نزل الكاهن الشيخ على سلم الباخرة وعيناه دامعتان وجبينه العالي مصفر كالشمس التي تلامس أفق الماء آذنة بالمغيب، وما وضع رجله على مقعد القارب حتى اصطدم بقارب آخر كان يشق الماء بسرعة للوصول إلى السلم، فأدار الكاهن وجهه فرأى أحد أبناء وطنه من المزرعة القريبة لقريته جالسا وقربه فتاة ضخمة ترفرف القبعة فوق جبينها، وعلى وجهها نقاب صفيق يلاعبه الهواء، فدهش الشاب إذ رأى الكاهن وقال له: الوداع يا أبانا بطرس. - جميل ... إلى أين؟ - إنني من أميركا وإليها أعود. - لا يا ولدي أنت من لبنان، قدر الله أن ترجع إليه. - المستقبل لله، أرفقنا بدعاك يا أبي. - مع السلامة، وليكن الله معك يا جميل.
وكان جميل يتكلم وعيناه مصوبتان نحو المرفأ، وجبينه يتقطب بحركة اغتصابية، وفؤاده ينبض بشدة وهو يجتهد أن يخفي اضطرابه.
ضرب النوتي بمجذافه صفحة الماء فمخر الزورق عبابه وسار توا بالكاهن الشيخ إلى المرفأ، وإذ وضع خادم الله رجله على الدرج حانت منه التفاتة فرأى ابنة قروية واقفة أمام الحاجز الحديدي وبيدها منديل غطت به عينيها وقطرات الدمع تتساقط من بين أصابعها إلى الأرض.
وكانت الباخرة قد صرخت بصوتها الأبح معلنة المسير، وارتفع من داخونها ضباب أسود كثيف، فأدار الكاهن وجهه لجهتها فرأى صديقه «سعيد» واقفا على المؤخر وبيده منديل يومي به إليه مودعا، فارتفعت أفكار الكاهن الشيخ إلى العلا، وهو يناجي رحمة خالقه بأسرار الحياة وحالة لبنان، ولكن لم يطل وقوفه تحت جنح التأمل والصلاة حتى سمع صوت زفير متقطع وتنهد متحشرج، فأدار وجهه، فرأى القروية قد هوت على البلاط أمام غرفة البوليس محافظ المرفأ.
سقطت القروية على الأرض وارتمت يداها برخاء على صدرها المرتجف، فلاح وجهها المصفر لعيني الكاهن كأنه شبح اليأس وخيال الموت، فتبين من تلك الملامح الشاحبة صورة سلمى تلك الفتاة التي طالما رآها جاثية بخشوع في كنيسة قريته.
تألب الناس حول الفتاة واحتاطوها بأحداقهم، فتقدم الكاهن دافعا الجمهور بلطف حتى وصل قرب سلمى وكانت غائبة عن رشدها، فأخذ بيدها طالبا معونة أحد الحمالين رافعا إياها بين ذراعيه إلى خارج المرفأ، وهنالك وضعها في عربة وسار بها إلى إحدى اللوكندات القريبة تتبعهما أنظار الحضور، وكان ما بينهم شاب مرتد آخر زي وبيده قضيب خيزران يلاعبه فقال: لا يمكن أن يسطو الهرم على هؤلاء الغربان وما كان أولى أن نسميهم نسورا فهم يجددون شبابهم أمام كل فتاة وسيدة! •••
في إحدى غرف النزل العلوية المطلة نوافذها على البحر كانت سلمى ملقاة على السرير وأجفانها تأبى الارتفاع عن نور عينيها كأنها تضن عليه أن يختلط بنور الحياة.
وكان الأب بطرس جالسا على المقعد بعيدا عن السرير يتطلع من النافذة إلى البحر، ويعود ملقيا أنظاره الهادئة على وجه القروية الشاحب وأفكاره تائهة بين العالمين تسقط كالنسر لتنظر الأرض عن قريب، وتعود محلقة مثله إلى السحاب فتنفسح أمامها مجالات المنظور.
كان الكاهن إذ ذاك بحالة لا يدركها إلا فئة قليلة ممن يصدقون بالغير المتناهي .
كان يفتكر بالمادة ونظامها فيراها محسوسة أمامه، ولكنه لا يرى غير قسم صغير منها، لا يرى غير الوسط الذي يحتاطه فترتبك مباديه ويتململ ثم يدفعه التأمل بقوة الإيمان إلى ما فوق، فتضعضع أفكاره كأنها نور ضعيف بين الضباب فيرى المادة كلها والألفة بأسرها، يتبين شرائع الإنسان ومطامعه وسعيه وجهاده ولكنه لا يتمكن من سبر هذا الغور البعيد.
অজানা পৃষ্ঠা