جابرييل في المرة الأولى التي رأيته بها أخبرني أنه يستمتع بالحياة. لم يقل إنه يعتقد أنه يستمتع بالحياة بل قال إنه يستمتع بها بالفعل. حينها شعرت بالأسف عليه؛ وذلك لأني لا أصدق الأشخاص الذين يقولون هذا الأمر أبدا. وعلى كل حال دائما ما ترتبط هذه الجملة في ذهني بالرجال الفظاظ محبي التباهي ضيقي الصدر المتململين الذين يضمرون ذلك. ولكن على ما يبدو أنها حقيقة جابرييل وأنه صادق بالفعل، فهو ليس بالنوع الفضولي، بل تجده قادرا على أخذ متعته، كما أنه قادر على الابتسام والمداعبة وأن يقول في حنو: «لماذا تقلقين بخصوص هذا الأمر؟ إنها ليست مشكلتك.» هذا إضافة إلى أنه قد نسي لغته الأم، وفي بادئ معرفتي به كانت طريقته في مطارحة الغرام تبدو غريبة علي؛ حيث إنها كانت تفتقر إلى العاطفة المتأججة؛ فهو يمارس الحب بفتور - إن جاز التعبير - دون أن تخالجه ذكرى أي ذنب أو رغبة في الفحش. فهو لا يراقب نفسه، ولن يقوم أبدا بكتابة قصيدة شعرية عن ممارسة الحب، أبدا، وستجد أنه قد نسي الأمر برمته بعد نصف ساعة بالفعل. هذا النوع من الرجال شائع الوجود، ربما. المشكلة أنني لم أكن أتعرف على أي من هؤلاء من قبل. وأحيانا ما تطرأ على ذهني تساؤلات عديدة بخصوصه مثل: هل كنت سأحبه إن تم محو لكنته الغريبة وماضيه المنسي، المنسي تقريبا؟ هل كنت سأحبه لو كان على سبيل المثال طالبا يدرس الهندسة في جامعتي في نفس السنة التي كنت أدرس أنا بها؟ أنا لا أعرف الإجابة عن تلك الأسئلة، ولا أستطيع أن أخمنها. فالشيء الذي يجذب أي شخص لرجل أو لامرأة قد يكون شيئا واهيا مثل اللكنة الرومانية أو الاستدارة الناعمة لجفن عينه، أو حتى لغزا ما واهي التبرير يحيط به.
أما هوجو فليس لديه أي لغز كهذا على الإطلاق، هذا ليس لأنني لم ألحظ هذا الأمر أو لعدم معرفتي به، ربما لأنني لم أكن لأصدق أن تحيط به مثل هذه الألغاز. ولكني حينها كنت أومن بشيء آخر تماما؛ هذا الشيء لم يكن إيماني بأني أعرفه أو أني أعرف كل شيء عنه، بل حينها كنت مؤمنة بأن ما أعرفه عن هوجو محفور في وجداني ويسري في دمي ومن حين لآخر كان يتسبب في إصابتي بطفح جلدي قاتل، ولكن لا شيء من هذا يحدث أبدا مع جابرييل؛ فهو لا يتسبب في إزعاجي أكثر مما يتسبب في إزعاج نفسه.
جابرييل هو من وجد رواية هوجو وأعطاني إياها. حينها كنا موجودين في المكتبة، وقد جاء إلي وهو يحمل في يديه كتابا ورقي الغلاف كبير الحجم وباهظ الثمن، كانت مجموعة مختارة من القصص القصيرة، ومكتوبا على الغلاف اسم هوجو. تساءلت كيف وجد جابرييل هذا الكتاب؟ وما الذي كان يفعله في قسم الروايات في المكتبة على أي حال؟ فهو لا يقرأ الروايات على الإطلاق، مما جعلني أتساءل عن كونه يزور المكتبة أحيانا ليبحث عن إصدارات هوجو؛ فقد كان جابرييل يهتم بإنتاج هوجو مثلما قد يهتم بأعمال ساحر أو مغن مشهور أو أحد الساسة ممن تربطهم به - من خلالي - صلة قوية، وذلك كدليل على واقعية هذه الصلة. أعتقد أن السبب وراء ذلك هو أن مهنته مهنة مجهولة، حيث العمل الذي يقوم به معروف لأقرانه فقط، وأنه مفتون بهؤلاء الذين يعملون بجرأة على مرأى من الجميع بدون حماية أي قواعد خاصة - لا بد أن الأمر يبدو له بهذا الشكل باعتباره مهندسا - في محاولة من هؤلاء الأفراد أن يثقوا بأنفسهم ويطوروا ما في جعبتهم من مهارات، على أمل أن يكون هذا كافيا ليجذبوا الانتباه.
بعد أن أحضر جابرييل الكتاب إلي، قال لي: «اشتريه من أجل كليا.»
অজানা পৃষ্ঠা