وعلى حين أن لدينا الصيغة النحوية للأمر بالنسبة إلى التوجيهات التي تتجه إلى الأشخاص الآخرين، فلا توجد صيغة لغوية مماثلة للتوجيه الذي يتجه إلينا نحن. ولهذا السبب فإنا نعبر عن هذه التوجيهات في صورة جملة إخبارية تتحدث عن البناء الذي يتميز به التوجيه، كما في الجملة «سأذهب إلى المسرح». وفي بعض الأحيان نخاطب أنفسنا كما لو كنا نتحدث مع شخص مختلف، فنستخدم صيغة الأمر، كأن نقول لأنفسنا «يا صاحبي، يجب أن تكتب الخطاب.» وبهذه الطريقة التي تبدو ازدواجية نتمكن من أن ننقل إلى أنفسنا التنبيه الذي ينطبق على الجانب المتلقي للأمر، وأن نتحدث عن أفعال إرادية ثانوية نثيرها في أنفسنا عن طريق أمر نوجهه إلى أنفسنا.
هذه الاعتبارات كفيلة بأن نوضح الفارق بين الجمل المعرفية وبين التوجيهات. فإذا ما قيلت لي جملة معرفية، أو عبارة تقريرية، ووافقت عليها، فإني أجيب «بنعم»، وأعني بذلك أنى أعد هذه العبارة صحيحة. مثال ذلك أنك إذا قلت لي إن المسافة من هنا إلى لندن طويلة، أجبت «نعم»، وأعني بذلك أن من الصحيح أن المسافة إلى لندن طويلة، أما إذا قلت أن البخل رذيلة، فإني أعبر عن موافقتي بقولي «هذا صحيح (صواب)». فما تقصده في هذه الحالة هو توجيه، وبالتالي تعبير عن إرادتك، أعني أنك تقول: وددت لو لم يكن هناك بخل. كما أن إجابتي هي أمر مناظر، وهي تعني أنني بدوري أود لو لم يكن هناك بخل؛ فالرد الإيجابي عني التوجيه ليس تأكيدا من النوع المعرفي، وإنما هو يتألف من فعمل إرادي ثان، يعبر عنه تصريح يوضح أن المستمع يشارك التحدث رغبته.
أن الإيضاحات التي قدمناها حتى الآن تتعلق بجميع أنواع التوجيهات فلندرس الآن التوجيهات التي تسمى توجيهات أخلاقية، أو أوامر أخلاقية.
من الصفات المميزة للتوجيه الأخلاقي إننا نعده أمرا، ونشعر بأننا في الجانب المتلقي لهذا الأمر. وهكذا ننظر إلى فعلنا الإرادي على أنه فعمل ثانوي، أي استجابة لأمر تصدره إلينا سلطة أعلى. أما ما هي هذه السلطة الأعلى، فهذا ما لا نعرفه دائما بوضوح؛ فالبعض يرى أنها الله، والبعض الآخر يرى أنها الضمير، أو جني خاص، أو القانون الأخلاقي في داخلهم. ولكن من الواضح أن هذه تفسيرات بلغة مجازية، ولو تحدثنا عن الأمر الأخلاقي من وجهة النظر النفسية لوجدناه يتميز بأنه فعل إرادي يقترن بشعور الالتزام، وهو شعور نعده منطبقا علينا وعلى الأشخاص الآخرين أيضا. وهكذا نشعر بأن علينا، وكذلك على كل شخص، التزاما بمساعدة المحتاجين حيثما يكون ذلك ممكنا. أما الأهداف الإرادية المغايرة للأهداف الأخلاقية، فلا يصحبها هذا الشعور بالالتزام. فإذا أراد شخص أن يصبح مهندسا، فإنه لا يشعر عادة بأنه ملزم باتخاذ قرار يتجه إلى تحقيق هذا الهدف، ولا يرغب في أن يكون للجميع هدف مماثل لهدفه. فالشعور بالالتزام العام هو ما يميز الأوامر الأخلاقية عن غيرها.
فكيف إذن نفسر هذه الحقيقة، وأعني بها أن الأفعال الإرادية الأخلاقية تبدو لنا أفعالا إرادية ثانوية، أي تعبيرا عن الالتزام؟ في اعتقادي أن التفسير هو أن هذه الأفعال الإرادية تفرضها علينا الجماعة الاجتماعية التي ننتمي إليها، أي أنها في الأصل تعبير عن إرادة جماعية، هذا الأصل هو الذي يعلل مكانتها التي تعلو على الأشخاص، وذلك الشعور بالخضوع، الذي نتخذ به القرار الأخلاقي. ومثل هذا الأصل مفهوم من الوجهة النفسية؛ فالقواعد التي تنهى عن السرقة وعن القتل، وما إلى ذلك، هي قواعد كان تنفيذها يعد ضروريا لحفظ الجماعة. وبانقضاء الأجيال اعتاد الأفراد هذه القواعد، كما أن نظام تربيتنا يخضعنا لعملية تعود من نفس النوع، فلا عجب إذن أننا نشعر بأنفسنا في الجانب المتلقي للأوامر الأخلاقية، فنحن نقع في هذا الجانب بالفعل. وعلى ذلك، فإذا كنا نعتقد أن الشعور بالواجب مميز للغايات الأخلاقية، فإن هذا الاعتقاد يعكس حقيقة واقعة هي أن الغايات الأخلاقية تغرس فينا بالقوة، سواء أكان ذلك عن طريق سلطة الأب أو المعلم أو ضغط الجماعة التي نعيش فيها.
فإذا كان أصل الأخلاق اجتماعيا، فكيف أمكن أن توجد أخلاق مضادة للنزعة الاجتماعية؟
إن الأخلاق التي نعدها مضادة للنزعة الاجتماعية يمكن أن تظل مع ذلك أخلاقا جماعية. فنحن نجد للمجرمين أخلاقا خاصة بجماعتهم؛ إذ إنهم في داخل هذه الجماعة لا يسرقون ولا يقتلون، بل يضعون جماعتهم هذه في مقابل الجماعة الأكبر التي نسميها بالمجتمع المهذب، ويتجاهلون جميع الالتزامات الأخلاقية بالنسبة إلى هذه الجماعة الأكبر، وتلاميذ الفصل الواحد في المدرسة الثانوية قد ينظرون إلى فصلهم على أنه جماعة مضادة للمعلم، ويجدون أن من حقهم أخلاقيا أن يخدعوا المعلم ويضايقوه. وعلى العكس من ذلك نجد أن هناك معلمين يكن لهم تلاميذهم احتراما شديدا، ونادرا ما يخدعونهم. مثل هذا المعلم يكون قد نجح في جعل التلاميذ يدخلونه في جماعتهم. وللطبقة العاملة أخلاق خاصة بها، وكذلك الحال بالنسبة إلى طبقة كبار الرأسماليين، أو الطبقة الأرستقراطية في البلدان التي لم تتخلص بعد من بقايا الإقطاع. بل إن الأخلاق النازية ذاتها كانت أخلاقا جماعية، وضعت بحيث تفي بحاجات «الجنس السيد» المزعوم. أما الأخلاق ذات الصبغة الفردية التامة عند نيتشه، وهي أخلاق الإنسان الأرقى، أو أخلاق الأمير عند ماكيافيلي، فهي حالة متطرفة تصبح فيها جميع الحقوق الأخلاقية قاصرة على شخص واحد. على أن أمثال هذه المذاهب الأخلاقية لم تر النور أبدا إلا على الورق. وهي تمثل مزيجا غريبا تنقل فيه السلطة المستمدة نفسيا من الإرادة الجماعية إلى شخص واحد، يعد هو الفرد الوحيد الذي ينبغي أن تحترم إرادته.
1
أما الأخلاق السائدة في حياتنا الاجتماعية والسياسية فهي خليط يجمع بين الأخلاق الجماعية لمستويات متباينة. فقد نشأت الأمم باندماج دول وجماعات اجتماعية، وأخذت بالقواعد الأخلاقية التي كانت سائدة في عهود أقدم، وذلك بوجه خاص عن طريق القانون المدون، الذي حفظت فيه النظم الأخلاقية للرومان، ولعصر الإقطاع، والكنيسة. فلا عجب إذن إن كانت النتيجة نظاما يفتقر إلى الاتساق. فالمواطن المطيع، الذي يحاول أن يمتثل لكل القواعد الأخلاقية الموجودة في المجتمع الشعبي الواسع، سرعان ما يجد نفسه يواجه صراعا أخلاقيا. فهل ينبغي عليه أن يساعد المحتاجين أم أن يستولي على قروشهم بأساليب التجارة البارعة؟ وهل ينبغي أن يعمل لصالح الأمة بالإسهام في قمع الإضرابات أم بتأييد العمال في كفاحهم من أجل ظروف أفضل للعمل؟ وهل يتعين عليه أن يدافع عن حرية الكلام أم يؤيد حكومة لا تسمح لجامعاتها بتدريس نظرية التطور عند دارون؟
2
অজানা পৃষ্ঠা