نفحات
نفحات
وما برحت أجول في خواطر المسالك، وأخترق مسامع المهالك، حتى رمتني صوالح التنوية، إلى محروس بيت الفقيه، فهنالك ألقت النفس عصاها، ولم تبل أطاعها الهوى أم عصاها، ولم أزل أرتشف بها كؤوس السرور، ممزوجا برضاب الأفراح، واجتلى وجوه الحبور باسمة عما يهزأ بالآقاح، وقد تكفل لي سلاف القات بطيب الأوقات وأغنتني نشوته عم تديره السقاة، وكلما اعتقل الهم أرماحه أعادته أرماح القات، خافضا أجناحه جاء شقيق عارض رمحه إن بني عمك فيهم رماح، ولو رقت لي شياطين الغم لانقضت عليها أنجم الفل، وطعنت أسنة الكاذي ثغرها، فأذهبت البعض والكل، وفيها يسمح لي الزمان وقد يسمح البخيل، وجاد لي الدهر وإن كان جوده ملحقا بالمستحيل، بالاتفاق بإخوان لم يقتنعوا من الوفا باللقا، ولا شاب صفاء ودادهم كدر الجفا، بل جبلت طبائعهم على حفظ شرائع المروة، وغذتهم أم المجد لبان الفتوة.
منها: ولما تبسم لنا الدهر العبوس، ومزقت أيدي السرور قناع البوس، تجاذبنا أطراف الأفراح، وأدرنا من حميات الأدب ما يهزأ بالراح، ولم نخل من نمام ولكنه من شذا الأزهار، ورقباء من عيون النرجس شاخصة الأبصار، إلى أن أنشب البين فينا المخالب، ونظرنا الدهر بعين المغاضب، فافترقنا والدموع جارية والقلوب ضامية، وهذه عادت الليالي قد أقسمت لا تتم جمعا لها رأت كعبة اجتماع طافت بها للوداع سبعا،ولم نزل نحاول من الدهر الأخذ بالثأر، ونروم التلاقي إلى أن أسعدت الأقدار، فقوضت خيام الكسل والتواني، ونهضت بأعباء فراق تلك المعاني، وجبت المهامة والبيد، إلى أن شافهت بي الأيام أدنى زبيد، ولما أنزلت بها رحلي وحططت بها رجلي وجدتها كما قيل:
بها ما شئت من دين ودنيا ... وإخوان تنافوا في المعاني
فمشغول بأبيات المثاني ... ومشغوف برنات المثاني
পৃষ্ঠা ২৪৪