নাসিহা
النصيحة الولدية/ وصية أبي الوليد الباجي لولديه
সম্পাদক
إبراهيم باجس عبد المجيد
প্রকাশক
دار الوطن
সংস্করণ
الأولى
প্রকাশনার বছর
١٤١٧هـ
প্রকাশনার স্থান
الرياض
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
صلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله
قَالَ الشَّيْخ الْفَقِيه الإِمَام الْحَافِظ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ ﵁ ورحمه
الْمُقدمَة
يَا بني هداكما الله وأرشدكما ووفقكما وعصمكما وتفضل عَلَيْكُمَا بِخَير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ووقاكما محذورهما برحمته إنَّكُمَا لما بلغتما الْحَد الَّذِي قرب فِيهِ تعين الْفُرُوض عَلَيْكُمَا وَتوجه التَّكْلِيف إلَيْكُمَا وتحققت أنكما قد بلغتما حد من يفهم الْوَعْظ ويتبين الرشد وَيصْلح للتعليم وَالْعلم لزمني أَن أقدم إلَيْكُمَا وصيتي وَأظْهر إلَيْكُمَا نصيحتي مَخَافَة أَن تخترمني منية وَلم أبلغ مُبَاشرَة تعليمكما وتدريبكما وإرشادكما وتفهيمكما فَإِن أنسأ الله تَعَالَى فِي الْأَجَل فسيكثر النصح والتعليم والإرشاد والتفهيم وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَعَلِيهِ فَليَتَوَكَّل المتوكلون بِيَدِهِ قُلُوبكُمَا ونواصيكما وَإِن حَال بيني وَبَين ذَلِك مَا أتوقعه وَأَظنهُ من اقتراب الْأَجَل وَانْقِطَاع الأمل فَفِيمَا أرسمه من وصيتي وأبينه من نصيحتي مَا إِن عملتما بِهِ ثبتما على منهاج السّلف الصَّالح وفزتما بالمتجر الرابح ونلتما خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وأستودع الله دينكما ودنياكما وأستحفظه معاشكما ومعادكما وأفوض إِلَيْهِ جَمِيع أحوالكما وَهُوَ حسبي فيكما وَنعم الْوَكِيل
لَا أحد أنصح للْوَلَد من وَالِده
واعلما أَن لَا أحد أنصح مني لَكمَا وَلَا أشْفق مني عَلَيْكُمَا
1 / 9
وَأَنه لَيْسَ فِي الأَرْض من تطيب نَفسِي أَن يفضل عَليّ غيركما وَلَا أرفع حَالا فِي أَمر الدّين وَالدُّنْيَا سواكما
وجوب طَاعَة نصح الْأَب
وَأَقل مَا يُوجب ذَلِك عَلَيْكُمَا أَن تصيخا إِلَى قولي وتتعظا بوعظي وتتفهما إرشادي ونصحي وتتيقنا أَنِّي لم أنهكما عَن خير وَلَا أمرتكما بشر وتسلكا السَّبِيل الَّتِي نهجتها وتمتثلا الْحَال الَّتِي مثلتها
صَلَاح أهل بَيت الْمُؤلف
واعلما أننا أهل بَيت لم يخل بِفضل الله مَا انْتهى إِلَيْنَا مِنْهُ من صَلَاح وَتَدين وعفاف وتصاون فَكَانَ بَنو أَيُّوب بن وَارِث عَفا الله عَنَّا وعنهم أَجْمَعِينَ جدنا سعد ثمَّ كَانَ بَنو سعد سُلَيْمَان وَخلف وَعبد الرَّحْمَن وَأحمد
وَكَانَ أوفر الصّلاح والتدين والتورع والتعبد فِي جدكم خلف كَانَ مَعَ جاهه وحاله واتساع دُنْيَاهُ منقبضا عَنْهَا متقللا مِنْهَا ثمَّ أقبل على الْعِبَادَة وَالِاعْتِكَاف إِلَى أَن توفّي ﵀
إخْوَة الْمُؤلف
ثمَّ كَانَ بَنو خلف عماكما عَليّ وَعمر وأبوكما سُلَيْمَان وعماكما مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم فَلم يكن فِي أعمامكما إِلَّا مَشْهُور بِالْحَجِّ وَالْجهَاد وَالصَّلَاح والعفاف حَتَّى توفّي مِنْهُم على ذَلِك عَفا الله عَنَّا وعنهم
وكأنني لَاحق بهم ووارد عَلَيْهِم وَيصير الْأَمر إلَيْكُمَا فَلَا تأخذا غير سبيلهم وَلَا ترضيا غير أَحْوَالهم فَإِن استطعتما الزِّيَادَة فلأنفسكما تمهدان وَلها تبنيان وَإِلَّا فَلَا تقصرا عَن حَالهم
1 / 10
أول الْوَصَايَا الْإِيمَان بِاللَّه
وَأول مَا أوصيكما بِهِ مَا أوصى بِهِ إِبْرَاهِيم بنيه وَيَعْقُوب ﴿يَا بني إِن الله اصْطفى لكم الدّين فَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ الْبَقَرَة ١٣٢ وأنهاكما عَمَّا نهى عَنهُ لُقْمَان ابْنه وَهُوَ يعظه ﴿يَا بني لَا تشرك بِاللَّه إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾ لُقْمَان ١٣ وأؤكد عَلَيْكُمَا فِي ذَلِك وصيتي وأكررها حرصا على تعلقكما وتمسككما بِهَذَا الدّين الَّذِي تفضل الله تَعَالَى علينا بِهِ فَلَا يستزلكما عَنهُ شَيْء من أُمُور الدُّنْيَا وابذلا دونه أرواحكما فَكيف بدنياكما فَإِنَّهُ لَا ينفع خير بعده الخلود فِي النَّار وَلَا يضر ضير بعده الخلود فِي الْجنَّة ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾ آل عمرَان ٨٥
رَجَاء الْجنَّة لمن آمن بِهَذَا الدّين
فَإِن متما على هَذَا الدّين الَّذِي اصطفاه الله وَاخْتَارَهُ وَحرم مَا سواهُ فأرجو أَن نَلْتَقِي حَيْثُ لَا نَخَاف فرقة وَلَا نتوقع إِزَالَة وَيعلم الله تَعَالَى شوقي إِلَى ذَلِك وحرصي عَلَيْهِ كَمَا يعلم إشفاقي من أَن تزل بأحدكما قدم أَو تعدل بِهِ فتْنَة فَيحل عَلَيْهِ من سخط الله تَعَالَى مَا يحله دَار الْبَوَار وَيُوجب لَهُ الخلود فِي النَّار فَلَا يلتقي مَعَ الْمُؤمنِينَ من سلفه وَلَا يَنْفَعهُ الصالحون من آبَائِهِ يَوْم لَا يُغني ﴿وَالِد عَن وَلَده وَلَا مَوْلُود هُوَ جَازَ عَن وَالِده شَيْئا إِن وعد الله حق فَلَا تغرنكم الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور﴾
1 / 11
أَقسَام الْوَصِيَّة
وتنقسم وصيتي لَكمَا قسمَيْنِ
فقسم فِيمَا يلْزم من أَمر الشَّرِيعَة أبين لَكمَا مِنْهُ مَا يجب مَعْرفَته وَيكون فِيهِ تَنْبِيه على مَا بعده
وَقسم فِيمَا يجب أَن تَكُونَا عَلَيْهِ فِي أَمر دنياكما وتجريان عَلَيْهِ بَيْنكُمَا
1 / 12
الْقسم الأول
التَّصْدِيق بأركان الْإِيمَان
فَأَما الْقسم الأول فالإيمان بِاللَّه ﷿ وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله والتصديق بشرائعه فَإِنَّهُ لَا ينفع مَعَ الْإِخْلَال بِشَيْء من ذَلِك عمل والتمسك بِكِتَاب الله تَعَالَى جده
حفظ الْقُرْآن وَالْعَمَل بِهِ
والمثابرة على تحفظه وتلاوته والمواظبة على التفكر فِي مَعَانِيه وآياته والامتثال لأوامره والانتهاء عَن نواهيه وزواجره
التَّمَسُّك بِالْكتاب وَالسّنة
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ تركت فِيكُم مَا إِن تمسكتم بِهِ لن تضلوا بعدِي كتاب الله تَعَالَى وسنتي عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ
طَاعَة الرَّسُول ومحبته
وَقد نصح لنا النَّبِي ﷺ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما وَعَلَيْهِم مشفقا وَلَهُم ناصحا فاعملا بوصيته واقبلا من نصحه وأثبتا فِي أنفسكما الْمحبَّة لَهُ وَالرِّضَا بِمَا جَاءَ بِهِ والاقتداء بسنته والانقياد لَهُ وَالطَّاعَة لحكمه والحرص على معرفَة سنته وسلوك سَبيله فَإِن محبته تقود إِلَى الْخَيْر وتنجي من الهلكة وَالشَّر
1 / 13
محبَّة الصَّحَابَة
وأشربا قُلُوبكُمَا محبَّة أَصْحَابه أَجْمَعِينَ وتفضيل الْأَئِمَّة مِنْهُم الطاهرين أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ﵃ ونفعنا بمحبتهم وألزما أنفسكما حسن التَّأْوِيل لما شجر بَينهم واعتقاد الْجَمِيل فِيمَا نقل عَنْهُم فقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا تسبوا أَصْحَابِي فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدكُم وَلَا نصيفه فَمن لَا يبلغ نصيف مده مثل أحد ذَهَبا فَكيف يوازن فَضله أَو يدْرك شأوه وَلَيْسَ مِنْهُم ﵃ إِلَّا من أنْفق الْكثير
توقير الْعلمَاء والاقتداء بهم
ثمَّ تَفْضِيل التَّابِعين وَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء ﵏ والتعظيم لحقهم والاقتداء بهم وَالْأَخْذ بهديهم والاقتفاء لآثارهم والتحفظ لأقوالهم واعتقاد إصابتهم
إقَام الصَّلَاة
وإقام الصَّلَاة فَإِنَّهَا عَمُود الدّين وعماد الشَّرِيعَة وآكد فَرَائض الْملَّة فِي مُرَاعَاة طَهَارَتهَا ومراقبة أَوْقَاتهَا وإتمام قرَاءَتهَا وإكمال ركوعها وسجودها واستدامة الْخُشُوع فِيهَا والإقبال عَلَيْهَا وَغير ذَلِك من أَحْكَامهَا وآدابها فِي الْجَمَاعَات والمساجد فَإِن ذَلِك شعار الْمُؤمنِينَ وَسنَن الصَّالِحين وسبيل الْمُتَّقِينَ
أَدَاء الزَّكَاة
ثمَّ أَدَاء زَكَاة المَال لَا تُؤخر عَن وَقتهَا وَلَا يبخل بكثيرها
1 / 14
وَلَا يغْفل عَن يسيرها ولتخرج من أطيب جنس وبأوفى وزن فَإِن الله تَعَالَى أكْرم الكرماء وأحق من اختير لَهُ ولتعط بِطيب نفس وتيقن أَنَّهَا بركَة فِي المَال وتطهير لَهُ وتدفع إِلَى مستقحها دون مُحَابَاة وَلَا مُتَابعَة هوى وَلَا هوادة
صَوْم رَمَضَان
ثمَّ صِيَام رَمَضَان فَإِنَّهُ عبَادَة السِّرّ وَطَاعَة الرب وَيجب أَن يُزَاد فِيهِ من حفظ اللِّسَان وَالِاجْتِهَاد فِي صَالح الْعَمَل والتحفظ من الْخَطَأ والزلل ويراعى فِي ذَلِك لياليه وأيامه وَيتبع صِيَامه قِيَامه وَقد سنّ فِيهِ الِاعْتِكَاف
حج الْبَيْت وَالْعمْرَة
ثمَّ الْحَج إِلَى بَيت الله الْحَرَام من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا فَهُوَ فرض وَاجِب وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الْحَج المبرور لَيْسَ لَهُ جَزَاء عِنْد الله إِلَّا الْجنَّة
الْجِهَاد فِي سَبِيل الله
ثمَّ الْجِهَاد فِي سَبِيل الله إِن كَانَت بكما قدرَة عَلَيْهِ أَو عون من يَسْتَطِيع إِن ضعفتما عَنهُ
فَهَذِهِ عمد فَرَائض الْإِسْلَام وأركان الْإِيمَان حَافِظًا عَلَيْهَا وسابقا إِلَيْهَا تحوزا الْخَيْر الْعَظِيم وتفوزا بِالْأَجْرِ الجسيم وَلَا تضيعا حُقُوق الله فِيهَا وأوامره بهَا فتهلكا مَعَ الخاسرين وتندما مَعَ المفرطين
طلب الْعلم
واعلما أنكما إِنَّمَا تصلان إِلَى أَدَاء هَذِه الْفَرَائِض والإتيان بِمَا
1 / 15
يلزمكما مِنْهَا مَعَ توفيق الله لَكمَا بِالْعلمِ الَّذِي هُوَ أصل الْخَيْر وَبِه يتَوَصَّل إِلَى الْبر فعليكما بِطَلَبِهِ فَإِنَّهُ غنى لطالبه وَعز لحامله وَهُوَ مَعَ هَذَا السَّبَب الْأَعْظَم إِلَى الْآخِرَة بِهِ تجتنب الشُّبُهَات وَتَصِح القربات فكم من عَامل يبعده عمله من ربه وَيكْتب مَا يتَقرَّب بِهِ من أكبر ذَنبه قَالَ الله تَعَالَى قل هَل ننبئكم بالأخسرين أعملا الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الحيوة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا الْكَهْف ١٠٣ ١٠٤ وَقَالَ تَعَالَى قل هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ إِنَّمَا يتَذَكَّر أولُوا الألبب الزمر ٩ وَقَالَ تعال إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده العلمؤا فاطر ٢٨ وَقَالَ تَعَالَى يرفع الله الَّذين ءامنوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم درجت المجادلة ١١
فَضَائِل الْعلم
وَالْعلم سَبِيل لَا يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَّا إِلَى السَّعَادَة وَلَا يقصر بِهِ عَن دَرَجَة الرّفْعَة والكرامة قَلِيله ينفع وَكَثِيره يعلي وَيرْفَع كنز يزكو على كل حَال وَيكثر مَعَ الْإِنْفَاق وَلَا يغصبه غَاصِب وَلَا يخَاف عَلَيْهِ سَارِق وَلَا محَارب
فاجتهدا فِي طلبه واستعذبا التَّعَب فِي حفظه والسهر فِي درسه وَالنّصب الطَّوِيل فِي جمعه وواظبا على تَقْيِيده وَرِوَايَته ثمَّ انتقلا إِلَى فهمه ودرايته
رفْعَة أهل الْعلم
وانظرا أَي حَالَة من أَحْوَال طَبَقَات النَّاس تختاران ومنزلة أَي صنف مِنْهُم تؤثران هَل تريان أحدا أرفع حَالا من الْعلمَاء وَأفضل منزلَة من الْفُقَهَاء يحْتَاج إِلَيْهِم الرئيس والمرؤوس ويقتدي بهم الوضيع والنفيس يرجع إِلَى أَقْوَالهم فِي أُمُور الدُّنْيَا وأحكامها
1 / 16
وَصِحَّة عقودها وبياعاتها وَغير ذَلِك من تصرفاتها وإليهم يلجأ فِي أُمُور الدّين وَمَا يلْزم من صَلَاة وَزَكَاة وَصِيَام وحلال وَحرَام ثمَّ مَعَ ذَلِك السَّلامَة من التَّبعَات والحظوة عِنْد جَمِيع الطَّبَقَات
وَالْعلم ولَايَة لَا يعْزل عَنْهَا صَاحبهَا وَلَا يعرى من جمَالهَا لَابسهَا وكل ذِي ولَايَة وَإِن جلت وَحُرْمَة وَإِن عظمت إِذا خرج عَن ولَايَته أَو زَالَ عَن بلدته أصبح من جاهه عَارِيا وَمن حَاله عاطلا غير صَاحب الْعلم فَإِن جاهه يَصْحَبهُ حَيْثُ سَار ويتقدمه إِلَى جَمِيع الْآفَاق والأقطار وَيبقى بعده فِي سَائِر الْأَعْصَار
أفضل الْعُلُوم علم الشَّرِيعَة
وَأفضل الْعُلُوم علم الشَّرِيعَة وَأفضل ذَلِك لمن وفْق أَن يجود قِرَاءَة الْقُرْآن ويحفظ حَدِيث النَّبِي ﷺ وَيعرف صَحِيحه من سقيمه ثمَّ يقْرَأ أصُول الْفِقْه فيتفقه فِي الْكتاب وَالسّنة ثمَّ يقْرَأ كَلَام الْفُقَهَاء وَمَا نقل من الْمسَائِل عَن الْعلمَاء ويدرب فِي طرق النّظر وَتَصْحِيح الْأَدِلَّة والحجج فَهَذِهِ الْغَايَة القصوى والدرجة الْعليا
التفقه فِي الدّين
وَمن قصر عَن ذَلِك فليقرأ بعد تحفظ الْقُرْآن وَرِوَايَة الحَدِيث الْمسَائِل على مَذْهَب مَالك ﵀ فَهِيَ إِذا انْفَرَدت أَنْفَع من سَائِر مَا يقْرَأ مُفردا فِي بَاب التفقه وَإِنَّمَا خصصنا مَذْهَب مَالك ﵀ لِأَنَّهُ إِمَام فِي الحَدِيث وَإِمَام فِي الرَّأْي وَلَيْسَ لأحد من الْعلمَاء مِمَّن انبسط مذْهبه وَكَثُرت فِي الْمسَائِل أجوبته دَرَجَة الْإِمَامَة فِي الْمَعْنيين وَإِنَّمَا يُشَارِكهُ فِي كَثْرَة الْمسَائِل وفروعها وَالْكَلَام على مَعَانِيهَا وأصولها أَبُو حنيفَة
1 / 17
وَالشَّافِعِيّ وَلَيْسَ لأَحَدهمَا إِمَامَة فِي الحَدِيث وَلَا دَرَجَة متوسطة
النَّهْي عَن قِرَاءَة كتب الْمنطق والفلسفة
وإياكما وَقِرَاءَة شَيْء من الْمنطق وَكَلَام الفلاسفة فَإِن ذَلِك مَبْنِيّ على الْكفْر والإلحاد والبعد عَن الشَّرِيعَة والإبعاد
قِرَاءَة كتب الْمنطق تكون بعد التَّمَكُّن فِي الدّين
وأحذركما من قرَاءَتهَا مَا لم تقرآ من كَلَام الْعلمَاء مَا تقويان بِهِ على فهم فَسَاده وَضعف شبهه وَقلة تَحْقِيقه مَخَافَة أَن يسْبق إِلَى قلب أَحَدكُمَا مَا لَا يكون عِنْده من الْعلم مَا يقوى بِهِ على رده وَلذَلِك أنكر جمَاعَة الْعلمَاء الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين قِرَاءَة كَلَامهم لمن لم يكن من أهل الْمنزلَة والمعرفة بِهِ خوفًا عَلَيْهِم مِمَّا خوفتكما مِنْهُ
وَلَو كنت أعلم أنكما تبلغان منزلَة الميز والمعرفة وَالْقُوَّة على النّظر والمقدرة لحضضتكما على قِرَاءَته وأمرتكما بمطالعته لتحققا ضعفه وَضعف المعتقد لَهُ وركاكة المغتر بِهِ وَأَنه من أقبح المخاريق والتمويهات ووجوه الْحِيَل والخزعبلات الَّتِي يغتر بهَا من لَا يعرفهَا ويستعظمها من لَا يميزها
1 / 18