কায়রো
القاهرة: نسيج الناس في المكان والزمان ومشكلاتها في الحاضر والمستقبل
জনগুলি
تقديم وإهداء
القاهرة: نوستالجيا مستقبلية
1 - القاهرة والمكان
2 - تطبيقات على النمو المكاني في بعض مناطق في القاهرة
3 - القاهرة والزمان
4 - القاهرة والناس
5 - القاهرة والأنشطة الاقتصادية
6 - فصل في حياة القاهرة المعاصرة
7 - هل يمكن حل إشكاليات القاهرة
الخاتمة
অজানা পৃষ্ঠা
ملحق الصور
المصادر والمراجع
تقديم وإهداء
القاهرة: نوستالجيا مستقبلية
1 - القاهرة والمكان
2 - تطبيقات على النمو المكاني في بعض مناطق في القاهرة
3 - القاهرة والزمان
4 - القاهرة والناس
5 - القاهرة والأنشطة الاقتصادية
6 - فصل في حياة القاهرة المعاصرة
অজানা পৃষ্ঠা
7 - هل يمكن حل إشكاليات القاهرة
الخاتمة
ملحق الصور
المصادر والمراجع
القاهرة
القاهرة
نسيج الناس في المكان والزمان ومشكلاتها في الحاضر والمستقبل
تأليف
محمد رياض
تقديم وإهداء
অজানা পৃষ্ঠা
منذ 600 سنة قال المقريزي شيخ الكتاب عن القاهرة في كتابه الرائع «الخطط»:
مصر هي مسقط رأسي، ومجمع أترابي، ومجمع ناسي ... وموطن خاصتي وعامتي، وجوي الذي ربى جناحي في وكره، وعش مأربي، فلا تهوى الأنفس غير ذكره، لا زلت مذ شدوت العلم، وآتاني ربي الفطانة والفهامة، أرغب في معرفة أخبارها، وأحب الإشراف على الكثير من آثارها، وأهوى مساءلة الركبان عن سكانها وديارها، فقيدت بخطي في الأعوام الكثيرة من ذلك فوائد قلما يجمعها كتاب، أو يحويها لعزتها وغرابتها إهاب ... فأردت أن ألخص منها أنباء ما بديار مصر من الآثار الباقية عن الأمم الماضية والقرون الخالية ... وأذكر ما بمدينة القاهرة من آثار القصور الزاهرة، وما اشتملت عليه من الخطط والأصقاع، وحوته من المباني البديعة الأوضاع، مع التعريف بحال من أسس ذلك من أعيان الأماثل، والتنويه بذكر الذي شادها من سراة الأعاظم والأفاضل، وأنثر خلال ذلك نكتا لطيفة وحكما بديعة شريفة، من غير إطالة ولا إكثار، ولا إجحاف يخل بالغرض ولا اختصار؛ فلهذا سميته كتاب: «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار».
ولد الشيخ تقي الدين أحمد بن علي المقريزي في القاهرة 766 هجرية/1364 ميلادية، وتوفي بها عام 845 هجرية/1442 ميلادية، عن 78 عاما ميلادية.
لم أر أحسن مما صاغه المقريزي في تقديم هذا الكتاب عن القاهرة المعاصرة. فهي أحب المدن إلي؛ مسقط رأسي، وفيها قضيت معظم مراحل حياتي، دائم التجوال في أحيائها؛ أرقب بنيانها، وأسجل في الذاكرة نموها طوال عدة عقود من الزمن، وأكتب عن ذلك مذكرات لم تر النشر، وبحوثا نشرت في دوريات وحوليات وصحف محاولا استنتاج إجابة على تساؤلات تدور في أذهان الكثير من المفكرين والباحثين: القاهرة إلى أين؟
وهذا الكتاب محاولة لم شمل ما كتبت وما لم أكتب، وما أحس به تجاه هذه المدينة العظيمة التاريخية والمعاصرة. متبعا في ذلك منهج الجغرافي والتاريخي والاجتماعي والسياسي حسب مقتضى الحال، وإن كان كل ذلك يلخصه ويهدف إليه منهج «الحياة» لمدينة بموقعها ومساحتها وناسها وتفاعلاتها الدينامية العفوية التي تأتي من استجابة الناس التلقائية لظرف حياتي فقير أو غني، نشط أو راكد، عامل أو عاطل ... كل يسعى إلى مجرد احتياج للبقاء أو إلى مزيد من رفاهية عيش. كل ذلك يعلو على مخطط ترسمه سياسة عمران بحيث تطوعه للاستجابة التي يحس بها الناس أنها الاختيار الأفضل.
متمنيا لهذه المدينة الخالدة دوام البقاء زهرة للمدائن خالية من المتاعب التي نواجهها في السياسة والعمل والتنافر المعماري ومصاعب التنقل بين جنباتها الفسيحة، ووسط حشدها السكاني الذي تجاوز أحد عشر من ملايين الأنفس.
إلى القاهرة دائمة الحياة والمجد، وإلى أرواح المقريزي ومن سلكوا دربه إلى علي مبارك أهدي هذا العمل.
محمد رياض
مدينة نصر في 18 / 9 / 2000
القاهرة: نوستالجيا مستقبلية
অজানা পৃষ্ঠা
الموضوع الآتي رؤية ذاتية أسقطها من الماضي على المستقبل. كنت أود أن يكون العنوان «القاهرة التي كانت»، ولكن تراءى لي أن الخلاصة ستكون نظرة حزينة للواقع الذي نعايشه في قاهرتنا المحروسة المحبوبة للمصريين والكثير من أشقائنا في العروبة والإسلام، ومن ثم مزجت الماضي بالمستقبل، متخطيا الواقع المؤلم الذي نعايشه. حنين جارف للماضي، وتشوق لما يمكن أن نعمله من أجل استعادة كل شيء جميل كان يميز هذه المدينة الخالدة.
الماضي الجميل
ولدت ونشأت وعشت حتى الآن قاهريا أصيلا. ربما كانت هناك جذور ممتدة إلى الشرقية، لكنني لم أعرفها إلا سردا قليلا من خلال قلة من أقرباء «شراقوه» مقيمين أيضا بالقاهرة. حين شببت عن الطوق كانت تحدوني باستمرار رغبة في المشي الطويل؛ للتعرف على شوارع حي الجمالية، وبرغم لهفة الأهل، فإنني كنت أغامر طويلا حتى انطبعت في الذاكرة خريطة من السيدة زينب إلى باب اللوق، وغربا إلى كوبري قصر النيل، وشرقا إلى عابدين والعتبة. وفي مرحلة الشباب اتسعت خريطة القاهرة لتشمل المدينة الفاطمية وبدايات شبرا والعباسية، وفي مرحلة التعليم الثانوي تسلقت المقطم فجر أحد أيام شتاء 1943 مع ثلاثة من زملاء الفصل في مغامرة خطرة حيث كانت هناك معسكرات للجيش الإنجليزي، وتهنا عن عين موسى التي كانت مسجلة عندي في خريطة، وعند العصر وجدنا أنفسنا عند الجبل الأحمر، وتكررت رحلتي بمفردي إلى القناطر الخيرية بطريق إمبابة-المناشي، راكبا دراجة أو ماشيا على الأقدام مع العودة بالقطار. أما الذهاب إلى الأهرامات؛ فكان يسيرا بواسطة الترام الذي كان يسير في منتصف الشارع بين خضرة وورود مما كان يشكل نزهة ما بعدها متعة وجمال، وتمعن في أمجاد مصر دفعني إلى قراءات كثيرة في التاريخ المصري القديم. ولا أنسى فضلا لأبي في مزيد من التعرف على خريطة القاهرة؛ فكل صلاة جمعة كنا نقضيها في مساجد بعيدة في المنيل وشبرا والجيزة، وعشرات المساجد من القلعة والسلطان حسن - الذي تعلقت به كثيرا - والرفاعي، إلى الأزهر وغيره من التحف المعمارية الإسلامي التي تتميز بها القاهرة عن بعض المدن العربية الأخرى، وهذا ما زادني اتجاها إلى قراءات في تاريخ القاهرة، وشم عبق الزمان في الغورية والسكرية والخيامية والجمالية ... إلخ.
أذكر هذه الخبرة الشخصية ليس لمجرد السرد، ولكن لنعرف كيف يحاول الشباب من جيلي أن يعرف مدينته إذا كانت كبيرة رحيبة مهيبة كالقاهرة.
قد ساعد على هذه الريادات بنية ملائمة للمشي والتنقل في شوارع القاهرة آنذاك، فقد كانت الشوارع كلها ظليلة بما زرع على الأرصفة من أشجار ظل كثيرة، وما كانت المحلات تفرده من ستائر معلقة أمام واجهاتها في الأحياء المتوسطة والشعبية؛ بل في أرجاء القاهرة القديمة كانت بعض الشوارع تظلها أسقف خشبية أو من قماش سميك لدرء أشعة الشمس عن السابلة أثناء حركتهم في الأسواق، وتتخلل هذه الأسقف منافذ عالية للتهوية والإنارة، وبمثل هذا التحوط البشري كان الناس تلقائيا وتاريخيا يتعايشون مع البيئة القاهرية الحارة خلال الصيف الطويل، بحيث إن مثل هذه الشوارع كانت تسري فيها نسمات منعشة أقل حرارة من الجو المفتوح.
وهذه هي إحدى أسس البناء عند العبقري المصري العالمي المهندس البناء حسن فتحي: درس حسن فتحي أشكال البناء المصري القديم والإسلامي في القاهرة والواحات والنوبة التي غرقت تحت مياه بحيرة السد أو بحيرة ناصر، مستخلصا مبادئ بسيطة لكنها شديدة الفعالية في التغلب على حرارة صيف المناطق الصحراوية، ويمكن تلخيصها في أمرين؛ أولهما: محاولة الحصول على الظل والنسمة من خلال تقارب المباني بحيث يقلل مساحة الفراغات التي تتسلط منها أشعة الشمس، وثانيهما: الإكثار من القباب على أسطح البيوت التي تزيد من حجم الغرف والصالات مع نوافذ عليا تتسرب منها الحرارة المتجمعة المنبعثة من الأجسام والنشاط البشري داخل الغرف؛ فالهواء الدافئ يصعد إلى أعلى والبارد ينزل إلى أرضية الغرف. كما أن وظيفة الأقبية أنها تشتت أشعة الشمس الخارجية في زوايا عديدة على كل درجات الميل للقباب بدلا من السطح المستوي للأسقف، وفي الممرات والدهاليز داخل البيوت تسري أهوية رطبة تخفض درجة الحرارة على أن يكون لها فتحات مواجهة للرياح الشمالية السائدة. ومن هنا كان بناء مساقط هواء «شخشيخة» ملونة الزجاج على أسطح البيوت، يمكن التحكم بواسطتها بفتح زجاج مواجه لتيار الهواء وإغلاق غيره. ومن هنا أيضا كان استخدام المشربيات على النوافذ له مثل هذه الوظائف المبردة لزمتة الصيف وخنقة الرطوبة. كل هذه المبادئ البسيطة في البناء هي نتاج تاريخ طويل لممارسات سكان المناطق الحارة الجافة من إيران إلى مصر وشمال أفريقيا، وكلها كانت في انتظار توافق فكر مبدع يربطها معا، وهكذا كانت عبقرية المعماري حسن فتحي، وما أحوجنا إلى الاحتفاء به هذه الأيام، ليس فقط بإقامة ندوات علمية؛ بل أيضا بمحاولة تطبيق توافقاته البيئية بصورة أعم مما هو عليه الوضع الآن.
القاهرة كما يعرفها من هم في سني، منذ الأربعينيات والخمسينيات، ينكر أن القاهرة الآن هي التي كان يعرفها منذ نصف قرن لولا بعض الشواهد الباقية الباهتة. فكثير من الشوارع والميادين تغيرت أسماؤها وتدهورت أحوالها. من يقول: إن شارع فؤاد (26 يوليو الآن) هو نفس الشارع الذي كان متنفسا يذهب إليه الناس للترويج في ظل إطار الأشجار التي كنت تحف به، ولمشاهدة مجموعة المحال شديدة الرقي: شيكوريل وشملا وبيع المصنوعات، وعصافير زاهر شفيق - إن أسعفتني الذاكرة - وقهوتي بول نور وبورفؤاد على ناصيتي سليمان باشا وشريف باشا، ومحلات «الأمريكين» والبن البرازيلي وحلواني أسدية والكازار وتسيباس ... إلخ. والشوارع المتقاطعة بما فيها من مقاه ومطاعم وسينمات، مثل: البودجا والكورسال والباريزيانا، وسينما ديانا وكايرو وسان جيمس، ومسرح رتيبة وإنصاف رشدي في شارع الألفي، ومترو وميامي وكافيه ريش ومشرب الشاي الهندي في سليمان باشا. وعشرات المطاعم الفاخرة الغربية والشرقية، مثل: الشيمي وكورسال وسان جيمس واليونيان، وسوق التوفيقية الشهير بأصناف منتقاة من الخضر والفاكهة، وسوق الممر التجاري بصناعاته الجلدية المصرية التي كانت تلقى قبولا حسنا من المصريين والأجانب المقيمين والسياح.
هذا قليل من كثير لشارع واحد محوري في القاهرة، يبدأ بمنتزه عظيم هو حديقة الأزبكية التي تقطعت أوصالها، ويحاولون الآن استعادتها بعد الخسارة! كان الشارع مسارا للترام والأتوبيس والسيارات، وبقربه من عماد الدين بداية مترو مصر الجديدة، وبرغم ذلك كانت الضوضاء والجلبة قليلة وعادم السيارات قليل بحكم انضباط قواعد إصدار التراخيص. كانت فئات الشباب تجوب الشارع صيفا بعيون مفتوحة على حركة الناس والتجارة، يتناولون وجبات سريعة وقطع الجاتو في محال متعددة، وكبار القوم يلتقون في البول نور في هدوء يحتسون القهوة، ورجال أعمال يختارون قهوة بورفؤاد مقرا للشاي وإجراء الصفقات.
كانت أمسيات الصيف القاهري أكثر من رائعة تتخللها نسمات رقيقة نقية الهواء، والكثير من العائلات تذهب لحفلات السينما في أبهى حلة من السادسة إلى التاسعة، مع القليل من محبي النظر إلى الجمال، والقليل جدا من المعاكسات الشبابية؛ لأن رجال الشرطة يؤدون واجبهم وسط طاعة واحترام الجميع وتقديرهم لما تؤديه الشرطة لأمن الناس. أما في الشتاء يغلق مبكرا إلا من بعض الذين يشوون أبو فروة في الأمسيات الباردة، وينسحب رواد المقاهي إلى داخل المقهى والطلبة في بيوتهم يستذكرون بانضباط نحسدهم عليه الآن؛ لأن المدرسة كانت حازمة بالنسبة لمن يتكرر رسوبهم.
ويمكن أن نتابع القول بالنسبة لشوارع المدينة الأخرى: سليمان وشريف وقصر النيل، وميدان الأوبرا وميدان الإسماعيلية «التحرير»، وميدان الأزهار في باب اللوق وميدان الحسين والسيدة زينب ... كل له طابع ورواد، والكل سعيد بما لديه، ابتساماته أكثر من تعقيد الوجوه، وعلى كوبري قصر النيل وكورنيش النيل في الجزيرة وأمام فندق سميراميس القديم حتى سور السفارة البريطانية، زرافات من الناس صغارا وكبارا يتنسمون الهواء، ويأكلون السميط والجبنة والبيض، ويسمرون حتى ساعات متأخرة من أمسيات ليالي الصيف بنسماتها الناعمة. كل ذلك دون جلبة وضوضاء، فقد كان الناس حريصون ألا تطغى حريتهم على حرية الجماعات الأخرى الجالسة إلى جوارهم في الصوت والحركة. كانت كل مجموعة تتحدث بصوت خفيض فيما بينها، وتتخلص من بقايا أطعمتهم في صناديق النفايات التي تعلقها بلدية القاهرة على أعمدة فوانيس الإنارة!
অজানা পৃষ্ঠা
وميدان العتبة الخضراء كان اسمه في العصر العثماني العتبة الزرقاء، وتحول إلى اسم: ميدان الملكة فريدة، ثم عاد مرة أخرى إلى اسمه القديم. هذا الميدان العتيد كان تحفة فنية؛ حديقة وسطى معني بها أشد العناية، تدور حولها خطوط ترام الأزهر والعباسية والسيدة والقلعة وشبرا وبولاق والزمالك والعجوزة والجيزة. وبنايات البريد المركزي بساعته الدقاقة الشهيرة كانت مركز التوقيت القاهري، قبل أن ينتقل إلى ساعة جامعة القاهرة التي هي في الجيزة. والمطافئ المركزية إلى جوار البريد يقوم رجالها بالتدريبات المستمرة التي يتجمع حولها الناظرون للمشاهدة، ومسرح الأزبكية العتيد الذي شهد عشرات من الحفلات الشهرية لسيدة الغناء والطرب أم كلثوم، ومقاهي البواكي الواسعة في غرب الميدان الذي كان فعلا سرة القاهرة. وعند أول شارع فاروق (الجيش حاليا) مقهى ذو تراس كبير يسمى: قهوة رضوان الكبرى، هو ملتقى كثير من تجار الموسكي والأزهر، وأمامه مطعم العجاتي الكبابجي الشهير. ماذا أصاب هذا الميدان المركزي؟ رفع الترام وأعيد ورفع مرة أخرى. بنى فوقه طريق الأزهر العلوي، فأصابه بضربه قاضية، وعمارة البواكي غرب الميدان أزيلت جزئيا منذ عشرات السنين، وظلت طويلا منظرا فريدا في التشويه العمراني إلى أن أزالها مشروع نفق الأزهر. أزيلت الحديقة الوسطى، ثم أعيد بناؤها في الطرف البحري، وأصبح المرور في اتجاهين يسير حولها في قوس متعاكس مما يسبب إشكاليات مرورية كثيرة، ولا نعرف كيف سيكون تخطيط المرور بعد إتمام النفق، ومن الجلي أنه لا يمكن تخصيص الميدان للمرور في اتجاه واحد؛ لأنه ما زال حيويا، فهو مركز الارتباط الأساسي بين شرق القاهرة: الأزهر والدراسة وصلاح سالم ومدينة نصر والعباسية، وجنوب القاهرة: عابدين والسيدة زينب والقلعة، وغرب القاهرة: الأوبرا ووسط البلد والإسعاف وبولاق وكورنيش النيل بمراكزه التجارية الشاهقة، وشمال القاهرة: كلوت بك وباب الحديد والفجالة والسبتية وشبرا. مسكين حقا ميدان العتبة؛ أصيب بكل الأمراض التخطيطية والتدهور العمراني لكن موقعه الفريد يجعله يتحدى الشيخوخة حتى الآن. فماذا سيفعل به نفق السيارات المقرر تعسفا من الأزهر إلى الأوبرا؟ أم أن النفق لن يزيده مما حاق به من آلام، ويتجه إلى حديقة الأزبكية وميدان الأوبرا، ويفعل بهما ما لم يفعله الزمان؟ «جاردن سيتي» مدينة الحدائق بقصورها وفيلاتها وشوارعها الدائرية، كانت حيا من الأحياء صمم لهذا الغرض المعماري: أبنية موسرة المعمار والزخرف، وسط حدائق ظليلة فلا يطغى بناء على الآخر، ولا تسمع من الخارج سوى إيقاعات البيانو وموسيقى حالمة. الآن هي خليط من بقايا الزمن اللطيف وعمارات وأبراج لا تنتمي أصلا إلى مخطط الشوارع ذات الأقواس. تدخل إحدى الفيلات القديمة تشم الماضي، وتتصوره حيا كما كان، ولكنك تفتح عينيك على زحمة المكاتب، وتسمع طنينا مخدرا لأجهزة التكييف في مركز لبنك أو إدارة لشركة أو فرع لإدارة حكومية.
والضواحي الجميلة الغناء بأشجارها وخضرتها وبلابلها، في مصر الجديدة والمعادي والدقي، طغت عليها أكداس الإسمنت والزجاج في صورة العمائر علبية الشكل، تعلو فوق أراضي الفيلات السابقة، وتحجب الضوء والهواء، وتنفث غازات آلاف أجهزة التكييف بدلا من المسرى الطبيعي للهواء النقي، فضلا عن هدير وغازات مئات الآلاف من السيارات التي تجري في شأن وغير ما شأن!
المستقبل ... إلى أين؟
أين ذهبت القاهرة بصيفها الناعم، وشتائها المعتدل؟ لا شك في أننا لا نبكي رومانسية الماضي، فإن ما ذكرناه إنما هو لنتذكر ما كان. فماذا نفعل الآن في ظل المتغيرات الكثيرة البشرية، وأولها الزحف البشري، وحلول المخططين بالتوسع العمراني في الصحراء الشرقية والحقول الشمالية والغربية؟
من هنا أردت أن أضع بين يدي القراء المهتمين كتابا حديثا مقتصد الصفحات، يرصد بموضوعية - قدر الإمكان - أحوال القاهرة في المكان والزمان، وأعداد الناس وأعمالهم، ومصادر رزقهم، ومشكلات المدينة الخانقة من حيث كونها عاصمة سياسية واقتصادية وتجارية وثقافية، والجهد المبذول للإصلاح، لكنه عادة إصلاح جزئي دون نظرات شمولية لمعالجة شيخوخة المدينة العريقة. فكان هذا الكتاب الذي أرجو أن يكون إسهاما في معرفة حقيقة أوضاع المدينة التي نعيش فيها، وكيف نترفق بها في معايشتنا لها، ولنكون رأيا عاما يشجع على المزيد من الاهتمام بها وترقيتها بمشاركته الرأي مع الأجهزة المختصة في بلديات القاهرة الكبرى؛ لكي تكون القرارات الإصلاحية مستندة إلى مشورة الناس جنبا إلى جنب مع التخطيط الفيزيقي الذي يتولاه المهندسون المخططون. وبعبارة أخرى: فالمطلب هو أن يكون التخطيط غير أحادي كما هو حاله الراهن؛ بل شركة بين مختلف التخصصات البشرية المجتمعية والاقتصادية والصحية والجغرافية، بغرض حسن اختيار المواقع من أجل نشر التنمية وتنويعها بشمولية على الكثير من الأراضي المصرية قدر إمكاناتها الطبيعية، وقدر قدراتنا المادية والتكنولوجية. ومن خلال هذا المنظور الشامل سوف تجد القاهرة وغيرها من المدن المصرية بعضا من الحل لمشكلاتها المعاصرة؛ فإن تطور اقتصاديات الريف سوف تقل معه الفوارق في الخدمات وفرص العمل، وتقل تيارات الهجرة إلى المدن مما يثبت عدد سكان المدن على نسب نمو ذات قيمة أقل من الأوضاع الحالية، وهذا هو ما يسمح للمدينة أن تنمو طبيعيا، وأن تجد أحياءها القديمة، وأن يتحسن أداء بنيتها الأساسية، وبالتالي تقل إشكالياتها لتتناظر مع حجم الحياة في كل مدينة على حدة.
الفصل الأول
القاهرة والمكان (1) لماذا تنمو القاهرة؟ (1-1) العلاقات المجالية لمركزية القاهرة
هناك عوامل محددة لنمو المدن أساسها الرئيسي وظيفة المدينة، وللقاهرة وظيفة استمرت طوال فترة نحو 1400 سنة، ولولاها لكان الموضع الذي بنيت عليه هذه المدينة قد هجر كغيره من المواقع والمواضع. لقد كانت الوظيفة الأساسية لهذا الموضع منذ تأسيس الفسطاط عام 673م هي الوظيفة السياسية، وما زالت كذلك قاعدة الحكم في مصر، وباستمرار هذه الوظيفة وضحت وظائف أخرى للموقع أضافت إلى المدينة مبررات أخرى للبقاء والنمو، وترتب عليها علاقات أخرى صنعها الإنسان. وقد أدت هذه العلاقات المجالية إلى تركز الحركة التجارية والحرفية والصناعية بحكم أن القاهرة أصبحت فيما يشبه منتصف الطريق بين ثلاثة محاور هي: (1) محور الدلتا - الصعيد. (2) محور بين المغرب العربي والمشرق العربي. (3) المحور بين البحر المتوسط/أوروبا من ناحية والبحر الأحمر/عالم المحيط الهندي من ناحية ثانية. ويحتاج شرح أهمية كل من هذه الطرق بحثا آخر غير هذا المكان، لكن ملخص علاقات القاهرة المكانية بكل من هذه المحاور ما يأتي: (1-2) القاهرة ومصر
المحور الأول أهميته محلية خاصة بمصر؛ فهو الرابط بين المعمور في الدلتا والصعيد، وهو الأساس الذي دعم باستمرار - وإلى اليوم - أهمية موقع القاهرة داخل مصر، وساعد على استمرار الوظيفة السياسية، بل وهيمنة القاهرة على كل مصر معمورها ولا معمورها، وأدى ذلك إلى استمرار نمو المدينة مساحة وسكانا مما لا يدعو إلى مزيد من القول. (1-3) القاهرة والعالمان العربي والإسلامي
محور المشرق-المغرب العربي يتصف بأن له أهمية مزدوجة من علاقات مركزية القاهرة عربيا وإسلاميا معا. العلاقات المكانية العربية تدور حول أنه يعبر مصر من المغرب وليبيا في الغرب إلى بلاد الشام والحجاز وما وراءهما شرقا، وفي التاريخ ما لا يحصى من الشواهد والدارسات عن مركزية القاهرة منذ الفتح الإسلامي، وامتداده إلى المغرب بعد اتخاذ مصر قاعدة متينة للانطلاق إلى شمال أفريقيا وبلاد النوبة والسودان، وشواهد أخرى عن تأسيس الخلافة الفاطمية القادمة من تونس في مصر، ومن ثم انطلاقها إلى بلاد الشام، وهذه هي البداية الحقيقية لقوة القاهرة مقابل تداعي قوة بغداد التي انتهت على أيدي المغول في منتصف القرن 13م، وظهور القاهرة دون منافس مركزا عربيا إسلاميا وحيدا ضد ممالك الصليبين وإمبراطورية التتار . أما الأهمية الإسلامية، فتذهب أبعد من العروبة إلى ذلك الجزء من العالم الممتد من المغرب الأقصى إلى السند وتركستان، ومن إقليم السودان الأفريقي إلى بلاد التركمان في وسط آسيا والقوقاز والعالم الإسلامي في المحيط الهندي. هذا هو عالم إسلامي لم تكن فيه حدود الممالك والإمارات المتعددة مانعة للحركة بالنسبة للتجارة والناس في الجانب الأكبر من تاريخ العالم الإسلامي. ومن خلال ذلك توافدت على مصر بعامة والقاهرة بخاصة كل سلالات المسلمين من ترك ومغول وسودان وقوقاز وبربر وأندلس وأكراد وعرب من كل الأنحاء العربية.
অজানা পৃষ্ঠা
وبرغم الحدود السياسية الحديثة إلا أن الحركة القومية العربية منذ أوائل هذا القرن قد جعلت القاهرة أيضا في منتصف هذا العالم، ويعطي هذا المحور القاهرة المعاصرة وظيفة عربية قومية، كما أعطاها في الماضي وظيفة سياسية وحضارية وثقافية في معظم التاريخ الإسلامي. (1-4) القاهرة والتجارة العالمية قبل القرن ال 20
وأخيرا فإن المحور الثالث بين العوالم المدارية والأوروبية أعطى القاهرة وظيفة تجارية وسياسية خارجية ذات استمرارية وديمومة؛ لأنها كانت وسيط التجارة الرئيسي بين العالم الأوروبي وعالم المحيط الهندي حتى اكتشاف الطريق البحري حول أفريقيا في أول القرن 16م، وأعطت هذه الوظيفة التجارية الدولية للقاهرة ثروة نظيرها قليل بين مدن العالم الإسلامي، وينعكس ذلك جليا على الرخاء والمعمار في العهدين الفاطمي والمملوكي، وقد انتهت هذه الوظيفة بنكسة مزدوجة: اكتشاف طريق الدوران حول أفريقيا، وسيطرة البرتغال ودول أوروبية أخرى على تجارة المحيط الهندي، وسقوط مصر داخل الإمبراطورية العثمانية (1516م) مما أدى إلى تدهور نسبي للقاهرة ومدن مصر عامة؛ إذ إن جانبا لا بأس به من تجارة التوابل الهندية والبن اليمني كان لا يزال يمر بمصر إلى أوروبا والدولة العثمانية. لكن قناة السويس أعادت إلى مصر عامة - بما فيها القاهرة - الأهمية القديمة بصورة معدلة.
ويجب أن نذكر في هذا المجال أن مصر لم تكن دولة عبور لسلع خارجية فقط؛ بل إن إنتاج مصر الزراعي وخاصة القمح والأرز وصناعات متعددة منها المنسوجات المصرية ذات الشهرة
1
من بين أشياء وسلع أخرى، كانت تتصدر قائمة أسس الرواج المصري الاقتصادي حتى في ظل ظروف القلاقل السياسية الناجمة عن المنافسة المستمرة بين المماليك في القرن الثامن عشر. فأرباح تجارة العبور هي حكر على كبار التجار والممولين للسفن في البحر الأحمر وشرق المتوسط، بينما أرباح الإنتاج الزراعي والمنسوجات والصناعات الحرفية المصرية تعم كل المصريين بأقدار مختلفة. (1-5) موجز وظائف القاهرة المعاصرة
وإلى جانب تدعيم الوظيفة السياسية والتجارية القديمة والحديثة ظهرت وظائف أخرى مرتبطة بموقع القاهرة بعد تبلور مصر ذاتيا كدولة ذات كيان واضح محدد منذ بداية القرن 19 بعامة، ومنذ أربعينيات ذلك القرن بخاصة حينما ثبتت الدولة المصرية في أسرة محمد علي داخل حدود معترف بها. فإذا استثنينا تطور الأحداث السياسية في تلك الفترة، فإن التطور الداخلي كان من الأهمية بحيث أصبحت القاهرة: (1)
مركزا للشبكة الحديدية الجديدة؛ مما أدى إلى انصباب خطوط الدلتا المروحية إليها، وخروج خط الصعيد الطويل منها، فأصبحت القاهرة بمثابة المعصم بين اليد (الدلتا) والساعد (الصعيد). (2)
مركزا تجاريا وصناعيا، خاصة بعد عام 1930، وقد أدى تطور الصناعة إلى ما يشبه الحلقة حول القاهرة الكبرى في الوقت الحاضر «شبرا الخيمة/مسطرد في الشمال، العباسية ومدينة نصر في الشرق، مصر القديمة، البساتين - دار السلام وحلوان في الجنوب، الجيزة/إمبابة في الغرب»، بالإضافة إلى الصناعات الحرفية التقليدية والصغيرة داخل قلب القاهرة القديمة من الدراسة إلى باب الحديد.
2 (3)
التركيز الكبير لمكاتب الشركات التجارية والصناعية داخل القاهرة بغض النظر عن كون أعمال هذه الشركات داخل أو خارج القاهرة.
অজানা পৃষ্ঠা
3 (4)
التركز الكبير للأعمال المالية والائتمانية للزراعة والتجارة والصناعة. (5)
مطار القاهرة الدولي حرم الإسكندرية جزءا كبيرا مما كانت تتمتع به من حركة النقل، وبخاصة نقل الأفراد تمشيا مع عصر الطيران بعد تطوره السريع منذ منتصف القرن العشرين، وقد ساعد ذلك على نمو مكاتب ووكالات السفر، ووسائل النقل الداخلي، ونمو الحركة الفندقية بما فيها من عمالة وخدمات كثيرة بعد أن كانت أعداد الفنادق قليلة، وساعد على تنوع درجات الفنادق بعد أن كانت هناك هوة بين فنادق الدرجة الأولى القليلة
4
وبين فنادق الدرجة الثالثة في باب الحديد ووسط البلد والعتبة والحسين والسيدة زينب . (6)
انتشار وكثافة النقل الداخلي الجوي أضاف إلى القاهرة وظيفة أخرى من وظائف الاتصال الداخلي السريع بجانب الطرق والسكك الحديدية. (7)
نمو الوظيفة الثقافية للقاهرة دعم سيطرتها على الحركة العلمية والثقافية في رقعة أرضية أوسع من حدود مصر السياسية، مبتدئا بالأزهر إلى الجامعات الثلاث؛ القاهرة وعين شمس والأمريكية، إلى مراكز ومجالس البحوث العلمية والاجتماعية وعشرات المعاهد الفنية والمهنية والأدبية والمسرحية والسينمائية والفنون الجميلة والتشكيلية، وأخيرا الجامعات الأهلية الثلاث، وكذلك تركز الصحف الكبرى وأجهزة الإعلام ودور النشر والطباعة ... إلخ. (8)
نمو وظائف الخدمات الترفيهية والترويحية مرتبطا بالسياحة الداخلية والخارجية، ولو أن هذه الوظيفة لم تنم بعد بالقدر الكافي، وما زالت موظفة لخدمات السياحة الخارجية.
هذه الوظائف الكثيرة للقاهرة قد ساعدت بطريقة أو أخرى على أن تصبح القاهرة قطبا فيه من طاقة الجذب ما ليس لغيرها من المدن المصرية، مما أدى إلى نمو مستمر للسكان والمساحة العمرانية؛ نمو وئيد أولا، ثم نمو سريع حتى أواسط القرن العشرين، وأخيرا نمو مذهل منذ الستينيات،
5
অজানা পৃষ্ঠা
ولهذا النمو الهائل بطبيعة الحال ميزة توافر الطاقة البشرية، وتركز الخدمات لإمكانات المدينة الكبرى، لكن له نتائج وعواقب وخيمة إن لم تتدارك في الوقت المناسب. أوضح هذه العواقب ظهور مشكلة المواصلات المعقدة، وختامها أن يصبح توفير مياه الشرب لهذا العدد المتزايد من سكان القاهرة مشكلة خطيرة كما يحدث في المدن الكبرى، مثل: طوكيو. ولا يجب أن ننظر إلى النيل على أنه مورد ماء لا نهاية له، فالوقت قريب ذلك الذي سوف يخطط فيه لاستخدام كل قطرة من مياه النيل للزراعة والصناعة واحتياجات الناس في المدن والقرى تخطيطا قد يؤدي إلى تقليل المياه المستخدمة بالمنازل إذا تزايد السكان عن ذلك كثيرا، وهذه مشكلة لها خطورتها وحيويتها في بلاد حارة معظم السنة.
شكل 1-1:
نمو القاهرة حتى القرن الثامن عشر. (2) أين نمت القاهرة؟
المكان الأرضي الذي نشأت عليه القاهرة منذ إنشاء الفسطاط في منتصف القرن السابع وإلى أوائل القرن العشرين، كان عبارة عن مستطيل يستدق طرفه الجنوبي عند مصر القديمة، ويستعرض كثيرا في اتجاه الشمال من شبرا إلى العباسية. هذا النطاق كان محكوما بعنصرين طبيعيين، أولهما: مسار النيل، والثاني: منحدرات الهضبة الشرقية: طره والمقطم والجبل الأحمر.
شكل 1-2:
الأوضاع الطبيعية والعمرانية في منطقة القاهرة منذ عشرة آلاف سنة. (2-1) النيل والقاهرة
اتسم مسار نهر النيل في منطقة القاهرة الكبرى بعدم الثبات وتغيير المكان طوال أكثر من ألف عام. فقد ظل النيل يهاجر غربا من مجراه، كان يسير من منطقة مصر القديمة إلى منطقة باب الحديد وشبرا الحالية إلى أن وصل مساره الحالي، وثبت عليه بواسطة الجهود البشرية في تجسير ضفافه إلى نحو ما نعرفه الآن. توضح الخريطة
1-2
بعض المقترحات المستندة إلى أدلة علمية وتاريخية أن النيل في المنطقة كان يسير في عدة أقواس ومنحنيات شأنه في ذلك شأن الأنهار في مجاريها الدنيا حينما يضعف التيار، وتقل المناسيب في السهول، فينعرج النهر كلما صادفته أقل العوائق شأنا، ويزيد انعراجا ويترك مساره إلى مسار آخر نتيجة الإرساب والإطماء والنحت البطيء، وقد كان بروز حافة طرة الهضبية سببا دفع مسار النيل غربا إلى قرب نهاية الوادي الفيضي، عند هضبة أهرامات الجيزة في قوس كبير يتجه بعد ذلك إلى الشرق والشمال الشرقي عند حافة المقطم، فيرتد صوب الشمال في ثنية كبيرة عند الجبل الأحمر، ومن ثم يتخذ مسارا شرقي المسار الحالي في منطقة شبرا، وفي هذا القوس ربما بدأ تفرع الدلتا بخروج الفرع البيلوزي صوب الشمال الشرقي، تلاه بعد مسافة مكانية وفترة زمنية تفرع فروع الدلتا الأخرى عند جزيرة الوراق. ثم تحركت قمة الدلتا شمالا إلى باسوس، وثبتت شمالها حيث هي الآن بواسطة المجهودات الهندسية التي تمثل القناطر الخيرية آخرها.
والملاحظ من هذا الوصف العام أن مسار النهر كان يقترب من مدينة «منف» عاصمة مصر الأولى ومن أهرام الجيزة ومن مدينة «أون» الجامعية (هليوبوليس القديمة). وبدون شك فإن «منف» كان لا يمكن أن تقوم بعيدا عن النهر، فالحضارة المصرية في مجموعها ومشتمل كينونتها حضارة نهرية، والنيل في مصر ظل الطريق الأساسي للحركة والانتقال - أشخاصا وسلعا - عبر آلاف السنين . وكان للعاصمة «منف» أفضلية المكان المنفتح على الدلتا والصعيد بعد توحيد مصر، مقارنة بأبيدوس - في سوهاج - عاصمة الملك نارمر موحد القطرين، وبالمثل فإن جامعة «أون» كانت تقع على النهر، أو على الأقل عند بداية الفرع البيلوزي، كوسيلة انتقال سهلة للطلاب والكهان والملوك.
অজানা পৃষ্ঠা
وأغلب الرأي أيضا أن النيل كان لا يزال يسير في ثنية كبيرة شمال غرب «منف» إلى قرب هضبة الأهرام، ومن ثم كان طريقا مائيا سهلا لنقل أحجار طرة الضخمة التي استخدمها بناة الأهرام من ملوك الأسرة الرابعة، ورأي آخر نطرحه هو أن الملوك بعد ذلك كفوا عن بناء الأهرامات الضخمة؛ إما للتكلفة الباهظة في المال والعمال، وإما لتحول مسار النهر تدريجيا إلى الشرق بعيدا عن أهرامات محافظة الجيزة، أو للسببين معا.
وفي نهاية العصر الروماني وبداية الفتح الإسلامي كانت الضفة الشرقية للنيل تحف بسور قصر الشمع وجامع عمرو بن العاص، ثم تتجه شمالا بشرق غالبا على طول ما نعرفه الآن باسم شارع حسن الأنور، ثم قرب ميدان السيدة زينب وشارع الناصرية وعماد الدين، قرب عابدين والأزبكية وباب الحديد، وبطول مخازن السكك الحديدية، وينحرف مع خط حديد شمال الدلتا إلى ما نعرفه الآن بشبرا الخيمة. وبذلك فإن مأخذ خليج أمير المؤمنين كان في مكان ما قرب ميدان السيدة زينب، ومن هنا تسمية شارع السد نسبة إلى إقامة سد على بداية الخليج يفتح عند الفيضان؛ لتجري فيه المياه في حفل مهيب يسمى «جبر البحر»، وبذلك أيضا كانت كل أراضي غرب القاهرة الحالية من فم الخليج إلى شبرا مسارا للنيل وفيضانه السنوي.
وظل النيل يهجر مجراه الشرقي في اتجاه الغرب، ويترك جزرا متعددة نمت ثم اختفت بالالتحام بالشاطئ كجزيرة الفيل (شبرا) وجزيرة بولاق، أو بالتحام جزيرتي حليمة وأروى في جزيرة واحدة هي جزيرة الزمالك الحالية بعد تعميق مسار البحر الأعمى بينها وبين الجيزة. أما جزيرة الروضة فقد ظلت ثابتة في مكانها مع بعض تغيرات في سواحلها الغربية، وهو ما يثير تساؤلات جيمورفولوجية وهيدرولوجية حول أشكال واتجاهات النحت والإرساب النهري لتفسير هذا الثبات النسبي لجزيرة الروضة مع حدوث تغيرات كثيرة في الجزر القريبة منها. ولكن يبدو أن للإنسان يد في ذلك؛ ففي العهد الأيوبي قام الملك الصالح بحفر وتوسيع مجرى سيالة الروضة بعد أن كادت أن تنسد وتلتحم بشاطئ الفسطاط ودير النحاس، وذلك لسببين؛ أولهما: أن انسداد السيالة أو ضيقها وقلة عمقها نتيجة الإطماء سوف يقضي على مصدر مياه الخليج المصري الذي كان مأخذه من هذه السيالة، وفعلا اشتكى الناس كثيرا من قلة جريان الماء في الخليج وتوقفه تماما وقت التحاريق، والسبب الثاني: أن الملك الصالح كان قد أنشأ في جزيرة الروضة قصرا جعله مقرا له بدلا من المقر الرسمي في القلعة، وبنى حصونا ومعسكرات كبيرة لمماليكه الذين أسسوا فيما بعد سلطنة المماليك البحرية؛ نسبة إلى سكنهم جزيرة الروضة. وقد تلا ذلك حركة تعمير من قبل السكان في الروضة. وأراد الملك الصالح بأن يبقي على الجزيرة كأحد أسباب الدفاع عن مقر الحكم في تلك الفترة، وكوسيلة إضافية أغرق الملك عدة مراكب عند الرأس الجنوبي للجزيرة أمام شاطئ الفسطاط عند باب القنطرة بحيث يضمن تحول جانب لا بأس به من مياه النيل إلى سيالة الروضة لرفع منسوب المياه فيها.
أما الضفة الغربية للنيل فلا نعلم عنها الكثير؛ لقلة المصادر التاريخية بالقياس إلى الضفة الشرقية التي كانت معمورة منذ العصر الروماني. وآخر ما نعرفه هو أن النيل في عصر الخديو إسماعيل كان يسير شمال مدينة الجيزة بانحراف يسير إلى الغرب قرب حديقتي الحيوان والأورمان إلى الدقي والحوتية ثم إلى إمبابة، وقد ردمت كثير من هذه الأراضي بواسطة وزارة الأشغال إلى مسار الضفة الحالي، وعمر إسماعيل بعض مناطقها كإنشاء قصر الجيزة - شمال جامعة القاهرة مباشرة - وحدائق الأورمان والحيوان، ومن ثم إعمار المنطقة بالزراعة - قريتي العجوزة والحوتية وأرض الأوقاف التي بنيت عليها أحياء المهندسين وما جاورها - وإما بواسطة بناء القصور والفيلات الأنيقة في منطقة الدقي. (2-2) بركة الحبش
يرد اسم بركة الحبش كثيرا في المصادر التاريخية المختلفة، ويتفق الجميع على أنها كانت بركة شاسعة تمتد جنوب الفسطاط إلى قرب القرافة الكبرى ، أي شمال سهل البساتين، وأنها كانت أحد أهم المتنزهات لسكان القاهرة والفسطاط، و«خصوصا أيام النوروز والغطاس والميلاد والمهرجان وعيد الشعانين، ونحو ذلك من أيام اللهو والقصف والعزف، فكان لا يبقى صغير ولا كبير إلا خرج إلى بركة الحبش ... وقد صارت بركة الحبش من مدة وإلى الآن [أواخر القرن 19] أرض مزارع يغمرها النيل زمن فيضانه إذا كان وافيا، فإن لم يكن وافيا شرقت كلها أو بعضها، ولم يبق من القصور والبساتين الفاخرة التي بسط المقريزي الكلام عنها إلا التلال المشاهدة الآن في تلك الجهات.»
6
وقد ورد أيضا ذكرها حينما مد أحمد بن طولون قناة منها إلى مدينة القطائع، عرفت باسم: قناطر طولون.
وقد حاولت تتبع سواحل هذه البركة على خطوط المناسيب الكونتورية فلم أوفق؛ ذلك لوجود تداخل كبير في الارتفاعات والمنخفضات نتيجة عوامل هدم البيوت السابقة وتكوم مخلفاتها إلى جانب اتخاذ مساحات كثيرة منها كمحاجر، ويحتاج الأمر إلى كثير من عمليات الرفع المساحي لتبين حجم تلك البركة، ومهما يكن من أمر فالحقيقة الواقعة أن هذه البركة كانت موجودة، ولعبت دورا في حياة القاهريين فترة طويلة من الزمن كمتنزه طبيعي موسمي في الفترات التاريخية اللاحقة للعصر الفاطمي على أحسن الفروض. (2-3) الهضبة الشرقية والقاهرة
أما العنصر الثاني المحدد لنمو القاهرة فهو حافة الهضبة الشرقية ومنحدراتها التي تكون حادة في أماكن، وهينة في أخرى، وتعرف بأسماء متعددة أشملها ما نسميه جبل المقطم، وإلى الجنوب منه جبل طرة، وإلى الشمال منه الجبل الأحمر. وترتفع هذه الهضبة إلى ما بين 150 إلى 250 مترا، وتقطعها أودية من أزمان جيولوجية ومناخية سابقة تشكل طرق ارتقاء إلى سطح الهضبة، منها أودية: حوف قرب حلوان، ودجلة قرب المعادي، والدويقة شرق القلعة، وترسل هذه الحافة الجبلية ألسنة تلية في اتجاه النيل، وخاصة في القطاعات الجنوبية عند طره وإسطبل عنتر وكوم غراب جنوب مصر القديمة، وذلك بسبب اقتراب الهضبة من النيل، أو الأصح اقتراب مسار النيل من الهضبة. وحافة الهضبة هنا متقاربة خطوط المناسيب؛ مما يؤدي إلى انحدارات شديدة بطول المسافة من المقطم إلى حلوان، وتتباعد الهضبة تدريجيا إلى الشمال الشرقي، ابتداء من المقطم إلى الجبل الأحمر في صورة منحدرات وعرة حادة تظهر في مناطق الجيوشي والقلعة ومنشأة ناصر. ثم تتشكل بعد ذلك من مسطحات عريضة من الانحدارات الهينة شمال وشرق الجبل الأحمر في مدينة نصر، ومن أهم الألسنة التلية التي ألزمت عمران القاهرة بمناطق سهلية محددة هي: لسان المقطم المنحدر إلى مصر القديمة في منطقة كوم غراب وإسطبل عنتر
7
অজানা পৃষ্ঠা
والرصد (+40−60 مترا) جنوب الفسطاط «سهل النيل عند مصر القديمة 20-21مترا»،
8
ووجه عمرانها صوب الشمال الشرقي عند المنحدرات الهينة لتلة أبو السعود الجارحي (+30مترا)
9
فيما عرف باسم الحمراء الدنيا والوسطى والقصوى، التي أصبحت مجالا لمدينة جديدة اختطها العباسيون عام 751 باسم «العسكر»، وهي تقريبا منطقة زين العابدين وفم الخليج (20-23 مترا). أما المرتفعات التي تحتلها القلعة الآن (75-95 مترا) فهي لسان ينحدر من الجيوشي والمقطم، وينتهي بجبل يشكر وقلعة الكبش (+35 مترا) وتلال زينهم (31-51 مترا). وعلى قلعة الكبش بنى أحمد بن طولون عاصمة لمصر المستقلة عن العباسيين سنة 870م باسم «القطائع». وبعد قرن أنشأ الفاطميون مدينة «القاهرة» عاصمة ملكية للخلافة الفاطمية على سهل رملي إلى الشمال من القطائع، وعلى مناسيب تتراوح الآن بين 22 مترا عند درب سعادة و24 مترا عند السلطان الغوري و28,7 من المتر عند ميدان الأزهر، وتتباعد هذه الألسنة التلية في شمال وشرق الجبل الحمر (80 إلى 120 مترا) بحيث سهلت ارتقاء العمران الحديث إلى مدينة نصر فوق مناسيب 100 إلى 150 مترا.
الخلاصة: أن القاهرة ظلت تنمو لمدة ألف عام داخل خط منسوب 20 مترا في الغرب و30 مترا في الشرق عند أقدام الحافات الجبلية للمقطم وألسنته المتقدمة غربا، واستمر ذلك الالتزام واضحا حتى عصر الخديو إسماعيل، حينما بنيت «القاهرة الحديثة» ضمن منسوب 20-22 مترا، وقد سبقه في العمران الشمالي للقاهرة محمد علي باشا بإنشاء قصر شبرا في شبرا الخيمة، وتسابق بعض الأمراء في بناء قصور شبرا كالأمير طوسون. وكل شبرا هي نفس المناسيب، بل تنحدر حينا إلى 19 مترا عند مأخذ ترعة الإسماعيلية الحالي. وتتكرر الصورة نفسها في النمو العمراني على طول خط القبة والمطرية والمرج ، منذ إنشاء قصر القبة غالبا في عصر إبراهيم باشا - واستخدامه سكنا للأمير توفيق فيما بعد - نجد المناسيب تتناقص قليلا من نحو 23 مترا في القبة إلى 22,4 مترا في الزيتون تمشيا مع الانحدار العام، وحينما امتد عمران بر الجيزة وإمبابة من النيل غربا إلى كل القاهرة الكبرى غرب النيل، فإنه إنما كان يمتد على أرض الوادي الزراعية ذات الانحدار اللطيف من الجنوب إلى الشمال، ومن الهضبة الغربية صوب النيل.
أما الأماكن التي خرجت عن قاعدة خطوط المناسيب 20-30 مترا، فتتركز في الشرق والجنوب على النحو الآتي:
كانت البدايات في سبعينيات القرن 19 حينما أنشئت حلوان الحمامات كمدينة استشفاء وترويح ونزهة. حلوان البلد قرب النيل كانت تقع على منسوب 22 مترا؛ لأنها توجد في الوادي النهري الضيق، أما حلوان الحمامات فقد أنشئت على منحدر هادئ من 68 مترا في الشرق عند مصحة فؤاد إلى نحو 45 مترا في غرب كتلة حلوان الحمامات السكنية القديمة، ويتمشى هذا مع الانحدار السريع لحافة الهضبة الشرقية صوب النيل، واستفادة من هذا الموقع أنشأت الدولة مرصد حلوان شمال شرق حلوان على منسوب 114 مترا. وفي الوقت الحالي يمتد عمران المعادي إلى حافة جبل طرة وأوديته بعد شق طريق أوتوستراد حلوان.
شكل 1-3:
تأثير التضاريس على توجيه العمران «نموذج من غرب مدينة نصر».
অজানা পৃষ্ঠা
وفي أول القرن 20 جاءت التجربة الثانية في الارتفاع إلى مناسيب أعلى في صورة بناء مدينة مصر الجديدة على مناسب تتراوح بين نحو 40-45 مترا عند منطقة روكسي إلى 53 مترا في منطقة ميدان الإسماعيلية، وإلى 78 مترا في ألماظة. وبعد نحو ستة عقود جاءت التجربة الثالثة ببناء مدينة نصر التي تبدأ في الشمال من نحو 70 مترا عند التقائها بمصر الجديدة إلى نحو +150 مترا في الجنوب عند نهاية المنطقة الثامنة من المدينة، وهناك مخطط «القاهرة الجديدة» الذي يقع تحت الإنشاء الآن، والذي يمتد شرق مدينة نصر على مناسيب أعلى من 150 مترا، وتمثل مدينة المقطم أعلا منسوب في القاهرة حيث تصل الكتلة السكنية في المخطط الأول للمدينة في الهضبة العليا إلى 150-180 مترا، وسرعان ما بدأ تخطيط الهضبة الوسطى على مناسيب نحو مائة متر، وإسكان الزلزال شرق الهضبة العليا إلى منسوب 120-140 مترا، والأغلب أن إسكان الزلزال في المقطم سوف يلتحم مستقبلا مع عمران التجمعات السكنية للقاهرة الجديدة.
ومقابل هذه التجارب الناجحة بدرجات مختلفة، نجد تجربتين نتائجهما محبطة في نمو المدينة الكبرى؛ أولاهما: النمو الطفيلي العشوائي لمنشأة ناصر ووادي الدويقة على مناسيب 60 إلى 80 مترا على حافة شديدة الانحدار أمام جبانة برقوق/قايتباي (خريطة
2-7 )، والثانية: هي النمو العشوائي للبساتين ودار السلام بين شمال المعادي ومصر القديمة والفسطاط الجديدة وعين الصيرة.
وهكذا اعتلت القاهرة المناسيب العليا التي ظلت تمنع وتحجم النمو في اتجاه الشرق عشرات القرون، ويرجع ذلك إلى:
تضاعف سكان القاهرة، وبخاصة في النصف الثاني من القرن العشرين.
إمكان التغلب على الانحدارات العالية بواسطة تقنية بناء الطرق الحديثة، وشيوع نمط السيارة بأشكالها المختلفة.
القوى المركزية المتزايدة التي تجمعها القاهرة كقطب ذي مغناطيسية كبيرة في جذب وتركيز إمكانات الحياة العليا، وأوجه النشاط الاقتصادي والخدمي.
وبرغم التقدم في تقنية وسائل النقل والطرق إلا أن التضاريس الوعرة ما زالت تشكل عنصرا من عناصر الطبيعة ليس سهلا التغلب عليه، وربما كانت خريطة
1-3 (الجبل الأحمر وغرب مدينة نصر) تمثل بصدق أحد أشكال فعالية الوعورة الأرضية في توجيه مخططات العمران بعيدا عنها. (3) كيف نمت القاهرة؟
من المعروف أن هناك عدة أشكال في جغرافية المدن لتفسير تاريخ نمو المدينة. لكن ليست كل هذه الأشكال منفصلة عن بعضها تمام الانفصال، بل الذي يحدث أن يتم نمو مدينة على شكلين أو أكثر، وإن كان هناك شكل أكثر وضوحا يتم على أساسه النمو الأكبر للمدينة المعينة، خاصة إذا كانت المدينة ذات تاريخ طويل - كما هو الحال في معظم المدن الكبرى في الشرق الأوسط، وحوض البحر المتوسط، والصين والهند، وبدرجة أقل في أوروبا الغربية والوسطى - فالغالب في هذه الحالات أن يحدث النمو المديني بشكل معين في فترة زمنية وبأشكال أخرى في فترات لاحقة.
অজানা পৃষ্ঠা
وفي حالة القاهرة يمكن تتبع نموها على البعدين الزماني والمكاني على ضوء معظم الأشكال التي يتم بها النمو المديني ، وهذه الأشكال هي: (أ)
النمو من نواتين مدنيتين أو أكثر والتحامهما معا. (ب)
النمو المركزي من نواة واحدة، ثم النمو التدريجي حولها. (ج)
النمو المخطط، وسوف تعالج هذه الأشكال ضمن تتبع حركة النمو لأجزاء القاهرة وأقسامها الجغرافية كل على حدة. (3-1) المنطقة المركزية من القاهرة
المقصود من المركزية المنطقة الأصلية للقاهرة من بولاق إلى الدراسة، ومن باب الحديد إلى مصر القديمة حتى بدايات القرن العشرين، والتي غلبت عليها تسمية «مصر المحروسة» خلال القرن 19، وهي ما يمكن أن نعبر عنه أيضا بالمنطقة الوسطى أو قلب القاهرة، وفي هذا الجزء من المدينة نجد عمليات التفاعل العديدة عبر القرون من إنشاء لمدن الحكم ونموها وتدهورها والتصاقها باتجاهات نمو مكانية أقدم وأحدث. وباختصار، فإن دينامية القاهرة تظهر في القاهرة المركزية؛ نمو من نواة ثم عدة نوايات ثم نمو مخطط، بينما الامتدادات التالية، وخاصة في القرن العشرين تسير في اتجاه واحد هو النمو المخطط؛ استجابة لمتطلبات الانطلاقة الكبرى في النمو السكاني المصري والقاهري.
القاهرة المركزية: نشأت في صورة عدة مدن الواحدة خارج الأخرى. أول هذه المدن الفسطاط التي سميت بعد ذلك مصر أو مدينة مصر سنة 641م، ثم نشأت العسكر إلى الشمال منها سنة 751م بعد الثورة المصرية ضد الحكم العباسي، وهروبا لقاعدة الحكم من كثافة السكن والسكان داخل الفسطاط. وبعد نحو قرن أنشأ أحمد بن طولون، والي مصر المستقل عن الخلافة العباسية، مدينة جديدة باسم «القطائع» إلى الشمال الشرقي من العسكر عام 868م، بين حافة المقطم عند موقع القلعة الحالية وبين قلعة الكبش. لكن نمو العسكر والقطائع توقف بعد سقوط الدولة الطولونية عام 906م. في الوقت الذي ظلت فيه مدينة مصر تنمو بالتدريج؛ لأنها كانت مركز السكن والتجارة، بينما كانت العسكر والقطائع مدن حكم. وفي سنة 969م دخل جيش الفاطميين مصر بقيادة جوهر الصقلي قادما من تونس بعد عدة محاولات فاطمية سابقة فاشلة للاستيلاء على مصر؛ نتيجة مقاومة كافور الإخشيدي، فلما مات سنة 868 سقطت مصر أمام الفاطميين. أنشئت قاهرة المعز في مكانها الحالي بين الخليج المصري والتلال الشرقية في الدراسة ، وأحيطت جميعها بسور من اللبن وخندق، وظلت عاصمة ملكية لمصر الفاطمية قرابة قرنين من الزمن، وكانت تحتوي على القصور الملكية ومقر الحكم والجامع الأزهر، بالإضافة إلى إقطاع أحياء لسكن أنصار الدولة الفاطمية من قبائل شمال إفريقية. ولا شك أن العمران ظل يزحف مع الضغط السكاني من مدينة مصر تجاه الشمال الشرقي؛ أي تجاه القاهرة الفاطمية منحصرا بين الخليج المصري من الغرب ومقدمات حافة المقطم من الشرق. وعلى هذا ظهرت ضواح جديدة لمدينة مصر منها الحمراء الدنيا والوسطى والقصوى، التي كانت في المنطقة الممتدة حاليا بين دير النحاس والسيدة زينب. وفي الوقت ذاته لم تمتد مدينة مصر شمال أو غرب مسار الخليج المصري؛ لكثرة المستنقعات، وطغيان مياه الفيضان عليها بين حين وآخر.
وقد أخذت أحوال مدينة مصر تسوء بعد الفتن والحروب الداخلية والمجاعة أثناء خلافة المستنصر من عام 1040 إلى 1074م، ثم حدوث النزاع بين الوزيرين شاور وضرغام، وتدخل الصليبيين وجيوش سلطنة ابن زنكي بقيادة شيركوه وصلاح الدين في مصر بدعوة من الخليفة الفاطمي، ثم إحراقها بأمر الوزير شاور عام 1169م، وقد عاد السكان إلى مدينة مصر بعد استقرار الأمور في بداية العهد الأيوبي، لكن السكن اقتصر على المنطقة الغربية، وخاصة بعد أن شيد الملك الصالح الأيوبي (1240م) قلعته في جزيرة الروضة، وهجر الجانب الشرقي من الفسطاط بعد الحريق تماما.
والحقيقة أن مدينة مصر كان قد أفل نجمها بعد الحريق؛ فبعد سقوط الدولة الفاطمية ونزوح الناس إلى القاهرة الفاطمية التي لم تعد عاصمة ملكية، اقتصر العمران في مدينة مصر على عدة شرائح عمرانية طولية في منطقة دير النحاس وجامع عمرو، ومنطقة مرتفع أبو السعود الجارحي، وحول الأديرة الموجودة في مصر القديمة، وظلت كذلك شرائح مبعثرة حتى الثلاثينيات من هذا القرن حينما نمت القاهرة، واتصلت عمائرها بمصر العتيقة أو بقايا مدينة مصر الفسطاط.
أما القاهرة الفاطمية: فقد نما عمرانها للدرجة التي أزيل معها أسوارها الشمالية والجنوبية لتبنى من جديد على مبعدة من المكان الأصلي «بدر الجمالي في أواخر العصر الفاطمي»، وأدار صلاح الدين الأيوبي سورا حول القاهرة إلى الفسطاط والقلعة والنيل، وهو بذلك أول من وحد نوايات القاهرة في نواة واحدة، وكان ذلك فكر عسكري لحماية المدينة، واستجابة لنمو العمران الذي كان قد تعدى الأسوار في منطقة باب الشعرية الحالية متجها إلى الالتحام بعمران ميناء المقس (أو المكس أو المقسي) وموقعها الآن منطقة باب البحر وباب الحديد وأولاد عنان، وكانت المقس هذه ميناء القاهرة الفاطمية والأيوبية، وتاريخها يرجع إلى ما قبل دخول عمرو بن العاص مصر - إذ الأغلب أن المقس كانت هي قرية أو مدينة «أم دينين» كما عرفها المؤرخون الأوائل مسرحا لمعركة بين الجيش العربي والرومان قبل معركة بابليون.
10
অজানা পৃষ্ঠা
وقد ظلت ميناء للقاهرة حتى فترة الأيوبيين وأوائل العهد المملوكي. ثم انتقل النيل غربا فصارت بولاق هي ميناء القاهرة لفترة طويلة، ولم يمتد عمران القاهرة الفاطمية صوب مدينة مصر إلا في العهد الأيوبي وأوائل المملوكي بعد تشييد القلعة.
ويضاف إلى ذلك أن المنطقة الواقعة بين سفح قلعة الكبش وجبل يشكر وبين باب الخلق كانت تحتله بركة كبيرة، هي بركة الفيل، التي ظلت قائمة حتى عهد الحملة الفرنسية على مصر في أواخر القرن 18. وكذلك عبر النمو العمراني أسوار القاهرة الفاطمية في العهد الأيوبي المملوكي في منطقة باب الخلق متجها إلى منطقة باب اللوق وعابدين والناصرية بعد حفر الخليج الناصري في عهد السلطان محمد بن قلاوون (1325م) الذي كان مأخذه من النيل في منطقة التحرير الحالية، وربما تكونت عدة برك غربي الخليج المصري نتيجة هجرة النيل، منها: بركة السقايين فيما بين عابدين والسيدة زينب، وبركة الفرايين - نسبة لصناعة وتجارة الفراء - عند ميدان عابدين، وبركة قاسم بك محل شارع المبتديان، وبركة قارون في البغالة، وتحولت هذه المنطقة إلى بساتين وبعضها امتد داخلها العمران، وأكبر البرك كانت بركة الأزبكية التي ظلت حد العمران القاهري في الغرب - منطقة الموسكي، والعتبة، ووجه البركة - ويحيط بها شمالا عمران القاهرة الممتد إلى المقس على طول ما نعرفه الآن بشارعي كلوت بك والجمهورية.
وموجز القول: إن العمران المديني للقاهرة الفاطمية ظل ينمو خلال العصر المملوكي إلى أن عبر نهائيا الخليج المصري، وانتهى غربا عند خط يكاد يتفق مع مسار شارع الجمهورية الحالي بين المقس (باب الحديد) وعابدين والناصرية إلى السيدة زينب. كما أن العمران في الشمال امتد خارج الأسوار إلى منطقة الحسينية وبركة الشيخ قمر والظاهر وبركة الرطلي وأرض الطبالة (الفجالة). كذلك امتد العمران جنوب القاهرة الفاطمية في اتجاه القلعة، وبذلك يكون العمران في منطقة القاهرة قد نما بحيث أدى إلى التحام بين النواتين الرئيسيتين: مدينة مصر ومدينة القاهرة - أو ما سمي: مصر الفسطاط، ومصر القاهرة - برغم أنه حينما تم الالتحام كانت مدينة مصر قد تدهورت كثيرا، وقد تم الالتحام في منطقة: السيدة زينب - الناصرية - فم الخليج من ناحية، وفي منطقة: السيدة زينب - القلعة - الحلمية من ناحية أخرى.
ويمكن أن نلخص الموقف في هذه النقطة على النحو التالي:
النمو العمراني في منطقة القاهرة المركزية تم نتيجة التحام عدة نوايات، أقدمها نواة مدينة مصر في الجنوب الغربي، والمقس في الشمال الغربي، والقاهرة الفاطمية في الشمال الشرقي، والعسكر والقطائع والقلعة في الوسط والشرق. والحقيقة أن المنطقة الوسطى كانت منطقة ضعف تذبذب فيها العمران من نمو وازدهار إلى تدهور وخراب، وذلك راجع إلى اختلاف في وظيفة وطبيعة العمران في النواتين الرئيسيتين؛ مصر والقاهرة، فبينما الأولى مركز العمران والتجارة والسكان، كانت الثانية مركز الحكم والسياسة، ولم يحدث الالتحام بينهما إلا بعد انتقال مركز الحكم إلى القلعة وفقدان القاهرة الفاطمية لهذه الوظيفة.
شكل 1-4:
القاهرة في عصر الخديو إسماعيل (1869). (3-2) النمو المخطط في القاهرة المركزية في القرن ال 19
بعد أن تم تبلور العمران على النحو الذي ذكرناه، ظلت المدينة على هذا النحو متوقفة عن النمو خلال العهد العثماني، وفي آخر القرن 18 سجلت الحملة الفرنسية خريطة القاهرة في صورة مستطيل كبير حده الشرقي من القلعة إلى تلال قطع المرأة في الدراسة إلى تلال ومقابر باب النصر، وحده الغربي خط يكاد يوازي شارع عماد الدين ومحمد فريد من باب الحديد إلى السيدة زينب، وحده الشمالي من الحسينية إلى الفجالة وباب البحر، وحده الجنوبي من القلعة إلى طولون إلى البغالة (السيدة زينب)، ومن هذا المستطيل الكبير (خريطة
3-6 ) بدأت المدينة تنمو في القرن 19م، ومقدمات النمو أخذت صورة متكررة من إنشاء قصور للحكام خارج المركز المديني، وأهم الأمثلة: قصر محمد علي بشبرا، وقصر عباس بالعباسية، وقصرا القبة، والقصر العالي لإبراهيم باشا بجاردن سيتي،
11
অজানা পৃষ্ঠা
وفي اتجاه تلك القصور كان العمران يمتد مع الطرق الواسعة المتجهة إليها من المدينة. لكن أهم دفعة في النمو المركزي للمدينة بدأ بردم بركة الأزبكية في عهد محمد علي، وإنشاء شارع الموسكي من ميدان العتبة الخضراء إلى الأزهر والحسين، وشق طريق من الأزبكية إلى بولاق، وتحسين شارع الخليج وغيره الذي يقود من الموسكي إلى القلعة، وبدايات إنشاء شارع محمد علي من القلعة إلى العتبة، وفي عهد الخديوي إسماعيل تواصلت هذه المجهودات في إنشاء الشوارع الحديثة المستقيمة من محطة القطار في باب الحديد إلى العتبة والأوبرا وقصر عابدين، وإنشاء كوبري قصر النيل عام 1872 للوصول إلى القصر الجديد الذي أنشأه إسماعيل في الجزيرة - الذي أصبح فندق عمر خيام الجزيرة ثم فندق ماريوت الآن.
وكذلك كان هناك دفعة جديدة في النمو المركزي، هي تلك التي التزمت بتخطيط منطقة واسعة سميت الإسماعيلية والتوفيقية، وشملت ما بين بداية ميدان التحرير إلى شارع 26 يوليو شمالا، ومن جسر قصر النيل غربا إلى دار الأوبرا شرقا، وهي الآن «وسط البلد»،
12
وارتبط ذلك التوسع بإنشاء جسر قصر النيل كخطوة في سبيل إنشاء طريق رئيس بين عابدين وقصر إسماعيل في الجيزة. لم يتم ذلك إلا بعد إنشاء كوبري البحر الأعمى (الجلاء) عام 1877، وعلى هذا النحو تقدم العمران المخطط بين باب الحديد وبولاق شمالا وباب اللوق وميدان الإسماعيلية (التحرير) جنوبا، متجها من المدينة القديمة إلى منطقة عابدين صوب الغرب حتى ضفة النيل، ويمر فيها طريقان رئيسيان؛ الشمالي: من الأزبكية إلى بولاق (شارع 26 يوليو)، والثاني: من عابدين إلى قصر النيل (شارع التحرير)، وفيما بين باب اللوق والسيدة زينب امتد العمران إلى الغرب أيضا حتى شارع قصر العيني والقصر العالي (قصر الدوبارة) غربا، وشارع المبتديان جنوبا. وفي هذه المنطقة الجديدة أنشئت عدة قصور للأثرياء، مثل: قصر إسماعيل باشا المفتش (وزارة المالية) في لاظ أوغلي، وكان لتركز الحكم بين قصر عابدين والوزارات في لاظ أوغلي أثر كبير على امتداد العمران في منطقة المالية والسيدة زينب وجنوبها إلى البغالة، لكن وجود تلال زينهم أوقفت النمو في هذا الاتجاه، ونما العمران بعض الشيء من الحسينية وبركة الرطل قليلا إلى الشمال صوب منطقة السكاكيني وغمرة والعباسية.
شكل 1-5:
جنوب وسط القاهرة نماذج من خطط عمران القاهرة.
أما النمو المركزي صوب الشرق والجنوب الشرقي فقد حدده مانعان؛ أولهما: تلال الدراسة، والثاني: عامل بشري متمثل في وجود منطقة مقابر الجبانة الشرقية «باب الوزير، وقايتباي، وبرقوق، والغفير» والقرافة الكبرى (الإمام الشافعي) في الجنوب الشرقي، وعلى هذا النحو يكون النمو المركزي للقاهرة قد تخطى عقبة البرك التي كانت تمتد في خط طويل من الأزبكية إلى الفرائيين إلى السقايين إلى بركة الفيل، واتجه التعمير إلى النيل فأشرف عليه أو يكاد فيما بين بولاق وقصر الدوبارة فقط، بالإضافة إلى منطقة قصر العيني. وكان هذا الاتجاه الغربي صوب النيل هو الذي يمثل أكبر قدر من النمو المركزي في القرن 19، بينما ظل ذلك النمو ضئيلا في اتجاه الشمال، ولعل السبب في ذلك وجود عقبة خطيرة هي امتداد خط السكة الحديد من باب الحديد إلى السويس شمال الفجالة وغمرة مباشرة، وخط الصعيد شمال السبتية، وقد كان لهذا أثره على ضعف وبطء حركة النمو المركزي من باب الحديد صوب شبرا ومن غمرة إلى القبة والضواحي في الزيتون والمطرية. (3-3) أحياء شمال القاهرة
سبق أن ذكرنا أن بناء القصور كان له دور في مد الطرق والجسور خارج القاهرة في خلال القرن 19، وقد ساعد ذلك على أن تتخذ الطرق مجالا للنمو العمراني؛ فشارع شبرا أصبح العمود الفقري للذراع العمرانية الشمالية للقاهرة. ومع اتصال العمران شمال محطة باب الحديد تكون محور عمراني آخر مع شارع الترعة البولاقية ، ومحور جزيرة بدران الموازي لخط حديد الصعيد، وقد تلاحمت المباني على طول هذه المحاور؛ بحيث إنه يمكن القول: إن منطقة شبرا وروض الفرج والساحل وحدائق شبرا والترعة تكون في مجموعها ذراعا سميكة ضخمة تمتد قرابة 4,5كم بين باب الحديد وترعة الإسماعيلية، وتتصل عبر هذه الترعة بالإشعاع العمراني الصناعي والسكني في شبرا الخيمة التي تمتد قرابة ثلاثة كيلو مترات.
شكل 1-6:
عمران شبرا وروض الفرج في العشرينيات من القرن العشرين.
অজানা পৃষ্ঠা
وهناك الآن ذراع عمرانية جديدة تنمو وتمتد مع محور شارع بورسعيد شمال منطقة غمرة متجهة بدورها إلى ترعة الإسماعيلية، ولعل مصيرها مصير ذراع شبرا من حيث إمكان تلاحمها مع الذراع الشمالية الشرقية المتجهة إلى المطرية، ومع ذراع شبرا عبر منطقة مهمشا والشرابية والزاوية الحمراء ومنطقة السواح والأميرية، ويتكون بذلك استمرار عمراني حده الجنوبي خطوط السكة الحديد والمترو من باب الحديد إلى غمرة، وحده الشمالي ترعة الإسماعيلية، وحده الغربي النيل، وحده الشرقي القبة والزيتون. فإذا تم ذلك لم تعد هناك ذراع أو أذرع عمرانية مشعة من مركز المدينة؛ بل جزء آخر من المدينة يضاف إليها، ويمتد منه إشعاعات عمرانية إلى شبرا الخيمة ومسطرد. لكن في داخل هذا الاستمرار العمراني الشمالي ستظل خطوط السكة الحديد المتجهة شمالا أو شرقا عائقا وفاصلا ثقيلا بين القاهرة جنوبها وشمالها. ومن الممكن التغلب مبدئيا على هذا العائق بإنشاء أنفاق وجسور - كما هو الحال في نفق الشرابية وشبرا وكوبري شبرا العلوي - لكن هذه الأنفاق والجسور تؤدي إلى تكوين «عنق الزجاجة» في المواصلات؛ مما يؤدي إلى اختناق في النمو العمراني وتوقف أو نمو ضئيل. وأحسن الأمثلة على ذلك منطقة مهمشا والشرابية التي تقع في شكل بيضاوي يحيط به الخطوط الحديدية من كل اتجاه، وبرغم وجود نفق الشرابية وغمرة إلا أن النمو ظل شبه متوقف بالمقارنة بالنمو العمراني على طول محور طريق بورسعيد أو محاور شبرا، فضلا عن أن العمران في الشرابية ومهمشا غير صحي وفقير جدا؛ نتيجة لسكن عشوائي بموازاة الخطوط الحديدية، ولكن التحسين الحالي للمنطقة بعد استكمال كوبري 6 أكتوبر العلوي، ووجود منزل ومطلع له من شارع بورسعيد غالبا ما يؤدي إلى إعادة تخطيط المنطقة بصورة أحسن في الشرابية وبورسعيد والوايلي والزاوية الحمراء.
شكل 1-7:
عمران شبرا وروض الفرج في التسعينيات من القرن العشرين.
وربما كان الحل الأوفق نقل محطة حديد القاهرة من باب الحديد إلى شبرا الخيمة باسم محطة الشمال لخدمة الخطوط المتجهة إلى وسط الدلتا وشمالها والإسكندرية، ومحطة أخرى في مسطرد باسم محطة الشرق لخدمة النقل الحديدي إلى الشرقية ومدن القناة، ومحطة ثالثة في إمبابة أو الجيزة باسم محطة الجنوب، ويترك مجال الخطوط الحديدية القائمة لتسيير خطوط مترو سطحي ونفقي لمزيد من خدمة النقل في الكتلة السكانية الضخمة الشمالية والغربية من القاهرة. (3-4) أحياء الشمال الشرقي
أما الذراع الشمالية الشرقية فقد نشأت مع إنشاء خط حديد الضواحي الممتد من كوبري الليمون إلى عزبة النخل والمرج مارا بالدمرداش والقبة والزيتون والمطرية وعين شمس. وقد ظل العمران في هذه الذراع أقل سمكا من عمران شبرا حتى منتصف الخمسينيات؛ وذلك لأن السكن هنا، وبخاصة أحياء حدائق القبة
13
والزيتون وحلمية الزيتون والمطرية، أخذ شكل الضواحي المترفة؛ نمط الفيلات ومدن الحدائق بتأثير القصر الملكي في القبة وقصور بعض الأمراء في المطرية والمرج. وحول هذه الضواحي نشأت أحياء لسكن أفقر ولتقديم الخدمات، كدير الملاك جنوب القبة ومنشية الصدر شرق القبة والوايلي غرب القبة وولي العهد، والنعام وعين شمس شمال المطرية ومنطقة المطراوي غرب المطرية، بالإضافة إلى سكن عرب الحصن وعرب الطوايل قرب مسلة عين شمس، وقد تدهورت المنطقة بعوامل عدة منها: (1)
انتهاء الحكم الملكي الذي أفقد المنطقة البهاء الذي كانت تتمتع به من ناحية التنظيم العمراني وأشكال البناء. (2)
هجرة أبناء أكابر الناس وأغنيائهم إلى أحياء وأماكن أخرى أكثر تقديما للخدمات، في صورة فيلات أو شقق فاخرة، في مصر الجديدة والزمالك والدقي والعجوزة. (3)
تدهور سكن الفيلات بالتقسيم حسب شرع الإرث إلى شرائح صغيرة، ومن ثم التحول إلى نمط العمارات، وأغلبها اقتصادي وفقير؛ تلبية لاحتياج السكان الجدد الذين يحلون محل الأغنياء السابقين. (4)
অজানা পৃষ্ঠা
وأخيرا سقوط أهمية قطار الضواحي كوسيلة نقل بطيء، بالمقارنة بنمو متسارع لعصر السيارات التي مكنت الأغنياء من الانتقال إلى أماكن متباعدة. ولحسن الحظ لم يفكر أحد في إلغاء قطار الضواحي الذي ظل يعمل دون كلل في خدمة الأعداد المتزايدة من السكان في هذه الأحياء، إلى أن أوقف القطار، وحل محله خط المترو كوسيلة أسرع وبتقاطر زمني أسرع مرات عديدة من تقاطر القطارات.
وتلبية لاحتياجات النمو المساحي والسكاني كان لإنشاء الطرق الجديدة غربي قصر القبة والمطرية والسواح والمطراوي من ناحية، وتحسين شوارع جسر السويس وبورسعيد والوايلي الكبير من ناحية أخرى، أثر بالغ في النمو السكني؛ أولا: في المناطق البينية الفضاء، وخاصة بين الزيتون والحلمية ومصر الجديدة والنزهة والمطرية وأرض النعام وعين شمس وعزبة النخل، وثانيا: إمكان زحف العمران خارج هذه الضواحي - للأسف - على حساب الأرض الزراعية الشمالية بين عين شمس وعزبة النخل والمرج والحرفيين وبركة الحاج ومدينة السلام، ومن المطرية غربا في اتجاه الأميرية ومسطرد. وكلها سكن فقير زاد من فقره مساكن عشوائية كثيرة داخل هذا النطاق، مثل: عزبة «أبو حشيش، وعزبة القرود» التابعتين لقسم الزيتون.
وتمتد هذه الذراع القاهرية الشمالية الشرقية قرابة عشرة كيلومترات من غمرة إلى عين شمس، ونحو 18كم إلى مدينة السلام، وهو بذلك يفوق امتداد القاهرة الشمالي من باب الحديد إلى آخر شبرا الخيمة الذي يصل نحو عشرة كيلومترات.
ومن المحزن تحول منطقة مسلة عين شمس والأرض الأثرية حولها من آثار في مساحة كبير مكشوفة إلى مكان ضيق مسور بالأسلاك، وسط غابة من الأبنية والعمارات الفقيرة المفتقرة إلى أي حس جمالي، فلا غرو أن أي حس جمالي يتنافى مع الفقر بأنواعه، ولأن هذا الزحف السكني قد بني على أرض أثرية، هي أرض مدينة «أون» الفرعونية التي زارها حكماء الإغريق القدماء، مثل: أفلاطون وأرسطو، وقبلهم المؤرخ الكبير هيرودوت، وعرفوها باسم: «هليوبوليس» التي هي ترجمة حرفية للفرعونية بمعنى: «عين شمس» وأنها مدينة العلم، وبالتالي أقدم جامعة عرفها العالم استمرت في عطائها العلمي والكهنوتي ما يزيد على ثلاثة آلاف سنة، وأقرب صورة لها في أذهاننا هي جامع الأزهر الذي تحول منذ إنشائه إلى جامعة حفظت علوم الدين والمعارف ألف سنة حتى الآن. فكيف فرطنا في هذه الأرض الأثرية التي قد تزيدنا علما ب «أون» إذا ما استمرت الحفائر حولها؟! ماذا تفعل مصلحة الآثار في هذا الخضم العشوائي من المساكن الكثيفة؟!
مصر الجديدة
وتتصل هذه الذراع من الشرق بالمنطقة العمرانية التي كانت تسمى عند نشأتها عام 1905 «واحة عين شمس» أو مصر الجديدة حاليا. ولقد تضخمت مصر الجديدة في كل الاتجاهات، عدا الاتجاه الجنوبي؛ حيث المعسكرات القديمة التي تفصلها عن العباسية لمسافة تبلغ 3,5 كم.
وضاحية مصر الجديدة لم تنشأ كذراع عمرانية، وإنما نشأت كمدينة مخططة يصلها بالقاهرة خط ترام سريع - مترو - من شارع عماد الدين في قلب المدينة إلى ميدان الإسماعيلية، بالإضافة إلى وصلة قديمة لترام عادي من العباسية - الترام الأبيض - إلى ميدان الجامع. ونظرا لنشأة مصر الجديدة المستقلة، فإنها في الواقع مدينة جديدة نشأت خارج القاهرة، لكن عملية الاقتراب العمراني بينها وبين الذراع الشمالية الشرقية بواسطة خط ترام قديم - شارع القبة - قد جعلتها في صورتها العامة جزءا من إشعاع عمراني مرتبط بذراع القاهرة الشمالية الشرقية، وعملية الاقتراب العمراني بين مصر الجديدة والعباسية كانت وما زالت يقف دونها عائق بشري؛ هو: معسكرات الجيش القديمة، والمنتظر بعد إزالة هذا العائق أن يتصل العمران بينها وبين المدينة الكبرى اتصالا تاما. وقد بدأ فعلا هذا التفكك بتخصيص الجزء الجنوبي من هذه المعسكرات لبعض كليات جامعة عين شمس والمستشفى التخصصي، وإلى الشمال منها مبنى الكلية الفنية العسكرية، وأمامها مصلحة الأرصاد الجوية والمساحة العسكرية، وبذلك تحول شارع الخليفة المأمون من ميدان العباسية إلى بداية منشية البكري إلى طريق تحف به مراكز وأبنية تعليمية وعلمية وتطبيقية وبحثية باستثناء مبنى وزارة الدفاع.
وجود العائق بين عمران مصر الجديدة والعباسية، سواء كان في صورة معسكرات أو في صورة أبنية جامعية وتعليمية وحكومية، هو السبب الذي يجعلنا نشعر بأن مصر الجديدة مكانيا وسيكولوجيا هي الضاحية الوحيدة التي تكون مدينة في حد ذاتها لها كفاية ذاتية، بينما بقية الضواحي والأذرع في احتياج مستمر إلى خدمات مركز القاهرة.
مدينة نصر
تمتد مدينة نصر إلى الجنوب والجنوب الشرقي من طريقي الميرغني وصلاح سالم على التوالي لمسافات غير محدودة؛ بطبيعة خطة شوارعها الشبكية التي يمكن أن تمتد إلى أي مسافة يصل إليها العمران، ولكنها في الوقت الحاضر تمتد مسافة نحو 6كم من مدينة الألعاب الرياضية حتى نهايات مدافن المدينة في الجنوب، ونحو عشرة كيلومترات من الشرق إلى الغرب، ويمكن القول: إن الطريق الدائري الحالي يمثل الحد الشرقي الذي يمكن أن يحيط بمدينة نصر من الشرق، ويفصل بينها وبين التجمعات السكنية التي تتجمع الآن تحت مسمى القاهرة الجديدة، ويحتاج الأمر إلى تحديد أكثر دقة يفصل بينها وبين القاهرة الجديدة بعد اكتمال الأخيرة.
অজানা পৃষ্ঠা
شكل 1-8:
نمو العمران بين مصر الجديدة والزيتون ما بين 1930 و1995، (1) و(2) حدود عمران مصر الجديدة سنة 1930. (3) سراي القبة. (4) حديقة الميريلاند.
وقد أنشئت مدينة نصر في الستينيات كمنطقة عمارات مختلفة الأحجام، وإن كان معظمها لا يصل إلى أعلى من ثمانية طوابق، بواسطة القطاع العام باسم شركة مدينة نصر، وذلك على نحو مشابه لمشروعات الإسكان اليوجسلافية آنذاك، وما زالت هذه الأبنية قائمة في نواحي متعددة، وإن كان معظمها يتركز في المنطقة الأولى والثانية، وتركت بقية المناطق والأحياء لمبادرات القطاع الخاص والهيئات العامة؛ ولهذا نجد عمارات القطاع الخاص تصل إلى متوسط عشرة طوابق وأكثر، بينما أبنية الهيئات أقل من ذلك، وفضلا عن ذلك فإن الدولة خصصت أماكن متعددة لعدد من الوزارات والأجهزة المركزية؛ كوزارة المالية والجمارك والبترول والتخطيط والإحصاء والتنظيم والإدارة ... إلخ.
وإلى جانب ذلك اتخذت عدة شركات بترولية مقرها في مدينة نصر، وكذلك عدد كبير من النوادي التابعة للأسلحة العسكرية المختلفة، وأخيرا مدينة الألعاب الرياضية، واستاد القاهرة، ومركز المؤتمرات، وجامعة الأزهر في مقرها الجديد الذي يحتل مساحة ربما كانت أكبر المساحات التي تشغلها أي جامعة مصرية أخرى. (3-5) أحياء القاهرة الجنوبية
أما الذراع العمرانية المتجهة من القلعة جنوبا فهي قديمة ونموها محدود لعدة أسباب؛ منها: أن غالبيته يتكون من المقابر الكبرى للقاهرة منذ نشأة الفسطاط، وفيه كثير من الأضرحة لعلماء الدين، من أهمهم: الإمامان الشافعي والليثي، والسيدة نفيسة، والشيخ أبو السعود. وأخيرا فإن الذراع الجنوبية الغربية هي تلك الممتدة مع خط حديد حلوان من مصر القديمة، وهي أقل الأذرع العمرانية اتصالا؛ إذ إنه يتكون من عدة ضواحي سكنية منفصلة، منها: المعادي والمعصرة وطرة وحلوان. لكن مع كهربة الخط الحديدي، والضغط السكاني والنمو الصناعي فإن هناك اتجاه للعمران أن يتلاحم كما حدث عندما امتد عمران مصر القديمة والبساتين إلى دار السلام، وما هو في طريق الوقوع من امتداد بين دار السلام ومشارف حدائق المعادي، وبين المعادي وطرة.
وامتد العمران على شرائح زراعية جنوب المعصرة إلى حلوان والتبين، فتحولت الكثير من العزب، مثل: عزبة الوالدة وعزبة كامل صدقي وقرية حلوان البلد إلى أحياء عشوائية لسكن فقير. كما تدهورت حلوان الحمامات من ضاحية مخططة جيدا ومن أماكن استشفاء وترويح إلى سكن متوسط وفقير، وارتبط كل ذلك بالصناعات المتعددة التي أنشئت في جنوب القاهرة، وعلى رأسها: الحديد والصلب وفحم الكوك والسيارات والطائرات حول حلوان، والأسمنت شديد التلوث في طره، فضلا عن المحاجر الكثيرة المنتشرة شرقي أوتوستراد حلوان.
وربما كانت النقاط المضيئة في هذا الخضم هي مدينة 15 مايو المخططة لاستيعاب عدد كبير من العمالة الصناعية - في تعداد 1996 بلغ عدد السكان نحو 65 ألفا - وكذلك المساحة الكبيرة التي أعطيت لجامعة حلوان، ولا شك أن هناك مساعي من مختلف الوزارات والهيئات، وبخاصة وزارة البيئة، لتقليل التلوث الشديد الذي أشاع الكثير من أمراض الصدر والعيون في جنوب القاهرة. (3-6) أحياء غرب القاهرة الكبرى
ما سبق أن تناولناه من أحياء وأقسام كلها تقع شرق النيل داخل محافظة القاهرة، باستثناء شبرا الخيمة التي تقع في محافظة القليوبية. لكن القاهرة الكبرى تمتد عبر النيل إلى محافظة الجيزة التي تضم نواة مدينتين قديمتين هما: الجيزة وإمبابة.
وقد ظلت الجيزة مدينة صغيرة معظم تاريخ القاهرة، ولم يقدر لها النمو الهائل الذي تحقق الآن إلا في الفترة الحديثة بعد بناء قصر الجيزة وحدائق الأورمان والحيوان في عهد الخديو إسماعيل ، وكان ذلك بمثابة إيذان دفع العمران إلى النمو رويدا من مدينة الجيزة شمالا في اتجاه إمبابة، وغربا في اتجاه الهرم، وقد نمت الرقعة العمرانية الكبرى من الجيزة إلى إمبابة في خلال السنوات الثلاثين الماضية، وإن كانت مقدماتها عدة قصور متناثرة فيما بين الدقي والجيزة، وزادت عمليات النمو العمراني في المنطقة الوسطى بإنشاء جامعة فؤاد الأول - القاهرة حاليا - ومجموعة من الأبنية الحكومية، هي: مصلحة المساحة ومحافظة الجيزة، قبل انتقالها إلى شارع الهرم، ومعهد البحوث القومي، ومعهد بحوث البناء، ووزارة الزراعة والمتحف الزراعي ونادي الصيد، وكلها كانت تمثل مقومات للنمو حولها في الدقي التي بدأت بعمران راق من نمط الفيلات، ثم تحولت إلى مقار لعدد من المستشفيات والسفارات، وإن كان بعضها قد هجرها إلى أماكن أرحب على كورنيش المعادي والمهندسين وغيرهما.
وكان البناء الشاسع لمستشفى الجمعية الخيرية الإسلامية على واجهة النيل في عزبة العجوزة سببا في انهيار العزبة الزراعية، وتحول المنطقة إلى سكن راق من نمط العمائر الواسعة. وبالتدريج فقدت هذه النويات الصغيرة انفصالها، والتحمت مكانيا في كتلة عمرانية على واجهة النيل من العجوزة إلى الجيزة، وتعمقت كثيرا إلى الغرب، لكنها وقفت أمام عائق صعب المراس هو خط حديد الصعيد، وبالرغم من أن الضغوط قد أدت إلى اختراق هذا الخط في أماكن معينة بواسطة أنفاق وكبار علوية، فإنه ما زال يمثل عائقا قد يزول إذا ما اتخذت الجيزة محطة لبداية الطريق الحديدي إلى الصعيد، وربما نعود إلى التوصية باستخدام المسار الحديدي بين الجيزة وكوبري إمبابة مسارا لخط مترو سريع يتصل بمترو الجامعة والمترو المزمع إنشاؤه بين إمبابة ومطار القاهرة، مرورا بالدراسة والأزهر، ويكون بذلك خط اتصال سريع بين محطة حديد الجيزة ومحطة حديد الشمال المقترحة في شبرا الخيمة.
অজানা পৃষ্ঠা
وقد تم الالتحام بين العمران على كلتا ضفتي النيل، بعد إنشاء الجسور والكباري الحديثة (16 جسرا حاليا) وإن كان أقدمها جسر يربط بين مصر القديمة وجزيرة الروضة منذ العصر الروماني والقبطي، والذي أعاد إنشاءه الملك الصالح الأيوبي عندما ابتنى لمماليكه قلعة الروضة، ومن ثم سمي هؤلاء بالمماليك البحرية، وكان هناك جسر آخر عائم يصل الروضة بالجيزة، وكلاهما يعودان إلى القرن 13م.
14
ثم ظهرت الجسور الحديثة منذ عصر الخديو إسماعيل، وكان أولها كوبري قصر النيل عام 1872 ليربط القاهرة بقصر الجزيرة الذي أنشأه في مناسبة احتفالات افتتاح قناة السويس، لكنه لم يتم آنذاك. ثم جسر البحر الأعمى (الجلاء حاليا) عام 1872، وهما معا يكونان أول جسرين متكاملين يعبران مجري النيل الرئيسي والفرعي حول الجزيرة، ويمكنان من العبور الحديث من القاهرة إلى بر الجيزة، ويخترقهما الآن شارع التحرير من ميدان عابدين إلى الدقي وبولاق الدكرور، وبذلك ساعدا على تعمير منطقة الدقي مبكرا عن بقية العمران في الجانب الغربي من القاهرة الكبرى.
وتوالت بعد ذلك الجسور العابرة للنيل.
15
في أوائل القرن 20 وذلك حسب مقتضيات النمو العمراني في أحياء الجيزة. وفي عهد الخديوي عباس حلمي الثاني نشطت حركة بناء الجسور بين القاهرة والجيزة، فأنشئ كوبري إمبابة لسكة حديد الصعيد 1890، وأعيد بناؤه على شكله الحالي لسكة حديد مزدوجة وسيارات ومشاة في 1925، وكان عام 1908 خصبا أنشئت فيه أربعة جسور مكملة لبعضها: عباس (الجيزة حاليا) والملك الصالح لربط جنوب القاهرة لعمران الروضة والجيزة، فكان طريق اختراق إلى تعمير منطقة شارع الهرم، وأبو العلا - أزيل مؤخرا لأسباب غير مقنعة، وكان يمكن أن يظل تحفة معمارية للمشاة والنزهة - والزمالك الذي أدى إلى تعمير حي الزمالك، وبدايات تعمير منطقة إمبابة التي لم يكتمل نموها إلا بمخطط مدينة الأوقاف في الخمسينيات، والذي تحول الآن إلى ما يعرف بالمهندسين والصحفيين ... إلخ، وتعتمد أساسا على طريق 26 يوليو الذي امتد طرفه الغربي منذ عامين إلى طريق الإسكندرية الصحراوي، ويعرف باسم محور 26 يوليو. وفي أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات وما تلاها أنشأت حكومات النظام الجمهوري كوبري الجامعة فيما بين المنيل وجامعة القاهرة، وعددا آخر من الجسور الصغيرة بين المنيل من ناحية وجاردن سيتي والقصر العيني وفم الخليج من الناحية الأخرى، وإعادة بناء جسر الملك الصالح وجسر الجيزة (عباس سابقا)، وكذلك عبرت النيل جسور للكباري العلوية؛ أولها كوبري 6 أكتوبر إلى الدقي وجسر روض الفرج إلى شمال المهندسين، وأخيرا جسر المنيب جنوب الجيزة وجسر الوراق شمالي إمبابة المكملين للطريق الدائري حول القاهرة الكبرى.
إن النمو العمراني على ضفة النيل في الجيزة لم يكن ممكنا إلا ببناء الجسور، وكلما زادت أعداد الجسور زادت دفعة العمران على حساب الأرض الزراعية في الجيزة. وعلى وجه التقريب فقد تآكلت - أو بسبيلها إلى التآكل - غالب الزمامات الزراعية في كل قرى شمال وجنوب طريقي الهرم وفيصل، وكل القرى غرب بولاق الدكرور: المعتمدية وزنين وصفط اللبن وطهرمس ومنشأة البكاري إلى كرداسة، وسيكون ذلك مآل الزمامات في قرى عديدة، كبشتيل والكوم الأحمر حول الطريق الدائري غرب وراق العرب، وكالبراجيل على طول محور 26 يوليو.
الخلاصة: أن الزحف العمراني يتقدم في جبهة عريضة من النيل إلى حافة الهضبة الصحراوية الغربية، وقد وصل هذه الحافة عند نهاية طريقي الهرم وفيصل، وتعداها في نهاية فيصل وميدان الرماية إلى عمق الصحراء في اتجاه أطراف مدينة 6 أكتوبر على طول الطريق الصحراوي إلى الواحات والفيوم. هذا فضلا عن الزحف العمراني الواسع كعملية حالية بين حي الهرم والبدرشين والحوامدية، وقرى وعزب كثيرة جنوب مراكز الجيزة والعمرانية والهرم، وكلها يضمها تعداد 1996 إلى القاهرة الكبرى.
شكل 1-9:
نمو القاهرة في قرن (1910-1995).
অজানা পৃষ্ঠা
فهل سيأتي اليوم الذي يتشابه فيه عمران الجيزة مع عمران القاهرة داخل منظومة القاهرة الكبرى؟ لقد نما سكان محافظة القاهرة في الفترة بين تعدادي 1986-1996 بنسبة 11,2٪ بينما نمت أجزاء ومراكز الجيزة الداخلة في القاهرة الكبرى بنسبة 24,8٪ لنفس الفترة التعدادية - وذلك حسب التعداد الرسمي 1996 - وبعبارة أخرى: إن أقسام الجيزة تنمو بنسبة هي ضعف القاهرة على الأقل. فهل يعني ذلك أن محافظة القاهرة قد وصلت إلى حد التشبع بحيث تنمو - نظريا - بنسبة 1,1٪ سنويا، وأن الدور في تسارع النمو السكاني الآن هو في منطقة الجيزة؟ ومتى تصل الجيزة إلى حد التشبع؟ وهل تترك الأمور على ما هي عليه أم تتخذ قرارات متشددة بمنع تحويل الحقول الزراعية إلى حقول من غابات الطوب والإسمنت الفقير البشع كما نلاحظه الآن في أطراف القاهرة الكبرى الشمالية والغربية؟ ومتى؟ (3-7) دينامية النمو بين ابتلاع القرى والابتلاع المعاكس
هذا الشكل من النمو مألوف في معظم مدن العالم، وفي القاهرة حدث ابتلاع لعدد كبير من القرى والعزب، من أهمها: منية السيرج في شبرا، وقرى كثيرة في اتجاه الشمال منها: المطرية والقصيرين والأميرية، وكفر الجاموس في امتداد جسر السويس، ومن الأمثلة التي رأيناها رأي العين: ابتلاع عزبة العجوزة عندما أخذ النمو العمراني يتقدم من الدقي شمالا. ظلت العجوزة محتفظة بطابعها السكني القروي فترة وإن تحولت العمالة الزراعية إلى أعمال أخرى بعد التفاف العمران الحديث حولها، وترتب على ذلك ارتفاع قيمة أرض القرية؛ مما دعا أهل القرية إلى هدمها أو بيعها، وتحول الإسكان إلى عمائر فاخرة، والصورة تتكرر الآن في ميت عقبة في منطقة المهندسين ومعظم القرى غرب إمبابة وشمالها الغربي، وإن كان النمط حول إمبابة هو اتجاه السكن الفقير وليس الفاخر أو فوق المتوسط.
ولكن الملاحظ أن هناك دينامية أخرى معاكسة كأنها رد فعل للنمو العمراني الحديث الذي أدى إلى إذابة نمط القرية التي تقع تحت وطأته. فالقرى كبيرة الحجم أو التاريخية أو هما معا تتحول وظيفتها من الزراعة إلى أنشطة أخرى تؤدي بالمستفيدين الجدد من نفس القرية إلى تغيير نمط البيت الريفي إلى البناء بالطوب والأسمنت، وبذلك تتحجر مقاومة القرية للتحلل، ولكن لأن مساحات المباني الأصلية عادة صغيرة، أو صغرت بالميراث، فإن القرية بشكلها الجديد تصبح كثيفة البنيان وكثيفة السكان العاملين في مهن كثيفة العمالة بالقياس إلى الزراعة، وبالتالي تصبح جاذبة للسكن المتوسط والفقير، وحين يتم ذلك تتحول إلى الزحف حولها سواء كان ذلك في أرض زراعية ملاصقة أو إسكان غني من نمط الفيلات التي هجرها أهلها بواسطة تقسيم الإرث وغيره من الأسباب سالفة الذكر، وأصبحت بذلك مكونا أرضيا في سوق العرض والطلب على الأراضي، وقد حدث هذا أيضا أمام أعيننا في منطقة كالزيتون والمطرية حين زحف الإسكان الكثيف والفقير على مناطق الفيلات السابقة التي كانت طوال النصف الأول من القرن العشرين ضواح مترفة إلى متوسطة الإسكان.
وقد يحدث مثل ذاك في منطقة ميت عقبة حيث الصراع بين نمطي السكن الفقير وبين الغني والمتوسط ما يزال محتدما؛ لأن عمران المهندسين والصحفيين الحديث لم يتعد جيلين. وربما يساعد شق طريق رئيس في قلب ميت عقبة، هو محور 26 يوليو، على إضعاف مقاومتها للابتلاع، ولكن طوق النجاة لميت عقبة ومثيلاتها قد يتمثل في ضرورة احتياج الأحياء الغنية وفوق المتوسطة الدائم إلى وجود أحياء أقل مستوى تقوم بتقديم خدمات من أنواع عديدة، وبخاصة التجارة الصغيرة لمواد الغذاء. (3-8) النمو الطفيلي أو العشوائي
على عكس ظاهرة ابتلاع القرى المجاورة، يحدث أن تأتي جماعة مهاجرة أو أفراد من الفقراء و«تزرع» نفسها على أطراف المدينة الكبيرة مكونة - تجاوزا - «مساكن» فقيرة جدا. هذا هو النمو الطفيلي للمدن، ومساكن مثل هذه التجمعات تستخدم الصفيح أو ما يشبه ذلك من مواد مستهلكة سابقة الاستخدام كالأخشاب والكرتون والأقمشة، وما إلى ذلك مما يصنع فواصل وسقفا يمكن العيش تحته، وتسمى عادة: «العشش» أو «عزبة» أو «منشأة». أما الحكر فهو مناطق «متدنية السكن والموارد المالية» داخل المدينة مما يسمى
slum
التي ليس لها ترجمة عربية واضحة الآن.
وحين تلف المدينة حول هذا النمو الطفيلي بحيث يصبح داخل المدينة، فإن العشش تتحول بالميراث، ووضع اليد إلى أحياء متدنية مكدسة بالناس والفقر، مثال ذلك: عشش الشيخ علي جنوب بولاق، أو عشش زينهم بين طولون والسيدة، وقد أزيل معظم هذه العشش لارتفاع سعر أراضيها، وحلت محلها إما بنايات ووزارات على واجهة النيل، وإما بإقامة حي سكني شعبي؛ لتحسين الأوضاع السكنية والاجتماعية لسكان تلال زينهم.
ومن أمثلة هذه التجمعات السكنية: عزبة الصفيح شمال الشرابية، وعزبة الهجانة ومنشأة ناصر في شرق القاهرة، وعزبة «أبو حشيش» في الزيتون. والظاهرة المميزة في منطقة القاهرة ما كان في الماضي من وجود مضارب فقيرة للبدو الذين يعيشون على حافة الصحراء يرعون قطعانا من الماعز. وقد تحولت بعض هذه المضارب إلى عزب مبنية باللبن، ومن أهم أمثلتها: عرب الحصن وعرب الطوايل بالمطرية، وعزبة جبريل شرقي المعادي، وأكبرها الآن منشأة ناصر والدويقة على سفح وعر لحافة المقطم شرق القلعة، وعزبة الهجانة على طريق السويس شمال مدينة نصر، وحي المنيرة الغربي في غرب إمبابة، والكثير من السكن في قسم ثان لشبرا الخيمة، والكثير جدا من السكن في المنطقة الممتدة بين المعصرة وحلوان، وأخيرا معظم المنطقة الممتدة بين دار السلام والبساتين شمال المعادي. وسوف نعالج هذا الموضوع المهم والخطير بشيء من التفصيل فيما بعد. (3-9) المدن الجديدة
وفي هذا المجال لا يكون النمو المديني تلقائيا أو معتمدا على المبادأة الفردية، إنما يرتبط بعدة أمور؛ منها الإحساس بضرورة التخطيط من أجل: (1)
অজানা পৃষ্ঠা