শিফা আলিল

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

সম্পাদক

زاهر بن سالم بَلفقيه

প্রকাশক

دار عطاءات العلم (الرياض)

সংস্করণ

الثانية

প্রকাশনার বছর

١٤٤١ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)

প্রকাশনার স্থান

دار ابن حزم (بيروت)

অঞ্চলগুলি
সিরিয়া
সাম্রাজ্যসমূহ ও যুগসমূহ
মামলুক
آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٣٢)
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
تأليف
الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية
(٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ)
تحقيق
زاهر بن سالم بَلفقيه
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد (رحمه الله تعالى)
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

المقدمة / 1

راجع هذا الجزء
سليمان بن عبد الله العمير
أحمد حاج عثمان

المقدمة / 3

مقدمة التحقيق
الحمد لله حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وصلاةً وسلامًا دائمين على سيد الخلائق، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
أما بعد، فهذه مَعْلمة كبرى في سادس أركان الإيمان، ومصنَّف حافل في أصل عظيم من أصول العقيدة: القضاء والقدر، جمع فيه مؤلفه شمس الدين ابن قيِّم الجوزية ﵀ ما تناثر من مباحث الباب، فلملم عيون مطالبه، وحرّر ما أشكلَ مِن مسائله، وجلّى ما خفي من غوامضه، وأجاب عما أُورِد فيه من شبهات، واستفرغ فيه جهده بما عُهِد عنه من التحقيق وطول النّفَس في تحرير دقائق المباحث وعويص المسائل.
ليجيء هذا السفر في ثلاثين بابًا، مشتملة على فصولٍ عديدة وأوجه ومقدمات، جامعة بين المنقول والمعقول، والبحث والتحرير، والمناقشة والترجيح، والمناظرة والتقرير، مشحونًا بالفوائد العزيزة، والاستطرادات النفيسة، على ما جرت به عادته رحمة الله عليه في عامة تواليفه.
حتى أضحى الكتاب من أوسع المصنفات في موضوعه - إن لم يكن أوسعها ــ، وأغزرها مادة، وأجمعها موردًا، وأكثرها نفعًا، ليصبح مرجعًا أصيلًا لا غنى عنه للباحثين، ويكون شفاء للعليل، ورواء للغليل، وبلاغًا لأهل السنة والدليل، وفي كلٍّ خير.
إن الكلام في مسائل القضاء والقدر مما نشأ مبكّرًا في التاريخ الإسلامي أواخر عصر الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يزل شرخ الخلاف يتسع في الأمة شيئًا فشيئًا، حتى تعددت فيه الآراء، واضطربت الأفهام، وزلّت

المقدمة / 5

الأقدام، ونبتت تلك الطوائف والفرق على اختلاف آرائها وتباين مشاربها، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا.
وقد وضع عدد من الأئمة المتقدمين في هذه المسألة الكبيرة مصنفات مفردة، كالإمام عبد الله بن وهب، والإمام البخاري، والإمام الفريابي وغيرهم.
وفي هذا العصر تزداد أهمية التحرير والبيان في أبواب القضاء والقدر ومدافعة ما يثار من شبهات؛ إذ باتت مسائل الإرادة والاختيار والحكمة والتعليل ووقوع الشر في الكون بوابةً للإلحاد، وذريعة للطعن في مقامات الربوبية، والتشكيك في وجود الخالق العظيم سبحانه، ولم يزل الملاحدة والمرجفون يدندنون حولها، ويقذفون بشبهاتهم بين ظَهْراني شباب المسلمين في وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء الإلكتروني؛ ليُرْدوهم في دركات الشك ومهاوي الحيرة، والله المستعان (^١).
وهذه مباحث بين يدي الكتاب مشتملة على:
- توثيق نسبة الكتاب
- عنوان الكتاب
- تاريخ تأليف الكتاب
- موضوع الكتاب ومباحثه
- منهج المؤلف في الكتاب
- أهمية الكتاب

(^١) ينظر: "مشكلة الشر" لسامي العامري (١٧ - ٢٠).

المقدمة / 6

- موارد الكتاب
- وصف مخطوطات الكتاب
- طبعات الكتاب
- منهج التحقيق
* * * *

المقدمة / 7

توثيق نسبة الكتاب
تظافرت عدة أمور في إثبات نسبة الكتاب إلى مؤلفه شمس الدين ابن قيِّم الجوزية، نوجزها في الآتي:
* الإحالة فيه إلى كتبه:
جرت عادة المؤلفين - ومنهم ابن القيم - بإحالة القارئ إلى مؤلفاتهم الأخرى طلبًا للاختصار وعدم تكرار بعض المسائل والمناقشات؛ إذ كان المؤلف قد أشبعها بحثًا في الكتاب المحال إليه، أو كان العزم قد وقع على إفراد المسألة بمصنَّف مستقل، وقد أحال ابن القيم في هذا الكتاب إلى مؤلَّفين له صراحة هما: "مفتاح دار السعادة" و"أحكام أهل الملل"، واحتمالًا: "الصواعق المرسلة".
فمن الأول قوله في (١/ ٤١٥): "وقد بيّنا بطلانه من أكثر من خمسين وجهًا في كتاب "المفتاح"". وهذه الأوجه وزيادة في كتابه "مفتاح دار السعادة" (٢/ ١٠١٧ - ١١٣٥).
ومنه أيضًا ما جاء في (٢/ ٤٤١): "وليس المقصود ذكر هذه المسائل وما يصير به الطفل مسلمًا؛ فإنا قد استوفيناها في كتابنا في "أحكام أهل الملل""، وهو في المطبوع من "أحكام أهل الذمة" (٢/ ٨٩٣) وما بعدها.
ومن الضرب الثاني الإشارة إلى عزم المؤلف على إفراد كتاب يكشف فيه جناية المتأولين على الدنيا والدين في (١/ ٢٧٣)، فهل يقصد بهذه الإحالة عزمه على إفراد هذا الباب بكتاب مستقل، أم هو وصف لما ضمّنه كتابه "الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة" (٢/ ٣٨٤ - ٤١٧)

المقدمة / 8

من فصول في جناية التأويل على أديان الرسل، وأن خراب العالم وفساد الدنيا والدين بسبب فتح باب التأويل؟
* الإحالة في كتبه إليه:
أحال ابن القيم إلى "شفاء العليل" في كتابين له:
الأول: "إغاثة اللهفان" (١/ ٩٤)، وذلك بعد إشارته إلى طرف من مباحث الإرادة الدينية والكونية ولوازم كل منهما، حيث قال: "وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتابنا الكبير في القدر"، ولا ريب أن هذا الوصف مطابق لما في الكتاب من إشباع لذيول هذه المسألة في الباب التاسع والعشرين (٢/ ٣٧٧) عدا ما نثره في أبواب أخر.
والثاني: "الفوائد" (٣٦)، إذ قال بعد ذكره لشيء من مسائل تقدير الله تعالى المعاصي على بعض العباد وعدله فيهم: "وقد استوفينا الكلام في هذا في كتابنا الكبير في القضاء والقدر".
* الإشارة إلى شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية:
أشار إليه في أكثر من خمسة عشر موضعًا، منها ما وقع في (٢/ ٣٩٠): "قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية: أحمد لم يذكر العهد الأول، وإنما قال: الفطرة الأولى التي فُطِر الناس عليها".
وقوله في مسألة فناء النار (٢/ ٣٢٧): "وكنت سألتُ عنها شيخ الإسلام ــ قدّس الله روحه ــ فقال لي: هذه مسألة عظيمة كبيرة، ولم يُجِب فيها بشيء".
وقوله (١/ ٢٧٠): "قال شيخنا: ولما كان العبد في كل حال مفتقرًا إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ويذره من أمور قد أتاها على غير الهداية، فهو

المقدمة / 9

محتاج إلى التوبة منها، انتهى كلامه" والنقل من "بيان الدليل على بطلان التحليل" لشيخ الإسلام (ص ١٥).
* اشتراك بعض مباحثه مع كتبه الأخرى:
وهو كثير جدًّا في كتب ابن القيم، ومن أمثلته هنا: الاشتراك في مباحث حديث "كل مولود يولد على الفطرة" كما تراه في كتابنا هذا (٢/ ٤١٣)، و"أحكام أهل الذمة" (٢/ ٨٩٣) وما بعدها.
ومنه إيراده حكاية عن شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابنا هذا (١/ ١١)، وهي في "طريق الهجرتين" (١٨٥، ٦٥٨) و"مدارج السالكين" (٣/ ٣٧٨).
ومثله ما وقع في قصة استقباح النمل للكذب بما تراه في (١/ ٢٣٢) من الكتاب، والقصة بتمامها في "مفتاح دار السعادة" (٢/ ٦٩٠).
* النقل عنه:
وهو عزيز بحسب ما وسعه بحثي، فمنه ما جاء عند ابن حجر (٨٥٢ هـ) في "فتح الباري" (٣/ ٣٤٩ - ٣٥٠) عند شرح حديث "كل مولود يولد على الفطرة": "وقال ابن القيم: ليس المراد بقوله: "يولد على الفطرة" أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين؛ لأن الله يقول: ﴿قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا﴾ [النحل: ٧٨]، ولكن المراد أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته" الخ ما نقله بتصرف واختصار من "شفاء العليل" (٢/ ٤٠٧) فيما يظهر.
وأصرح منه ما أورده إبراهيم بن حسن الكوراني الشافعي (١١٠١ هـ) في "شرح منظومة شيخه القشاشي" فيما نقله عنه السفاريني (١١٨٨ هـ) في "لوامع

المقدمة / 10

الأنوار" (١/ ٣١٥ - ٣١٩): "قال الكوراني: وهذا الكتاب الذي ذكر فيه [يعني الجويني] آخر قوليه هو كتابه المترجم "بالنظامية" فيما وقفت على كلامه منقولًا عنه بلفظه في كتاب "شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل" للعلامة شمس الدين بن القيم في الباب السابع عشر منه، ولفظه ... ".
ثم قال الكوراني: "ثم وقفنا على كتاب "شفاء العليل" لابن القيم المنقول فيه كلام إمام الحرمين في "النظامية" فأعجبه ذلك، وأمر بإلحاقه بآخر "اختصار الانتصار"".
وكلام الجويني المشار إليه في (١/ ٤٠١) من كتابنا هذا.
ثم كثر النقل عن الكتاب في القرن الرابع عشر الهجري كما هو مشاهد في مؤلفات محمود شكري الألوسي (١٣٤٢ هـ)، وسليمان بن سحمان (١٣٤٩ هـ)، ومحمد أنور الكشميري (١٣٥٢ هـ)، ومحمد رشيد رضا (١٣٥٤ هـ) وغيرهم.
* عدّه ضمن مؤلفاته عند المترجمين له:
نسبه إليه ابن حجر في "الدرر الكامنة" (٣/ ٤٠٢) باسم "القضاء والقدر"، ومثله الشوكاني في "البدر الطالع" (٢/ ١٤٤)، وصرّح باسمه الصريح صاحب "كشف الظنون" (٢/ ١٠٥١).
* التصريح بنسبته في الأصول الخطية:
جاءت هذه النسبة صريحة على غلاف النسخة العتيقة المحفوظة بجامع أبي العباس المرسي.

المقدمة / 11

عنوان الكتاب
درج ابن قيِّم الجوزية على تسمية كثير من مؤلفاته في مقدماتها بعنوانات مسجوعة مركّبة، تنبئ عن موضوع الكتاب، وتفصح عن مضمونه، بما يقطع اجتهادات النساخ وظنون الناشرين، وذلك في غالب مصنفاته.
كذلك صنع في هذا الكتاب، حيث قال في (١/ ١٤) من تقدمته: "وسمّيتُه: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل".
وكذا جاء العنوان واضحًا على غلاف مخطوطتي جامع المرسي وتركيا.
وذكره كذلك صاحب "كشف الظنون" (٢/ ١٠٥١)، والكوراني كما تقدمت الإشارة إليه.
بينما أورده ابن حجر والشوكاني في ترجمة المؤلف بعنوان موضوعه "القضاء والقدر" (^١).
* * * *

(^١) ينظر: "ابن قيم الجوزية: حياته آثاره موارده" (٢٦٦).

المقدمة / 12

تاريخ تأليف الكتاب
لم يشر المؤلف إلى زمان تأليفه، ولم تسعفنا به الأصول الخطية، لكن ثمة علامات يُستأنس بها في ذلك.
ولعل أول إشارة يمكن أن تفيد في تاريخ تأليفه ما سطّره المؤلف في "تهذيب السنن" (٣/ ٢٠٥) ــ انتهى من تأليفه سنة ٧٣٢ هـ ــ من عزمه على وضع مصنف في مسائل القدر، حيث قال: "وقد نظرت في أدلة إثبات القدر والرد على القدرية المجوسية فإذا هي تقارب خمسمائة دليل، وإن قدّر الله تعالى أفردتُ لها مصنفًا مستقلًّا"، فيمكن أن يكون الكتاب الذي بين أيدينا هو المصنف المفرد المشار إليه.
فيفيد هذا النص أن تأليفه لهذا الكتاب بعد سنة ٧٣٢ هـ، وفيه ــ إن صح ــ دلالة على سبق اهتمامه بمسائل القضاء والقدر، وبكور نية التأليف فيها.
ومما يُستأنس به أيضًا أن "شفاء العليل" مسبوق بـ "مفتاح دار السعادة" و"أحكام أهل الملل"؛ إذ أحال المؤلف عليهما هنا كما سلف.
و"شفاء العليل" فيما يظهر ملحوق بـ "الصواعق المرسلة" و"إغاثة اللهفان" ــ وأقدم نسخه كُتِبت سنة (٧٣٨ هـ) و"إغاثة اللهفان" مؤلَّف بعد "الصواعق" (^١) ــ و"الفوائد"، كما تقدم بيانه.
فعلى هذه التقديرات يكون تأليف "شفاء العليل" بين الأعوام (٧٣٣ - ٧٣٨ هـ) ظنًّا، والعلم عند الله.

(^١) انظر: مقدمة تحقيق "إغاثة اللهفان" (١/ ٨، ١١).

المقدمة / 13

موضوع الكتاب ومباحثه
قصد المؤلف بكتابه ــ كما هو ظاهر من عنوانه ــ جَمْع ما تفرق من مسائل القضاء والقدر، وما اتصل بها من مباحث حكمة الباري وتعليل أفعاله سبحانه، وبيان المذهب الحق في كل ذلك.
فاستهلّ كتابه بخطبة أبان فيها عن موضع الإيمان بالقضاء والقدر من الدين، وخطورة الانحراف عنه، مع إلماحة إلى نشأة الكلام في القدر، ومذاهب الناس فيه، واتساع الخُلْف بينهم، بين غالٍ في النفي وزائغٍ في الإثبات، خلا من اقتبس من مشكاة الوحيين وسلك طريق الأصحاب، ومن صلح من أسلافهم.
ليعرض بعدها إلى بواعث التأليف في الباب، والضرورة التي ألجأته إلى الخوض في هذا الميدان، في ثلاثين بابًا سرد عنواناتها تامة في هذه الخطبة.
وهذه الأبواب مختلفة في الطول والقصر، فبعضها لا يتجاوز الصفحتين كما تراه في الباب الخامس، وبعضها تربو على المائة كما في الباب الخامس عشر.
وقد خصص المؤلف الأبواب: الأول، والثاني، والرابع، والخامس، والسادس؛ في ذكر أنواع التقدير الإلهي، مُفْرِدًا كل نوع بباب مستقل، مستقصيًا ما جاء في هذا التقدير من أحاديث مرفوعة وآثار موقوفة، تارة يسوقها بإسنادها من مصادرها، وأخرى دون إسناد، مع حرصه الشديد على تتبع الألفاظ وتحريرها وإزالة التعارض بينها، وتوضيح وجه الدلالة منها، وربما تكلّم في طرقها تصحيحًا وتضعيفًا.

المقدمة / 14

وقام بين ذلك بإفراد الباب الثالث في ذكر مرويات المحاجّة المشهورة في القدَر بين آدم وموسى ﵉، وبيان اختلاف الناس في فهم الحديث وأوجه تفسيره، واستطرد في الدفاع عن صاحب "منازل السائرين" في كلام له موهِمٍ لباطل.
وفي الباب السابع ناقش المصنف أنّ سبق المقادير بالشقاوة والسعادة لا يقتضي ترك الأعمال، بل يقتضي الاجتهاد والحرص.
ودار الكلام في الباب الثامن حول تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وفي التاسع حول قوله سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وما يتعلق بهما من فوائد واستنباطات.
ثم أعاد الحديث مرة أخرى في الأبواب: العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، في مراتب القضاء والقدر، واستقصاء ما جاء فيها من حجج نقلية ــ لم يسبق له إيرادها فيما تقدم من أبواب ــ وبراهين عقلية، وأرخى للقلم العنان في البحث والمناقشة.
ففي العاشر بسط النقاش في المرتبة الأولى: علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها، والمرويات في ذلك، ولم يخل من استطراد في رد بعض شبه القدرية، والحديث عن حكمة الله سبحانه ومظاهر لطفه وفوائد وثمرات ابتلائه أحباءه.
وفي الباب الذي يليه ساق بعض ما فاته من نصوص القرآن والسنة الصحيحة الصريحة في المرتبة الثانية وهي مرتبة الكتابة.

المقدمة / 15

وأما الباب الثاني عشر في المرتبة الثالثة من مراتب القضاء والقدر ــ وهي مرتبة المشيئة والإرادة ــ فقد حشد فيه رحمة الله عليه ما أمكنه من الآيات والأحاديث الدالة على هذه المرتبة بأصنافها وألفاظها، ثم عقد فصلًا بحث فيه علاقة المشيئة والإرادة بمحبة الله وأوامره.
وختم تلك المراتب في الباب الثالث عشر بذكر مرتبة خلق الله سبحانه الأعمال وتكوينه وإيجاده لها، وأطال النفس في تفنيد بعض أصول الأشاعرة وغيرهم في مسائل الجبر وتأثير القدرة وفروعها، والخلق والاختراع وذيولها، وبيان هدي القرآن والسنة فيها، وإيضاح سبيل المؤمنين، وقاده المقام للغوص في أسرار سورة الفاتحة المتعلقة بهذه المسائل العقدية.
ثم استكمل في الباب الرابع عشر مباحث الهدى والضلال ومراتبهما، وهذا الباب وصفه المصنّف بقوله: "هو قلب أبواب القدر ومسائله"، وعرض فيه مراتب الهدى والضلال في القرآن، كل مرتبة منها في فصل مستقلّ أشبع فيه الحديث حولها، واستطرد طويلًا في مرتبة التقدير والهداية بذكر نماذج من هداية الله تعالى لبعض المخلوقات كالنحلة والنملة والهدهد وغيرها، ثم استطرد مرة أخرى في المرتبة الثالثة من الهداية: هداية التوفيق والإلهام في توضيح جناية التأويل الفاسد على نصوص الوحيين لدى القدرية والجبرية.
وجمع المؤلف في الباب الخامس عشر الآيات الواردة في الطبع والختم والقفل ونحوها على وجه التفصيل، ثم ذكر أوجه ضلال القدرية والجبرية في تحريف هذه الآيات، وأطال النفس في الرد عليها آية آية، وهذا من أطول أبواب الكتاب.

المقدمة / 16

وفي الباب السادس عشر استقصى ما جاء في السنة النبوية من تفرد الرب تعالى بخلق أعمال العباد، فجمع أحاديث الباب وتكلم عليها وعلى معانيها، ثم عرض للكلام على التوبة والاستغفار، وفقر العباد إلى الجبّار.
ومع أن المؤلف ناقش طرفًا من مذهب الأشاعرة في الكسب والجبر ضمن مباحث الباب الثالث عشر عَرَضًا؛ إلا أنه أعاد وأفرد هذه المباحث ومتعلقاتها في البابين: السابع عشر والثامن عشر بمزيد عناية وتفصيل، ذكر خلاله ما وقع بين الأشاعرة من خلاف واضطراب في مسائل القدر، ونقل فيه عن كبار محققيهم، ثم ناقش مفردات الباب كلمة كلمة: فَعَل وأفعلَ، والفعل والانفعال، وبيّن ضلال الطائفتيَن: القدرية والجبرية، وختم الباب باستطراد في مسألة طلاق السكران والغضبان.
ثم ساق المصنف في البابين: التاسع عشر والعشرين مناظرة مفترضة في مهمات مسائل القدر بين جبريّ وسنّي في الباب الأول منهما، وفي الثاني بين بين قدري وسُنّي ناقش فيها أنواع التعطيل وآثاره، ومباحث التسلسل وأنواعه ولوازمه، وأعاد البحث مع القدرية والجبرية في مسائل المشيئة والإرادة والأسباب والحكمة والتعليل.
وفي الباب الحادي والعشرين عرض للعلاقة بين القدر ووقوع الشر في الكون، وأجاب عما أشكل ودقّ من أسئلة الباب، بعد أن أصّل القواعد، وشيّد أركان مذهب أهل السنة والجماعة في الحكمة والتعليل.
ولم يكتف ابن قيم الجوزية ﵀ بما سلف في هذا المبحث ــ أعني الحكمة والتعليل ــ بل عقد بابين كاملين بعد ذلك من أجلهما، استوعب في أحدهما نصوص الوحيين في اثنين وعشرين نوعًا، كل نوع في فصل مستقل،

المقدمة / 17

وخصص الآخر لاستيفاء شُبَه النافين، وذِكْر الأجوبة عنها في عدة فصول وعشرات الأوجه، وحسبك أنه أجاب عن الحكمة في خلق الكفر والفسوق ونحوها من الشرور في أربعين وجهًا، ضمّن أحدها ما في الصلاة من حِكَم العبودية ومنازلها، وأورد في آخرَ شيئًا من أسرار الكون وغايات خلقه في المجرات والأفلاك، وعقد فصلًا مطوّلًا في المسألة الشهيرة: فناء الجنة والنار.
وهذا الباب الثالث والعشرون يعد أطول أبواب الكتاب، وقد استغرق نحوًا من مائة وثمانين صفحة من المطبوع.
وفي الباب الرابع والعشرين ــ وهو من أوجز الأبواب ــ بحث معنى قول السلف: "من أصول الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشرّه، حلوه ومرّه"، وجُلّ مسائله مما تقدمت مناقشته في الباب السابق.
وقريب منه في الإيجاز الباب الذي يليه: في امتناع إطلاق القول نفيًا وإثباتًا: "إن الربّ تعالى مريد للشرّ وفاعل له"، حيث أعاد المؤلف كثيرًا مما تقدم بسطه في الكتاب، كالكلام على المحبة والإرادة وأنواعهما.
وكذلك أوجز الحديث في البابين السادس والعشرين والسابع والعشرين، فشَرَح في الأول منهما قوله ﷺ: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك"، وفي الثاني قوله ﷺ: "ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك"، وذَكَر ما تضمّنه كل منهما من قواعد وفوائد ولطائف.
أما البابان: الثامن والعشرون والتاسع والعشرون فقد عرض فيهما المصنف أحكام الرضا بالقضاء، واختلاف الناس في ذلك، وتحقيق القول فيه، وانقسام القضاء والحكم ونحوهما إلى كوني وديني، دون إسهاب.

المقدمة / 18

ثم كانت خاتمة أبواب الكتاب الثلاثين بالحديث عن الفطرة التي فطر الله الناسَ عليها، والخلاف في المراد بها، وشرح حديث: "كل مولود يولد على الفطرة" وتتبع ألفاظه بتوسّع.
* * * *

المقدمة / 19

منهج المؤلف في الكتاب
ثمة معالم رئيسة تشترك فيها سائر مصنفات ابن قيم الجوزية ﵀، وسمات متشابهة تنتظمها في عقد تأليفي واحد، لا تكاد تخطئها عين المطالع، وهذا الكتاب له منها نصيب وافر، يتجلّى في عامة أبوابه وطريقة سياقه، بناء ومحتوًى وأسلوبًا في العرض والصياغة، سنشير إلى بعضها في عجالة.
فمن تلك السمات التكوينية: تقسيمه الكتاب إلى أبواب، لكل باب مقصد مستقل وعنوان يضم مسائل من جنس واحد في عموم مباحثه، وربما دعته الحاجة إلى إبراز بعض المباحث داخل الباب بكلمة "فصل"، إما لأهمية المبحث، أو طوله، أو انفصاله عما قبله من حيث الفكرة، وليس هذا التقسيم بمطّرد.
وغالبًا ما يسوق الأجوبة على الشبهات والاعتراضات على هيئة أوجه متسلسلة الأرقام.
ومن أظهر سمات المصنف: انطلاقه في تقرير المسائل ومواطن الاستدلال من نصوص القرآن والسنة الصحيحة، فلا يكاد يخلو مبحث إلا وفيه احتجاج بآية أو حديث، وكثيرًا ما يحشد الآيات المتماثلة في موضع واحد، ويتتبع ألفاظ الرواية حرفًا حرفًا، وقد يسوق الطرق ويرفع الأسانيد، مع الكلام عليها؛ إذ شَرَط على نفسه أن لا يستدل إلا بما ثبت.
ويتصل بالأمر حرصه على تعضيد نصوص الوحيين بفهم السلف الصالح عليهم رحمة الله لهذه النصوص، وتعد كتبه مظنة لأقوال الصحابة في المسائل التي بسط القولَ في بحثها.

المقدمة / 20

ومن سمات منهجه في هذا الكتاب ونظائره: استناده في حكاية أقوال الفرق وأرباب الطوائف على أصولهم المعتمدة مباشرة، قطعًا لدعوى التحريف والتصرّف في نصوص المخالفين، وكذلك الشأن في الإفادة من كتب الكلام دون واسطة في مواضع الحجاج واللجاج، وسيأتي تفصيل بعضه عند الحديث عن موارد الكتاب.
ومما يحسن ذكره هنا مقدرة المؤلف على توظيف الخلاف داخل المذهب الواحد، وإظهار اضطراب أصحابه، وعجز أتباعه؛ ليبين عواره وانحرافه، ويضرب حُجَجَهم بحُجَجِهم، ويبطل كلام المتكلمين بكلام المتكلمين.
ومن تلك المعالم البارزة: مراعاته لجنس الدليل في مقام الاحتجاج، ففي تأصيل القواعد يصدر عن الوحيين، وفي مواطن الجدال يقارع الحجة العقلية بمثلها، ويدفع الشبهة اللفظية بالمأثور من كلام الفصحاء وقريض الشعراء، وهكذا دواليك.
أما الإفادة من كتب شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية والاقتباس منها والاتّكاء عليها في المهمات والمعضلات العلمية فكثير، كما هو معهود عنه في سائر كتبه.
وربما استعان المؤلف في تقرير بعض المباحث والغوص في أعماقها والكشف عن مكنوناتها بأسلوب المناظرة، وهي طريق سلكها المصنف في بعض كتبه، فمنه ما في "أعلام الموقعين" (٣/ ٤٧٠) حيث عقد مجلس مناظرة بين مقلِّد وصاحبِ حُجة، وفي "روضة المحبين" (١٦٧) أفرد بابًا في مناظرة بين القلب والعين ولوم كل منهما صاحبه والحكم بينهما، أما في

المقدمة / 21

كتابنا هذا فقد أفرد بابين للمناظرة، أحدهما بين جَبْري وسُنّي، والآخر بين قَدَري وسُنّي.
ثم إن المصنف على ما جرت به عادته قد يستطرد في فروع بعض المباحث وذيولها لأغراض مختلفة، كزيادة في التقرير، أو توسّع في التمثيل، ونحو ذلك.
وقريب من هذه السمة في صناعة التأليف لدى ابن قيم الجوزية رحمة الله عليه حرصه الشديد على الإحاطة بفروع المسائل، وعنايته البالغة باستيعاب النصوص والأقوال، وإطالة النفس في اشتقاق الأوجه، وتشقيق المجملات، وتفتيق الأجوبة، وتفتيت الشبهات، ولذا وقع التكرار في معالجة بعض مسائل الكتاب.
وهذه السمة الموسوعية قد ألمح إليها ابن حجر في "الدرر الكامنة" (٣/ ٤٠٢) بقوله: "وكل تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف، وهو طويل النفس فيها، يتعانى الإيضاح جهده فيسهب جدًّا".
ولأن مقام الربوية عظيم، والمتجرّئون في الكلام عليه كثير، والمتقحّمون في مسائله قد يغفلون عمّن يتحدثون، فربما استطالوا في التعبير، فافترضوا عليه الواجبات واللوازم والممتنعات، وأساؤوا الأدب مع الجبار القدير ﷻ= من هنا ظهرت عناية المصنف ﵀ في عدة مواضع بالتذكير بعظمة صاحب المقام، واستحضار قدسيته وجلاله، والالتفات إلى تعظيمه في النفوس، تبارك اسمه، وتقدّست أسماؤه.
* * * *

المقدمة / 22