সাফওয়াত আল-আসর
صفوة العصر في تاريخ ورسوم مشاهير رجال مصر
জনগুলি
وقف قليني باشا إزاء هذا الموقف الحرج بثبات قلما يثبت في مثله غيره، وما لبث أن جاءته ثلاثة أوامر من مدير المنيا الذي وليها بعد مديرها الأول يقول له فيها: إنه بناء على ما صدر من حامي حمى الديار أفندينا عرابي باشا يلزم تنفيذ الأوامر الآتية فيما لا يتجاوز أربعا وعشرين ساعة وهي:
أولا:
قطع قطبان السكك الحديدة الزراعية في أرض التفاتيش جميعها، وإرسالها هي والأدوات المتعلقة بها إلى مخازن الحربية، وكذا أخشاب ومهمات التلغراف الزراعي.
ثانيا:
قطع كل أشجار تفاتيش الدائرة وتهيئتها لمطابخ الجيش.
ثالثا:
إنفاذ كل المحصولات الموجودة في الجفالك والفابريقات.
فتلقى صاحب الترجمة ذلك باستغراب لا مزيد عليه، وكتب للحال إلى المدير يقول له: إنني أود تنفيذ الأوامر التي بعثتم بها إلي إذا كنت في مقام المالك لهذه التفاتيش، ولكني موظف بها أتبع في مثل هذه الحال أوامر مجلس الإدارة الأعلى، فهو رقيب علي في جميع أعمالي محاسب لي على كل كبيرة وصغيرة آتيها، وهو وإن كان لكل دولة عضو عامل فيه إلا أنه لا يعظم على قوة الجيش أن يستصدر أمره بكل شيء أراده، ثم قال: ولو فرضنا بصدور أوامر بإجابة الطلبات المنوه عنها، فليس من المعقول أن يتيسر نفاذ كل ذلك في مسافة 24 ساعة.
كان عاقبة هذا أن عد المترجم من العصاة، وجاء الأمر بإرساله إلى الطوبخانة مكبلا بالأغلال فدعاه المدير إليه لإبلاغه هذا الأمر فلم يجزع ولم يضطرب، وقال له: إنني آسف أن مديرا مثلك لا يفهم ما يكتب إليه فيؤديه جهله به إلى سوء العاقبة والإضرار بالناس، فإني ما عصيت أمرا، ولم أعارض فيه، ولكني بسطت لك الحالة، وكأني أريك به الباب الذي منه تدخل توصلا إلى نيل مطلوب العرابيين ؛ ولكي أنال تخلصا من شر التبعة فيه. وأطال معه الكلام على هذا الأسلوب المؤثر موهما إياه أنه سيلقيه عند العرابيين تحت ذنب كبير، فلم يجد المدير مناصا من التماس العفو عنه، وقد كان، وخرج قليني باشا من هذه الورطة فائزا بفضل ثباته وفرط دهائه وقوة بيانه.
وجاء صاحب الترجمة مصر بعد خمود نيران هذه الثورة يوم كان المرحوم سلطان باشا نائبا عن الحضرة الفخيمة مكلفا بإدارة شؤون البلاد، وقائما بعمل تحقيق عمومي فكان بيته أشبه شيئا بيوم الحشر تؤمه الألوف من الناس ما بين متظلم ومبلغ ومنفذ ورسول، والأوامر تتوالى بسجن كل من وجهت إليه تهمة الاشتراك في الثورة، وإرجاء التحقيق إلى ما بعد، وبينما كان المترجم على مائدة المرسوم سلطان باشا في محضر من أعاظم القوم، إذ ورد تلغراف يوهم فيه مرسله أن نيفا وأربعين من عمد مديرية الفيوم ليسوا بمخلصين للذات الخديوية ومن أكبر العصاة للأوامر الحكومية، فأشار سلطان باشا بالاتيان بهم محتفظا عليهم، فقال له صاحب الترجمة: أيأذن لي الباشا أن أقترح عليه شيئا يذهب بكثير من متاعبه هذه؟ قال: نعم. قال: الأولى أن تصدر أمرا بحبس جميع أهل القطر كله، فكلهم ما بين مشترك في الثورة ومجامل للعرابيين ومعتزل عنهم لا يأمن شر الواشين الآن. فأطرق الباشا قليلا وقال له: إن في قولك لحكمة وعظة. وقد استدعى كلام المترجم شفقته على من زج في السجن إلا من ثبت عليهم أمر، وانتهج سبيل رحمة غير هذا السبيل.
অজানা পৃষ্ঠা