ومن هنا تعذرت التفرقة في سلوك المصري، بين ما هو روحاني وما هو مادي. نعم إننا نجريها على ألسنتنا في غير تردد، بأننا روحانيون، بينما أصحاب الحضارة العصرية من أهل الغرب ماديون، ثم ترانا نتخذ من هذه النقطة مبررا لنا في أن ندير ظهورنا للفكر الوافد من الغرب ، ولكنني أعترف أمام القارئ، بأنني كثيرا جدا ما أمعنت النظر - ما وسعني الإمعان - للوقوع على الفارق الجوهري الذي يميز ما نسميه بالروحاني، مما نسميه بالمادي، فلأهل الغرب عقائدهم الدينية من أغلبية مسيحية إلى أقليات يهودية وإسلامية، ولأهل الغرب جمعيات خيرية لا حصر لها تعين العاجز والفقير، ثم لأهل الغرب فنون وأدب، لهم موسيقى وشعر ومسرح ورواية وتصوير ونحت. وماذا تكون هذه الأشياء كلها إن لم تكن لمعات روحية؟ إذن، أيكون الفارق الذي يميز ماديتهم من روحانيتنا هو العلم، وما يلحق به من أجهزة وآلات؟ لكن دقق النظر معي قليلا، وانظر إلى ما وقعت عليه عيناك من أجهزة وآلات، كالراديو أو التليفون، أو مصباح الكهرباء، وسل نفسك: أهذا الذي أراه مجرد كتلة من مواد ركمت بعضها فوق بعض؟ أم هو بناء يسري في أجزائه وفي أوصاله «عقل» يتمثل في «العلم» الذي على أساسه أقيم، وعلى أساسه يعمل، وإذا كان ذلك كذلك، فبأي حق نتخذه علامة على حضارة مادية، ولا نتخذه دليلا على حضارة «عقلية» أو «علمية»؟ والعلم والعقل هما بغير شك أقرب إلى الروحاني، منهما إلى المادي.
على أنني بعد أن أعرض على نفسي أمورا كهذه، كلما حاولت الوقوع على الفارق الرئيسي بين الروحانية والمادية، أجدني ما أزال أمام مشكلة لم تحل؛ إذ أشعر أن ثمة فارقا، برغم أني لم أقع عليه، وآخر جهدي في هذا السبيل هو أن الروحانية علامتها تعليل الظواهر والوقائع والحوادث - تعليلا كليا أو جزئيا - بقوة غيبية، لا قبل للإنسان حيالها إلا أن «يؤمن» بها؛ لأنها ليست مما يدخل في ميدان العلوم ومناهجها. وأما المادية فهي تلك التي تصر على تعليل الواقع الفعلي بواقع فعلي آخر، ثم تستخرج من المتلازمات قوانينها التي تقنن ذلك التلازم بينها تقنينا رياضيا كلما أمكن ذلك.
ومع ذلك، فإذا كان هذا هو الفارق الرئيسي بين الروحانية والمادية، فمن الواضح أن الجانبين لا يتناقضان، بمعنى أن الفرد الواحد يمكن أن يكون في حياته روحانيا وماديا معا، فهو روحاني في المجال الذي يرجع فيه إلى قوة الغيب، وهو مادي في المجال الذي يجد أن الواقع الحسي يكفي نفسه بنفسه، وهو أمر يتم بمشيئة الله.
وقد يكون ذلك هو نفسه معنى الجمع بين الدين والدنيا في حياة واحدة.
وعند هذه النقطة نعود إلى المصري، وما تميزت به وقفته الحضارية خلال العصر، وقد قلنا إنها تميزت بمثل هذا الجمع في وحدة عضوية متسقة ومتماسكة، إلا في فترات ضعفه، عندما يفقد قدرته على الإبداع الحضاري، فلا يبقى له بين يديه إلا جناح واحد، يرفرف به، ولكنه لا يطير، وفي هذه المناسبة أقول إنه قد لفت انتباهي ذات يوم، أن قيصر والمسيح (عليه السلام) قد جاء كلاهما إلى مصر، لم يفصل بين مجيئهما في الزمن إلا خمسون عاما أو ما يقرب منها، فما وسعني ساعتها إلا أن أتساءل مع نفسي: ألا يكون هذا في حد ذاته مذكرا للمصري بأن مشيئة الله قد أرادت لمصر أن تكون نقطة التقاء بين مجد الدنيا وعظمة الدين؟
فلو كانت أخلاق المصري لتستقطب هذه المزاوجة بين الدين والدنيا، استقطابا حيا صادقا، لرأيناه دائما طائرا بجناحين: جناح العبادة، وجناح العلم والعمل والإنتاج، ولشاهدنا مئذنة المسجد ومدخنة المصنع متجاورتين في حياته، كل له واجبه وله حكمته، ثم لوجدنا المواطن المصري عزيز النفس بإيمانه وبإنتاجه معا مستغنيا بذلك الإيمان، وبهذا الإنتاج عن أي موقف يأتيه بالإذلال، وعندئذ ما كنت لأرى مثل ذلك الرجل الذي رأيته في الصباح واقفا بين يدي من وقف أمامه، باسطا كفيه على صدره، خاشعا ومصوبا عينيه نحو قدميه، وكأنه ماثل أمام ربه يؤدي فروض الصلاة.
قراءة في كراسة مجهولة
كان شابا في نحو الخامسة والعشرين، لكن عينيه كانتا تلمعان بنضج أكبر من عمره، وفي نبرات صوته هدوء وعمق، كأنما هو قد جاوز الأربعين، وحالته في مجموعها تنطق بالهموم التي لعله كان رازحا تحتها كما يرزح عائل أسرة كبيرة. كنت أعرف عنه أكثر مما أعرفه باللقاء المباشر، فقد كان أبوه صديقا عزيزا، وكان كثيرا ما يذكر لي في أحاديثه ولده هذا إسماعيل.
فوجئت بزيارته لي في منزلي، وأحسنت لقاءه، فما كاد يجلس على حافة المقعد، كأنه يخشى إزالة الكلفة بيننا إذا هو استند إلى ظهر المقعد، أو أراح مرفقيه على الجانبين، أقول إنه ما كاد يجلس تلك الجلسة القلقة، حتى هم بالحديث عما جاء من أجل الحديث فيه، فقال وهو على شيء من لهاث التعب والقلق والرهبة: مات أبي منذ عام ونصف عام.
قلت: أعلم ذلك يا ولدي، أعلم ذلك، فقد كان والدك صديقا كريما، ولطالما قضيت معه الساعات الطوال في مكتبته، أعني بين أكوام الكتب التي وضعها في غرفة مكتبه أكداسا أكداسا.
অজানা পৃষ্ঠা