في ذلك العام المقفر تخرجنا، فكنا كالسلعة البائرة تشترى بالثمن القليل. كان الفرض هو أن نخرج للتدريس في مدارس الدولة، فإذا الدولة تصدر أوامرها - علينا وعلى كل يائس تخرج في ذلك العام - بألا تفتح أبواب الحكومة لعامل واحد جديد ، فانتشرنا في الأرض نسعى؛ المدارس غير الحكومية تشتري بعضنا بأبخس الأجور، ومدارس الريف التي لم تكن تطمع في رجل واحد يحمل إجازة عليا، باتت تتلقى حملة الإجازات العليا ساعين إليها والعرق يتصبب على جباههم فتنتقي منهم مدارس الريف وتختار، والأعمال التي ألفت أن تؤدى بأيدي كتبة صغار، قصد إليها القاصدون من هؤلاء الكبار أو الذين ظنوا أنهم قد أصبحوا كبارا؛ وفي هذه السوق الكاسدة وجدت أنا ركنا في الريف، ووجد صديقي عملا صغيرا في دار الكتب بالقاهرة.
وكانت دار الكتب في القاهرة مزارا أتردد عليه مرارا متلاحقة منذ أيام الدراسة، فازدادت جاذبية بوجود صديقي بين العاملين فيها، ولقد كان ييسر لي ما كان عسيرا؛ فهنالك من الكتب ما لا يعار إما لنفاسته وإما لخساسته، فكان يهيئ لي ما كنت أريده من الصنفين! وقد تفهم ألا يعار الكتاب لنفاسته خوفا عليه من الضياع، ولكن ما هي تلك الكتب التي تخس فلا تعار؟ أأقولها؟ نعم قلها؛ فهي «نفس»، وأنت في رواية لقصتها؛ فما خفي من سرها قد يكون أهم مما ظهر من علنها، فهنالك كتب من أفحش الكتب عن الجنس، عرفها صديقي وعرفني بها وأعانني على استعارتها خفية لأنقل مادتها كما أريد، ولم يكن هنالك ما يمنع أن هذا الذي يستعير الفحش سرا، هو نفسه الذي يستعير كتب أفلاطون أو أرسطو علنا، ويا ما أكثر ما تحويه النفس البشرية من عجائب ومتناقضات!
كنت أقول عن صديقي فريد إنه أخذ يبحث عن الزوجة الملائمة بعد تخرجنا بقليل، وكانت روحه المرحة تجعل من بحثه ذاك موضوعا نتفكه به جميعا إذا ما التقينا، ولكن هذا الهزل كله لم يلبث أن انتهى معه بجد الزواج نفسه، وكانت الزوجة هي عفاف، ولقد كان الزوجان منذ تزوجا على بعد نفسي بعض الشيء أحدهما من الآخر؛ فهي تدل عليه بفرق في الثراء بين أسرتها وأسرته، وهو يتعاظم عليها بفرق كبير بين ثقافته وثقافتها؛ فهي فتاة وقف تعليمها في مدرسة فرنسية عند مرحلة أولية، ولكنها مع ذلك كانت من ذلك الصنف الذي يضع ألفاظا فرنسية في حديثها، حتى مع من كانت تعلم أنهم لا يعرفون من الفرنسية كلمة واحدة؟ وكان محالا عليها ألا تدع بعض الإشارات تتساقط في كلامها أو في سلوكها، لتدل بها على أنها ليست كسائر النساء اللائي تلتقي بهن في زمرة أصدقاء زوجها وأقاربه.
أخذنا نتبادل الأخبار عن الأحداث التي لا بد أن تكون قد حدثت خلال السنوات الطويلة التي باعدت بيني وبين فريد، وفجأة سكت الكلام، وأردت أن أملأ فجوة السكوت، فقلت بلا مقدمات: إن مسألة غريبة تشغلني بسبب لا أدريه، فلأمر ما شغلت برجل عجيب قابلته صدفة لكنه أثار اهتمامي الشديد بغرابة سلوكه وعمق لفتاته الفكرية، وبشذوذه عن المألوف في أشياء كثيرة، ويستحيل عليك أن تخطئه إذا ما رأيته وسط زحام الناس في الطريق؛ لأنه فريد ...
فقاطعتني عفاف قائلة وهي تضحك في نشوة طبيعية: صدقت، إنه شاذ وهو فريد (مشيرة إلى اسم زوجها).
فقلت: لا، لست أقصد فريدنا هذا، فصاحبنا الشاذ ذاك اسمه رياض عطا.
قال فريد في اهتمام ظاهر عليه وعلى زوجته معا: رياض عطا المدرس؟
قلت: لا أعلم ماذا يعمل، لم أجرؤ على سؤاله، بل إن اسمه نفسه لم أعرفه إلا بمصادفة عابرة، كل ما عرفته منه فيما يتصل بعمله هو أنه تخرج من مدرسة المعلمين العليا؛ لأنه قص علي طرفا من حياته فيها.
قال فريد: أهو أحدب الظهر قليلا؟
قلت: إنه أحدب الظهر كثيرا لا قليلا.
অজানা পৃষ্ঠা