573

وكان صاحب الترجمة بما تعز عليه أبحاث من كتب أهل الطريقة وشكا ذلك على السيد يحيى فوضع يده في صدره، وتلا الفاتحة إلى أن وصل إلى قوله تعالى: {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة:7] فتلاها بلفظ غيري المغضوب عليهم فقال صاحب الترجمة وغيري فقال وغيرك يا حبيبي فلما قام شيخنا من عنده، ووصل منزله طالع نسخة من (الفصوص) كان قد اصطحبها معه فلم يشكل عليه منها بحث، فوجد من الظهور فيما لا يخفى ولما أراد شيخنا العزم من تعز خرج معه السيد يحيى يشيعه، وقد لبس طربوشا وطيلسان وأخذ في يده عكازا فكان الناس يودعون شيخنا ويسلمون عليه ولا يلتفتون إلى السيد يحيى مع أنه في العادة إذا رأوه تهافتوا على السلام عليه وتقبيل يده وأقدامه كتهافت الفراش فلعله احتجب عنهم والله أعلم بحقيقة حاله.

ولما عزم صاحب الترجمة من تعز وصل إلى ذي جبلة وبقى بها أياما يدرس أعيانها في العلوم ويأخذون عنه في الصحاح الست وغيرها. ولم يشعر إلا بكتاب من نسخة البدر ومن الوزير صفي الدين النهمي مستدعيانه ويحثانه على الوصول إلى (صنعاء)، ووجها إليه بمركوب وخادم فلم يجد بدا من المساعدة فوصل إليهما وأفاد واستفاد وابتسم له الدهر، وحصلت المسرة بوصوله عند جميع الأعيان، ثم تزوج فيها في سنة 1167ه، وبقي شهور بعد التأهل، ثم رحل إلى (مكة) للحج وعاد إلى (صنعاء) ثم دخل أيضا (مكة) في سنة 1168ه، وهو آخر دخول إليها، ولقد كان كثير الشوق إليها شديد الحب لها قل أن يمر ذكرها إلا وسالت دموعه على خديه وقال في ذلك:

سنون مضت لي بالمقام وطيبة ... كعيش جنان الخلد في أرفع الخفض

فمن جره فضل إليها ومنة ... غدا نصب عينيه ارتفاع بلا خفض

ولما رجع إلى (صنعاء) اتفق ما أوجب عزمه إلى (جبل برط) سنة 1169ه، لأسباب يطول شرحها، وبقى فيه شهور ورأى في العنان من (جبل برط) في منامه كأنه يكتب أبياتا جوابا على شخص يحضه على الكرم أولها:

পৃষ্ঠা ১৭৭