فنهض وترامى على قدمي الشيخ عن اعتقاد صحيح بكرامته. وقبل ركبته فمنعه ودفع إليه يده فقبلها، ثم قال له الشيخ: «أنت الآن من أبنائنا الفدائيين، ويلوح لي أنك لا تلبث أن ترتقي إلى مصاف المستنيرين. قم إلى غرفتك وقد أوصيت الشيخ دبوس بك خيرا. ولكنني أحب قبل خروجك أن أزودك بعهد مني.» قال ذلك ونهض وأنهض عماد الدين معه وهو يحدق في عينيه وعماد الدين يشعر بقوة تنبعث من عيني ذلك الرجل وتوشك أن تغلبه على أمره. وقد قبض الشيخ على يدي عماد الدين بيديه قبضا شديدا.
ومكث كذلك عدة دقائق ثم صاح به: «افتح فمك.» ففتحه فتفل فيه وقال: «كن فدائيا مطيعا.» وتركه وأشار إلى عبد الرحيم أن يذهب به إلى غرفته.
فمشيا إلى غرفة الشيخ دبوس وهما صامتان، وقد استولت الدهشة على عماد الدين وأصبح كالمأخوذ أو من أصابه السحر. فلما وصلا إلى الشيخ دبوس بدل عماد الدين ثيابه وهنأه دبوس بما ناله من رضا الشيخ الأكبر، وأعاد إليه خنجره ونقوده وجواهره وأصبح واحدا منهم.
على أنه حالما عاد من دار النعيم التي كان فيها، عاد إلى ذكرى صلاح الدين وسيدة الملك، فأصبح همه أن يخلو بعبد الرحيم ليسأله سؤالا شغل خاطره بالأمس، وهو قول راشد الدين: «أطال الله بقاء صلاح الدين.» فإنه لم يقدر على تعليله وهو يعلم تعمده قتله مرارا.
أما عبد الرحيم فاستأذن صديقه عبد الجبار في الغياب تلك الليلة التي عينوها لترقيته إلى درجة المستنيرين. فبات عماد الدين على أحر من الجمر وقد تراكمت عليه الهواجس وأخذته الغرائب. وكلما تضوعت رائحة الطيب من شعره تذكر تلك الفتاة وما لقيه هناك من أسباب السعادة.
نام تلك الليلة نوما متقطعا، وما كاد يطلع النهار حتى جاء صديقه عبد الرحيم والبشر يتجلى في عينيه فنهض عماد الدين وقبله وقال: «قد أصبحت منذ الآن أرقى مني، ولا يحق لي أن أناديك أخي كما كنت أفعل.»
فضحك عبد الرحيم وقال: «إن صداقتنا أمتن من ذلك كثيرا، كنا غريبين وتحاببنا ونحن الآن أخوان على عهد واحد. ولا تلبث أنت أن ترتقي إلى مثل رتبتي. أتمنى ذلك لك قريبا، بل أنا أتوقعه عن ثقة.»
ولم يكن ذلك الشرف ليهمه، وإنما همه استطلاع رأي راشد الدين في صلاح الدين، فإذا علم أنه ما زال ينوي قتله عاد إلى مهمته الأولى. وأما إذا تحقق صدق دعائه له بطول العمر كان له رأي آخر فقال: «أما أنا فلا أتوقع قرب الترقي كما تظن. ويكفيني أن تكون لي صديقا. ولا أحب أن أحملك ثقل صداقتي لشيء أطمع فيه على يدك، وإنما أتقدم إليك أن تفسر لي كلاما قد سمعته من الشيخ الأكبر بالأمس فوقع عندي موقع الاستغراب ولم أصدقه وهو قوله «أطال الله بقاء صلاح الدين» مع أني أعلم أنه بعث أناسا لقتله غير مرة.»
فابتسم عبد الرحيم وهو ينظر إلى عماد الدين ويهم بالكلام ويمسك نفسه، فلما رآه عماد الدين يتردد قال له : «إذا كنت تعرف الحقيقة فأرجو أن تخبرني بها؛ لأن ذلك يهمني كما تعلم. ولعلك من أعلم الناس بأمري مع هذا السلطان.»
فاعتدل عبد الرحيم في مجلسه وأظهر الاهتمام وقال: «اعلم يا صديقي عماد الدين أن عبارة الشيخ الإمام التي ذكرتها كانت مغلقة علي إلى مساء الأمس، فلما صرت من المستنيرين دخلت في جملة ما عرفته. وليست هي سرا اؤتمنت عليه مثل سائر أسرار هذه العشيرة، لكنني اطلعت عليه عرضا، ولذلك لا يمنعني الواجب ولا الخوف من أن أجيبك عن سؤالك.»
অজানা পৃষ্ঠা