بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد حمد الله الذي أعلى مقام أهل الأدب، واستخرج من بحار خواطرهم الخاطرة ما يقضي لهم بالعجب، وجمع بهم شتات الفوائد، وأمدهم بكلمات يقف عندها رائد العوائد، ونفى عن كامل فضلهم قول ليت ولكن، وحرك بما يبدونه من المطرب والمرقص كل ساكن، والصلاة والسلام على نبيه الفائض على أقواله صوب الصواب، وعلى آله وأصحابه الذين بأساليب آدابهم الحسنة تُسلب الألباب.
فهذه ثلاثون فصلًا، طالت فروعًا وطابت أصلًا، تشتمل على ألفاظ أرق من الشمول، ومعان بعيون عقائلها تفتن العقول، وأنشأتها بعد الإاقة من نشوة الصبا وسميتها حيث ملكت زمام اللطف نسيم الصبا وأودعتها
1 / 2
أبياتًا لغيري على وجه التضمين، محليًا جيد منثورها بالمنظوم من عقدها الثمين، منبهًا عليها بالحمرة، مظهرًا ما لها على مأمور قولي من الإمرة، والله يهدي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الفصل الأول: في السماء وزينتها
أيقظتني ليلة دواعي الهموم، فنظرت نظرة في النجوم فإذا السماء كأنها روضة مزهرة، أو صرح كنَّسُ جواريه مسفرة، أو غدير تطفو عليه الفواقع، أو بنفسج نور أقاحه لامع، أو مسح ألقي عليه دررُ غواص، أو ستر به لعين كل نجم وصواص، أو جمر في خلال رماد، أو كما قال من أجاد:
بساط زمرد نثرت عليه ... دنانير تخالطها دراهم
ونهر المجرة يجري في سندسها، ويسري ليسقي ذابل نرجسها، وياله من نهر صفا ماؤه، وعقد على الأفق لواؤه، ينقلب القلب إليه، ويقف طِرف الطرف عليه، ويقبل نحوه الدبران، وينصب على شطه الميزان، ويحوم حوله النسران، ويعوم فيه الحوت والسرطان
والثريا كأكرة أو كجام ... أو بنان أو طائر أو وشاح
1 / 3
أو باقة من نرجس، أو كأس يدار في المجلس، أو شمع يتوقد، أو شمس من عسجد، أو شذر منضود، أو كرم أو عنقود، أو عقد لؤلؤ حسن الاتساق، أو أقراط خَود ترتعد فرقًا من الفراق:
وسهيل كوجنة الحب في اللو ... ن وقلب المحب في الخفقان
أو كمصباح تلعب به أيدي الرياح، أوظامئ يريد أن يرد، أو فارس في حمي الحمى مجتهد، أو مُشوق يتبع الآثار، أو غريب لا يزور ولا يزار، أو غريق يدعي قوة السباحة، أو ماجد أنف من الذل فألف السباحة، أو مغاضب يدعى فلا يجيب، أو محب يغض الطرف ويفتحه خوف الرقيب، والجوزاء النيرة كالشجرة المنورة:
كأنها منطقة من ذهب ... قد عقدت على قباء أزرق
والفرقدان الهاديان المرشدان:
كأنهما إلفان قال كلاهما ... لشخص أخيه: قل فإني سامع
والذراع يذرع شقة الأفق، والجبهة تسجد على مفارق الطرق، والعيوق يعوق عن السير إذا سار، والعوا أعينها نشاوى قد تغشاها خمار، والسماك معتقل رمحه، والنثرة منتظمة كالسُبحة، والنعائم تحدوها النعامى، وزهرة الزهرة تضيء بين الخزامى،
1 / 4
وبهرام يُخجل البهرمان، والإكليل ليس يكل من مسايرة الأظعان، والمقدم لا يتأخر عن الإعناق والإيجاف، والصرفة قد همت مع العسكر بالانصراف:
تمر بواديًا ليلًا وتطوى ... نهارًا مثل ما طوي الإزار
فكم بصقالها صدي البرايا ... وما يصدى لها أبدًا غرار
فبينما أنا أسرح في درر الدراري نظري، وأروّض في رياضها جواد فكري. وأقدس من هي مسخرات بأمره، وأنزه من هدى خلقه بها في بره وبحره، إذ هب نسيم السحر يروي عن أهل نجد أطيب الخبر، فعطر الكون بعرفه، وملك الرق برقته ولطفه، وأهدى الروح إلى الأرواح، وأطرب السمع بأحاديثه الصحاح:
فهو حياة لكل حي ... كأن أنفاسه نفوس
فاستبشرت بوروده، وحصلت على الفائدة من وفوده، وسرّ بمناجاته سرّي، وقلت له والدموع تجري:
أعد ذكر من حل الغضا يا محدثي ... وإن أضرموه بالأضالع والصدر
ولا تنس سكان العقيق وإن هم ... على وجنتي أجرَوه في مدة الهجر
1 / 5
فلما أتمت الإنشاء، والانشاد وشرعت في طلب الإسعاف والإسعاد؛ تبسم الفجر ضاحكًا من شرقه، ونصب أعلامه على منازل أفقه، فانطوى نشر الليل، وكف من غمره الذيل، وارتفعت الحجب، وتأججت نار الشهب، واقتنص بازي الضوء غراب الظلام، وفضّ كافور النور عن الغسق مسك الختام:
وشردّ الصبح عنا الليل فاتضحت ... سطوره البيض في ألواحه السود
وفلت جيوش الدجا، وحرك النهار منه ما سجا، وجنح جنحه إلى الرحيل، وتلا لسان حال التحويل: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾
الفصل الثاني: في الشمس والقمر
بكرت يومًا بعد أداء الفرض، أتفكر في خلق السموات والأرض، فلمحت المشرق بالنظر، وإذا قرن الغزالة قد ظهر، كأنه جذوة نار، أو قطعة من دينار، أو كأس سُتر بعضه بالحباب، أو حسناء غطت وجهها بنقاب، ثم كشفت أستارها، وألقت على الأفق أنوارها، وبرزت كأنها كرة في ميدان، أو مجَنّ دولاب ضمخ بالزعفران، أو مرآة لم
1 / 6
تصقل ولم تطرق، أو وجه المليحة في خمار أزرق، أو سبيكة زجاج منتفخة الجوانب، أو بُودقة يحرك فيها ذهب ذائب.
وكأنها عند انبساط شعاعها ... تبر يذوب على فروع المشرق
فقلت أهلًا بالجارية، التي في طلعتها ما يغني عن الجارية، والعين التي تغار منها العين، والجونة التي وضح منها الجبين، والسراج الوهاج التي تبرجت بها الأبراج، أنت المخصوصة بالشرف والرفعة، أنت واسطة عقد الكواكب السبعة، أنت للحكمة برهان، وللفلك معيار وميزان، أنت الناطقة في صمتها، التي قصر البليغ عن وصفها ونعتها، أنت ملك مقدم، أنت النير الأعظم، أنت يوح التي تغدو في مصالح العالم وتروح، أنت ذكاء التي ذكت نارها، أنت الضحى التي علا منارها، أنت الشمس، التي بها تعرف الأوقات الخمس، بك ينشر الظل ويطوى، ويشتد النبات بعد ضعفه ويقوى، ويستدل على طريق الصواب، ويعلم عدد السنين والحساب، لما سفرت رافلة في الحلل المعصفرة، حيت آية الليل وجعلت آية النهار مبصرة، وناهيك بها منزلة، وحسبك أن صفاتك في الكتاب منزلة، ثم تمشت على بساطها وخطرت
1 / 7
في وشيها ورياطها، وسبحت في فلكها مرشدة إلى الحقائق، مظهرة أسرار الساعات والدرج والدقائق.
تسمو إلى كبد السماء كأنها ... تبغي هناك دفاع أمر معضل
واستمرت سائرة يحدوها مر النسيم ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
فلم يزل فكري يصاحبها، وطرفي يرعاها ويراقبها:
حتى إذا بلغت إلى حيث انتهت ... وقفت كوقفة سائلٍ عن منزل
ثم انثنت تبغي الخدورَ كأنها ... طيرٌ هفا لمخافة من أجدل
فلما حجبت عن العيون شخصها، وخطف المغرب من يد المشرق قرصها، واكتحلت جفون الأفق بالنار، وطرد زنجي الليل رومي النهار، بزغ الهلال، بأمر ذي الجلال، كأنه قوس
موتور، أو زورق منحدر في بحر الدَيجور، أو شطرُ سِوار، أو منجلٌ معدّ لحصاد الأعمار، أو
خنجر مرهفُ النصلَين، أو نونٌ مرسومة الشأفة: الأصل من لُجين، شفة كأس مائلة، أو مخلب
عقاب صائلة، أو قطعة من قيد، أو فخ نصب للصيد، أو حرف جيم، أو عرجون قديم، أو حاجب شيخ أدركه الشمط،
1 / 8
أو نعل من حافر أدهم الدجا سقط، أو ذباب سيف خرج من جفنه، أو راكع يعبد من لا يحدث أمر إلا بإذنه. وفي معناه من قصيدة
وترى الهلال يلوح في أفق السما ... يبدو كقوس بالمنى يرميني
أو شبه فخ أو كدملج غادة ... وكجانب المراّة العرجون
وجبين حب بالعمامة قد زها ... وكوجه خود بالنقاب مصون
وكتاب فيل أو قلامة أنمل ... وكزورق وكحاجب مقرون
أو كالسوار أزيل منه البعض أو ... قربوس سرج مذهب أو نون
وكشأفة الكأس المخبأ بعضه ... ضمن الشفاه ومنجل مسنون
هو منجل الأعمار للحصد الذي ... يُفني أولي التزيين والتحسين
وإذا مضى سبع تراه كأنه ... نصف لتعويذ بدا لعيون
وإذا تكامل صار جامًا صافيا ... كأنه من لؤلؤ مكنون
1 / 9
أو غادة قد أسفرت عن وجهها ... غنيت عن التحسين والتزيين
هذا هو المشهور في تشبيهه ... قدمًا وذلك جمعه يكفيني
فقلت: مرحبًا بمن ثياب مناوئه رثاث قر عينًا ستعود قمرًا بعد ثلاث. ثم تصير بدرًا، إن في ذلك لذكرى:
وإذا رأيت من الهلال نموه ... أيقنت أن سيكون بدرًا كاملًا
أنت الزمهرير الذي ليس له في نضارته نظير، أنت الزبرقان الذي له في كل شهر مهرجان. أيها القمر كم محب طاب له فيك السمر، أيها الواضح الباهر، ما أنت إلا مثل سائر، أيها البدر الكامل، الذي فضله للبرية شامل، لا تأس على ما فاتك من الدرج، ولا يكن في صدرك من الغزالة حرج:
فقد تخمد الشمس الصباح بضوئها ... تفاوتت الأنوار والكل رائق
منازلك معروفة، ومحاسنك موصوفة، وشرفك باذخ، وقدمك راسخ، وآياتك ظاهرة، وسفارتك سافرة، وكم أوضحت من طريق، وهديت الرفيق إلى الفريق، وذكرت محبوبًا
1 / 10
لمحبوبه، وبلغت طالبًا غاية مطلوبه، أحسن بضوء ذبالتك وحسبي مثالًا بهالتك، جعلك الباري في السموات نورا، وكان أمر الله قدرا مقدورا. فسبحان من جلا بمحياك حندس الغسق، وأقسم بك في قوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾، قدرك أثيث أثيل، ومحبك نبيه نبيل، ووجهك يابثينة الحسن جميل:
على رسل فما لك من مجار ... إلى رتب العلاء ولا رسيل
فتبارك أسم من ألبسكما أحسن الحبر، وتعالى جد من جعلكما مصباحين لأهل النظر، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر.
ثم لم يبرح يسري وأنا لا أبرح، وينجلي وأنا أشاهد وجهه الأصبح، إلى أن غاب واختفى، وحسبنا الله وكفى.
الفصل الثالث: في السحاب والمطر
إن الله تعالى حكم دائم النفوذ، وحكيم يهدي شفاء النجاة لمن به يلوذ. وله أسرار معناها دقيق، لا يفهمه إلا أرباب التحقيق. أمسك الغيث عن عباده في عام، فخاض كل منهم في بحر دمعه وعام. وساءت الظنون بضن السحاب، واشتاق النبات إلى سماع وقع الرباب. وظمئت الحياض، وعبست وجوه الرياض. واستدت العيون بالنقع المثار، وتعطلت
1 / 11