وأقول ذلك لما أصبحنا نراه في مجتمعنا مما يشبه الحياة الفردية التي سبقت نشأة المجتمع، حين لم يكن للفرد حياة إلا على حساب فرد آخر، فكل منهم يتربص بأخيه بدل أن يسعى للتعاون معه، وإلا فكيف نفسر ما يطلبه المهني - أيا كانت مهنته - وما يطلبه الحرفي - أيا كانت حرفته - من أجور لا تتناسب قط مع المستوى العام الذي يعيش عليه أغلب المواطنين؟ لقد علمت من ذي علم وخبرة أن العامل الحرفي الذي يطلب منا المستحيلات أجرا على عمل يؤديه في بضع دقائق يكتفي من الأسبوع كله بيوم واحد أو يومين - ليقضي بقية الأسبوع في المقهى والنرجيلة تكركر أمامه، كما تكركر أمعاء الذين اغتالهم بأجوره يوم أمس فلا يحق لنا، بل ينبغي علينا أن نطرحه على أنفسنا سؤالا جادا، لا مجاملة فيه، ولا تهوين من خطورته، وهو: كيف نخرج مجتمعا متعاونا متعاطفا من مجموعة أفراده الذين تنافرت أهدافهم وتناحرت وسائلهم ؟
كان أرنولد توينبي - فيلسوف التاريخ المعروف - قد كتب مقالا قصيرا في صحيفة الأبزيرفر البريطانية - قبل وفاته بقليل - وكانت وفاته منذ بضعة أعوام، وأتيح لي أن أقرأ ذلك المقال عند نشره، وأخذني العجب والإعجاب معا، كيف استطاع ذلك الكاتب القدير أن يضع في نصف صفحة ما يصح أن يكون تشخيصا وعلاجا لمشكلة هي من أخطر المشكلات التي تعكر صفو الحياة العصرية جميعا ألا وهي مشكلة العنت الذي يتعنت به المهني أو الحرفي في تقدير أجوره معتمدا على أن الضحية لن يسعها إلا الرضوخ، ولتأكلها بعد ذلك الرضوخ ألسنة الجحيم، فماذا يضيره هو ما دام قد ظفر بأجر يمكنه - والكلام الآن يصدق على العامل المصري بصفة خاصة، أقوله أنا ولم يقله توينبي - من الاكتفاء بيوم أو يومين من كل أسبوع، ليقضي بقية الأسبوع في حياة لاهية؟
كان توينبي قد علل ذلك العنت في العامل البريطاني، بأنه رد فعل للمرارة التي غصت بها حلوق الكادحين، عندما استبد بهم أصحاب رءوس المال، ولكن توينبي وجه حديثه إلى العامل البريطاني ليقول له إن ذلك الرد العنيف، وإن يكن له ما يبرره فيما مضى، فهل يبرر له اليوم أن ينتحر وينحر الشعب كله معه؟ وكان مما قاله وهو ينذر العمال ويحذرهم من أن يدمروا الوطن بأسره في سبيل أطماع تنبعث في نفوسهم من مرارة الماضي، إنه يشهد ما يحدث من مغالاة العامل في أنانيته، فيرى كأنما هو واقف عند شاطئ النهر، على بعد أمتار قليلة من شلالات نياجرا، وقد مرت أمامه سفينة متجهة نحو تلك الشلالات الجبارة، لكن ربانها لا علم له بها، فهلاكه وشيك إذا مضى بسفينته حيث يمضي، وإذن فواجب توينبي أن يصيح به: قف هنا على الشاطئ؛ لأنك من التهلكة على مقربة.
وإني لأسأل: أأجاوز حدي لو صحت صيحة توينبي بمن قست قلوبهم، وغلظت أكبادهم، فيذبحون مواطنيهم ذبحا عندما يتقاضون أجورا تهلكهم وتهلك دافعيها معا، ويتحول بها مجتمعنا إلى مجموعة أفراد كل منهم يضمر الغدر بأخيه؟
مغامرات محسوبة!
في اليوم السادس عشر من سبتمبر سنة 1953م، كنت في طريقي إلى الولايات المتحدة، لأقضي بجامعاتها عاما أستاذا زائرا، وكانت تلك هي رحلتي الأولى التي أعبر بها المحيط الأطلسي إلى العالم الجديد. ولقد عدت بالأمس إلى ما كتبته يومئذ في وصف الطريق، فكأنما كنت أقرأ شيئا جديدا، لم أخطه بقلمي ذات يوم، فاقرأ معي هذه الفقرات:
بعد أربعين دقيقة من إقلاع الطائرة، أعلن الميكروفون أننا الآن فوق مدينة الإسكندرية، فنظرت، فإذا الإسكندرية لا تزيد على خطوط رقيقة مرسومة بالقلم الرصاص على الورق، فقلت لنفسي: إذا كانت المدينة الضخمة قد استحالت إلى هذه الخيوط الرقيقة، فبأي منظار يمكن أن أرى الفرد الواحد من الناس؟ والإنسان في هذه الحالة أميل إلى التسرع بالحكم على نفسه بالتفاهة والضآلة، فقليل من الارتفاع في جو السماء يمحوه، فماذا يكون أمره عند الرائي من أفلاك أخرى، وأكوان أخرى؟ ولكن الخطأ هنا هو نسيانه أن الطائرة التي مكنته من الصعود، هي من صنعه، ووليدة فكره وطموحه وخياله الوثاب، فأول سطر ينبغي أن يكتب في كتاب ثورتنا، وأن يقرأ ألف مرة كل يوم، هو أن نقرر لأنفسنا عن عقيدة، قوة الإنسان وجبروته، وأن نمحو من صفحات أذهاننا هذا الوهم الذي ما ينفك يعاودنا ويخيفنا، وهو أن الإنسان مخلوق تافه ضعيف. (وبينما كانت الطائرة تعبر بنا المحيط أثناء الليل) ظللت أنظر خلال زجاج النافذة إلى الجو المفضض بضوء القمر، وقلت لنفسي: ما أبعد الفرق بين إنسان وإنسان، قارن بينك الآن، وأنت تعبر المحيط، على هذا النحو، وبين كولمبس وهو يعبر المحيط نفسه، لتعلم كم يكون الفرق بين الفرد المبدع الخلاق المبتكر، وبين الأفراد الذين يجيئون بعد ذلك ليتبعوه! إن خيال رجل واحد وجرأته، فتحت للناس عالما جديدا، وشقت لهم طريقا جديدا إلى حضارة جديدة، ولكن سرعان ما يختلط علينا الأمر، فنظن ألا فرق بين من يبدع ومن يبيع. سرعان ما يختلط علينا الأمر، فلا ندرك الفرق بين من ابتكر الطائرة - مثلا - ومن اشتراها أو سافر على متنها! سرعان ما يختلط علينا الأمر، فلا نرى المسافة الشاسعة بين باحث علمي يشق بنتائجه العلمية أرضا جديدة لم تطأها أقدام قبل قدميه، وبين من يأتي بعد ذلك ليقرأ تلك النتائج، ويدرسها، وقد يحفظها عن ظهر قلب، وينشرها مترجمة إلى لغتنا أو غير مترجمة، كاملة أو ملخصة، ثم يقول - ونقول معه - إن منهم علماء ومنا علماء، ولا فرق في العلم بيننا وبينهم! لكن الفرق يا صاحبي هو نفسه الفرق بيني وبين كولمبس في عبور المحيط: عبره هو لأول مرة مغامرا مخاطرا متخيلا متعقلا، وعبرته أنا بعده تابعا، فلا مغامرة ولا مخاطرة ولا خيال ولا فكر.
كان ذلك ما كتبته يومئذ، وقد مرت بعد كتابته ثلاثون عاما، فهل تغير الموقف مثقال ذرة واحدة؟ أم لا يزال هو الموقف الذي كان منذ ثلاثين عاما، ومنذ ثلاثمائة عام؟ فسوانا يصنع حضارة العصر، ونحن نشتريها، أو نشتري ما استطعنا شراءه منها، ثم لا نستحي من القول بأن صانع الحضارة ومستعيرها سواء! لا، بل قد يصل بنا الشطح أن نباهي بأن «الخواجة» مسخر لنا كما سخرت لنا البغال والحمير، إذ هو يقيم لنا أسباب الحياة الدنيا، لنفرغ نحن للعبادة أملا في نعيم الحياة الآخرة، أي والله قالوها!
ولم تمض سوى أيام قلائل، منذ سألني شاب عربي في ندوة عامة: لماذا تخلفنا وقد كنا ذات يوم في الطليعة؟ فأجبته قائلا: كنا في الطليعة يوم كنا نفرز أفكارنا كما يتفصد العرق من جلودنا، ثم تخلفنا حين تركنا لسوانا أن يغامر ويغامر، حتى شق بصواريخه أجواز الفضاء، بينما جلسنا نحن القرفصاء ننظر إليه بأفواه فاغرة، انتظارا لما يلقي به إلينا من فتات. كان الفرق بيننا وبينهم ذات يوم فرق غرب وشرق، فالغرب يتعلم ليغزو الدنيا بعلمه، والشرق يتصوف لتخبو شعلة الحياة بزهده، فما كدنا نستيقظ لنبرهن لهم ألا فرق بين شرق وغرب، حتى فصل بيننا فارق جديد، فأصبح الفرق بيننا فرق شمال وجنوب، فالشمال يزداد ثراء، بعلمه مرة، وبسطوته الباغية مرة، بينما الجنوب يزداد فقرا، بجهله مرة، ومرة أخرى بضعفه الذي مكن للشمال أن يستذله ويستغله، وها نحن أولاء نشهد على مسرح الأحداث صراعا بين غرب وشرق، ونسمع حوارا بين شمال وجنوب، لكن «الغرب الشمال» في مركز القوي و«الشرق الجنوب» في مركز الضعيف. ولو سألتني لألخص لك الفرق بين الجانبين في كلمة، قلت: إن «الغرب الشمال» يغامر، بينما «الشرق الجنوب» يجلس القرفصاء.
قال السائل في لهفة قلقة: زدنا توضيحا يا أخانا، ولا تخف الحقائق في لفائف التشبيه والمجاز، زدنا يا أخانا في بيان الفرق بين الغرب العالم الذي هو أيضا شمال غني، والشرق الغافل الذي هو في الوقت نفسه جنوب فقير.
অজানা পৃষ্ঠা