اعتقدت روز أنه كان يقول ذلك إرضاء لفلو، تحسبا لاستماعها إليهما أثناء حديثهما. كانت فلو في المتجر آنذاك، لكن روز تصورت أن والدها - بغض النظر عن المكان الذي توجد به فلو - سوف يتحدث كما لو كانت فلو تسمعه؛ إذ كان يحرص حرصا شديدا على إرضائها، والتكهن باعتراضاتها. وبدا أنه قد اتخذ قرارا في هذا الشأن؛ ألا وهو أن الأمان يكمن مع فلو.
لم ترد روز عليه قط، وعندما كان يتحدث، كانت تحني رأسها تلقائيا، وتزم شفتيها في تعبير متحفظ، لكنه غير محقر في الوقت ذاته؛ إذ التزمت الحذر. لكن لم يخف عن أبيها كل ما شعرت به من حاجتها للتباهي، وآمالها العريضة لنفسها، وطموحاتها الباهرة؛ فكان يعلمها جميعا، وكانت روز تشعر بالخجل لمجرد تواجدها معه في الغرفة ذاتها؛ إذ كانت تشعر بأنها قد خيبت ظنه على نحو ما منذ يوم ولادتها، وسوف تظل تخيب ظنه بصورة أكبر في المستقبل، لكنها لم تكن نادمة؛ فهي على علم بمدى عنادها، ولم تكن تنوي التغير.
جسدت فلو فكرة والد روز عن المرأة كما يجب أن تكون. وقد علمت روز ذلك، وهو أيضا ردده كثيرا. فعلى المرأة أن تكون مفعمة بالنشاط، عملية، ماهرة في جني الأموال وادخارها؛ عليها أن تكون فطنة، وبارعة في المساومة، وترأس الآخرين، ويمكنها اكتشاف ادعاءاتهم. وفي الوقت نفسه، عليها أن تكون ساذجة معرفيا، وطفولية، تحتقر الخرائط والكلمات الكبيرة وأي شيء تتضمنه الكتب، وأن تسيطر عليها المفاهيم المشوشة المبهرة، والخرافات، والمعتقدات التقليدية.
قال لروز ذات مرة في إحدى تلك الفترات التي سادها الهدوء - بل والود أيضا - بينهما عندما كانت أصغر سنا قليلا، ولعله نسي أن روز كانت ستصبح امرأة ذات يوم: «إن عقليات النساء مختلفة؛ فهن يؤمن بما ينبغي عليهن الإيمان به. لا يمكنك تتبع أفكارهن.» كان يعلق آنذاك على أحد المعتقدات التي كانت تؤمن بها فلو، وهو أن ارتداء الأحذية المطاطية في المنزل يصيب المرء بالعمى. واستطرد قائلا: «إلا أن لديهن القدرة على إدارة الحياة بأساليب معينة؛ هذه هي موهبتهن، وهي ليست في عقولهن. ثمة شيء يبرعن فيه أكثر من الرجال.»
لذا، فقد نبع جزء من شعور روز بالخزي من كونها أنثى، مع عدم اتسامها في الوقت نفسه بالسمات التي يجب أن تكون عليها المرأة، لكن كان هناك سبب آخر أيضا؛ إذ كانت المشكلة الحقيقية في أنها جمعت وحملت كل ما اعتقد والدها أنها أسوأ خصاله. كل الجوانب التي انتصر عليها وأخفاها بنجاح في نفسه، ظهرت مجددا في روز التي لم تظهر أي إرادة للتغلب عليها، فكانت تستغرق في أحلام اليقظة، واتسمت بالغرور والتوق للتفاخر؛ تعيش حياتها بالكامل في رأسها. لم ترث منه الشيء الوحيد الذي مثل مصدر فخره واعتمد عليه؛ ألا وهو مهارته اليدوية، ودقته، ومراعاة ضميره في أي عمل يقوم به، فكانت، في حقيقة الأمر، خرقاء على نحو غير عادي، ومتهورة، وعلى استعداد دائم لأن تسلك الطرق السهلة. ومن ثم، فإن رؤية والدها لها وهي تنشر المياه أثناء غسيلها للصحون، وفكرها شارد بعيدا، وأردافها أكبر من أرداف فلو بالفعل، وشعرها أشعث كثيف؛ ورؤيته لطبيعتها الكسولة المستغرقة في التفكير، كان من الواضح أنه يثير غضبه وحزنه، بل واشمئزازه أيضا.
كانت روز على علم بكل ذلك؛ فكانت تقف ساكنة إلى أن يعبر والدها الغرفة، وتنظر إلى نفسها بعينيه. شعرت هي أيضا بالكره تجاه المساحة التي كانت تشغلها، لكنها سرعان ما كانت تعود لطبيعتها عند مغادرته المكان، فتعود لأفكارها أو إلى المرآة التي انشغلت بها كثيرا تلك الأيام؛ فكانت تجمع شعرها فوق رأسها، وتلتف قليلا لتتمكن من رؤية نهدها، أو شد بشرتها لترى كيف ستبدو عند انحنائها انحناءة بسيطة مثيرة.
كانت روز على يقين في الوقت نفسه من أن والدها يكن مشاعر أخرى تجاهها؛ فقد علمت أنه يفخر بها، بالرغم من ذلك الانزعاج والقلق الذي يكاد يكون غير قابل للتحكم فيه. الحقيقة النهائية هي أنه ما كان ليغيرها، وأنه يريدها كما هي ... أو جزء منه أراد ذلك. وتوجب عليه، بطبيعة الحال، إنكار ذلك على الدوام، بسبب خنوعه وضلاله، أو بالأحرى خنوعه الضال. وكان عليه أيضا أن يبدو متفقا مع فلو في الرأي.
في الواقع، لم تتمعن روز في التفكير في ذلك الأمر، أو لم ترغب في ذلك. لم تكن تشعر بالارتياح - مثل والدها - بشأن العلاقة بينهما. •••
عند عودة روز من المدرسة في أحد الأيام، قالت لها فلو: «أحسنت بوصولك الآن؛ فعليك البقاء في المتجر.»
كان والدها سينقل إلى مستشفى المحاربين القدامى في لندن. «لماذا؟» «لا تسألي ... هكذا أمر الطبيب.» «هل ساءت حالته؟» «لا أعلم! أنا لا أعلم شيئا. ذلك الطبيب الذي لا فائدة منه لا يعتقد ذلك. فقد أتى صباح اليوم، وأجرى كشفا له، وقال إنه سينقل إلى المستشفى، ونحن محظوظون بتواجد بيلي بوب لنقله.»
অজানা পৃষ্ঠা