كان الأول قد غاص أكثر وأكثر في سرحانه، فأجاب بعد برهة صمت وقد خرج صوته وكأنما كان صادرا من أعماق سحيقة: أتسألني ما الذي حدث؟ يبدو لي أنك أنت الذي حقق أحلامي! أنت من هاجر إلى كندا، أنت الذي يبدو كشاب في الثلاثين بينما يعتقد من لا يعرفونني أنني في الستين. إنك حتى الذي وجد تسجيل الشيخ التوني على الإنترنت! أما أنا فكل ما حققته هو أنني لا أزال ألعب الكرة مع الأصدقاء في الملعب المجاور لبيتي مساء كل ثلاثاء لنصف ساعة على الأكثر، هذا ما لم تستجد ظروف أخرى بالطبع.
صحراء
كان صباحا عاديا، لا يميزه شيء عن أي صباح آخر، تماما ككل ما في هذه الصحراء؛ شمس حارقة وظل مفقود وهواء حار ساكن ورمال ملتهبة، زواحف كسولة وطيور قليلة. لكنه بعد شروق شمس ذلك الصباح بساعات قليلة لم يعد كمختلف الصباحات؛ كان ذلك هو الصباح الأول في الزمن الجديد، اليوم الذي يمكن أن يؤرخ به تحول تلك الصحراء وتبدل الحال ورحيل الجميع، كان ذلك الصباح تدشينا رسميا لزمن الوحدة والخواء.
تردد في الصحراء الشاسعة صدى أصوات صاخبة، ضوضاء قبيحة ودخيلة على المشهد، لا تشبه حفيف الأغصان ولا تغريد الطيور ولا فحيح الأفاعي، أصوات أزعجت ساكني الصحراء الآمنين في وطنهم فهرعت الزواحف خارجة في ذعر من جحورها ورفرفت الطيور بعيدا، وحده الشجر المتناثر ظل واقفا لا يجد مهربا ولا يعرف لتلك الأصوات المقتربة معنى ولا تفسيرا. لا يملك الشجر سوى الانتظار، يغدو الجميع ويروحون ويبقى وحده الشجر منتظرا، لا يدري ماذا ينتظر، لكنه لا يكف عن الانتظار.
تبزغ في الأفق البعيد بوادر القادمين؛ كائنات ضخمة عجيبة الشكل والألوان، تزحف بسرعة وتصدر ضوضاء مقبضة، تفوح منها روائح كريهة وتملأ السماء بأبخرة داكنة كسحب من رماد. لم تشهد تلك الصحراء من قبل قدوم كائنات كهذه، ربما شهدت على فترات متباعدة ذئبا ضل طريقه أو ناقة شردت خلف قطيعها، لكن كائنات بهذه الضخامة والوحشية لم يسبق لها قط أن وطئت تلك الرمال.
صارت الصحراء الآن خالية من كل مظاهر الحياة فيما عدا الشجر، فمع حط تلك القافلة القبيحة رحالها هرعت البقية القليلة من الزواحف والطيور هاربة، مترقبة ما ستحدثه تلك الكائنات الهائلة في أرضها. لم يكن هناك أمل في قتالها بالطبع؛ فتلك معركة خاسرة لن يفلح فيها كل ما في أفواه الأفاعي من سموم، ولا كل ما على ظهور القنافذ من أشواك. ظل الجميع يتابعون من بعيد، وحدها - كالعادة - كانت الأشجار واقفة على خط المواجهة، في قلب المعركة، وكانت - كالعادة كذلك - أول من دفع ثمن ذلك.
الفصل الرابع
يناير 1992م
في المبنى المهيب المخصص للقسم الإعدادي بكلية الهندسة، حيث كان مكانهما المفضل على درجات أحد فنائي المبنى الخارجيين المنعزلين عن ضجيج الداخل وصخب الطلبة، كان ذلك الموقع مثاليا إلا حين كانت سماء الإسكندرية تغضب وتنذر بالبرق ثم تمطر بغزارة لا تجدي معها المظلات، ولا يبقى من سبيل لاتقاء غضبها إلا الهرولة إلى داخل المبنى الذي تدفئه أنفاس مئات الطلبة وملابسهم الشتوية. دقائق قليلة تنفث فيها السماء غضبها على المدينة، ثم تصالحها بشمس رقيقة دافئة تنشر البهجة في أفنية الكلية المفتوحة، وتزيد من سحر رائحة التربة المبللة والزهور الصفراء الصغيرة التي تنبت تلقائيا، وأشجار النخيل المغسولة لتوها بماء السماء المبارك. كان لعينيها تألق ساحر بعد المطر، كانت تبتهج وتمرح كطفلة وجدت حلواها المفضلة، كانت طاقتها الإيجابية تكفي لبهجة كل الكائنات في محيط الكلية وما حولها، كانت ابتسامتها هي النسمة الرطبة التي يشتاق إليها وسط جفاف معادلاته وجداوله ودراسته المرهقة للعقل والروح معا، كانت عيناها طاقتي الأمل اللتين يطل منهما على الدنيا، كانت محور حياته ونور روحه، لكنه لم يقل لها قط شيئا من ذلك!
أمام البهو الكبير لذلك المبنى العتيق رآها لأول مرة، كان قد اعتاد الحضور في أوقات فراغه الكثيرة بين محاضراته في كلية التجارة إلى كلية الهندسة - حيث يدرس بعض رفاقه - لقضاء الوقت معهم حين لا يكونون منشغلين حتى أذقانهم في تلك اللوحات الورقية الكبيرة التي يرسمونها، أو في دروسهم العملية وامتحاناتهم التي لا تنقطع.
অজানা পৃষ্ঠা