قال أحمد: إن هذا الفصل من كلام الفيلسوف السر الأعظم من أسرار الفلسفة فى هذا النوع، وهو الذى يتم به للعامل ما يريده. ولقد أنظر فى كتب من تقدم الفيلسوف أفلاطون من العلماء بهذا النوع من العلم فأجد الكل قد أومأ إلى جميع ما يحتاج إليه فى العمل، إن لم يكن بالتصريح فبالإشارة — ما خلا هذا السر العظيم. وأنا أرى أن من فاته هذا السر ثم قبل ما تقدم من القول فى أنواع هذا العلم فليس قبوله ذلك بمعرفة ولا علمه بحقيقة، لأن بمعرفته هذا السر يجب أن يصح عنده كون مراده؛ وإذا غبى عنه هذا السر فخصمه يدحضه ويفلجه فى بطلان ما يدعيه. فلو أن قائلا قال: قد قبلت قولك فى كل ما تدعيه من الكلام فى أولية الأشياء وواحدية ذاتها فى الأصل وتغايرها بعد ذلك من أجل التركيب فما حجتك بعد فى قلبه الفضة ذهبا والنحاس فضة وغير ذلك من الأجساد السخيفة عند أهل العلم إلى هذين الجسدين الكريمين عندهم — فكيف لا يقلب الذهب والفضة إلى الأجساد السخيفة؟ وهل الذهب والفضة إلا من الطبائع المركبة، فكيف شاكلهما القريب من البسيط؟ — لكان قد ألزمه الحجة وأبطل عليه الرأى إن لم يدفعه عن نفسه ورأيه بما قد أنبأنا به الفيلسوف فى هذا القول. وسأتولى جواب هذا الخصم، إذ فيه الكشف عن قول الفيلسوف وهو أنى أقول: إنا لم ندع فى العمل مشاكلة بينه وبين الذهب والفضة ولا مضادة، إذ الشىء إنما هو شكل البسيط؛ وإنما عمله قلب الأشياء عن ماهيتها. فلو ألقيته على الفضة أو على الذهب أو سائر الأجساد، ما كان يحيل الجسد إلى جسد غيره، بل كان يميله إلى طبعه. بلى! إذا ألقى الجسد الملقى عليه الإكسير على جسد آخر قلبه إلى جنسه. والمثال لذلك أن يلقى بعض العمل على الفضة فلا يغيره عن ماهيته دون أن تحدث فيه قوة فتقوى على قلب الشىء، إذ ليس هو — أعنى به العمل — بينه وبين سائر الأجساد من المشاكلة ما ليس له مع الآخر. فإذا ألقيت هذه الفضة المعمولة على سائر الأجساد اقلبها فضة إذ قد صارت إكسيرا ثانيا مشاكلا لجوهرية الفضة. وكذلك إن ألقيته — أعنى العمل على النحاس — صار هذا النحاس قالبا لسائر الأجساد إلى جوهرية النحاس. ولذلك قال الفيلسوف وأمر أن يكون ما يشغل به العمل عن الذهاب الشىء الذى دبر منه العمل، فإنه لقرب عهد العمل بمثل تركيبه وشكله يحيله بكليته حتى يقيمه كهيئته. فأما أن يكون ما يشغله به عن الذهاب ما لا يجانسه فإنه لا يقوى على كل الاستحالة والقلب فيه، فيصير ذلك الشىء إكسيرا لنفسه: إن كان نحاسا كان الشىء الذى يقلب الذهب والفضة وسائر الأجساد نحاسا؛ وإن كان فضة كان الشىء الذى يقلب الأجساد فضة — وكذلك سائر الأجساد هذا سبيلها. وذلك أن الشىء — أعنى به ال عمل — إذا داخل الجسد الذى يخالفه فى البدء أحدث فيه شكله الذى هو قلب الأشياء ولم يقدر على نهاية استحالته؛ فيكون حينئذ الجسد الذى قد خالط العمل قد حوى مع القوة على الاستحالة والقلب إلى طبعه فى أوان جسدانيته. فهو يقلب الأشياء بالقوة التى ألبسته إياه العمل، ويكون قلبه إياه إلى ذاته لما قد بقى فيه من قوة الطبع الجسدانى.
وقول الفيلسوف: إن من الناس من عمل وفرغ وحزم المراد — فإن ذلك إنما أتى من جملة هذا الفعل . وذلك أن الذى قد فرغ من العمل إذا ألقاه على بعض الأجساد فلم يظهر له فيه ما يريده وجهل أن الواجب إلقاؤه على الجسد الذى يريد أن يتولد له مثله، ثم يلقيه بعد ذلك على سائر الأجساد — فقد يحس عند الفراغ من العمل نيل غرضه.
قال أفلاطون: واجعل ما تلقيه من العمل القليل على الكثير حتى لا يبلغ به إلا حد الإكسيرية لنفسه دون ما سواه.
قال أحمد: إنك إن ألقيت الكثير من العمل على القليل من الجسد فربما غلب العمل بكثرته على الجسد فنقله من حد الإكسيرية لجوهره إلى شكله فى كل الجهات، فيصير المحل الذى لا يكون بينه وبين الأجساد مشاكلة فلا يولد له حينئذ جنسه.
قال أفلاطون: وما فاتك بالرأى يوشك أن لا يفوتك بالامتحان.
قال أحمد: من لم يؤده الرأى إلى مراده والوقوف على ما يقصد إليه فإن الامتحان يرده إلى ذلك.
قال أفلاطون: واعلم أنك قد نلت الأمر العظيم بما ولدت، لأنه على السبيل الذى رتبنا مقو لكل شىء ومولد له.
পৃষ্ঠা ২৩৬