وقد قال العلامة شارلز داروين على الرغم من حيائه وتواضعه إنه لم يفترق عن مجموع الناس وسوادهم في شيء أكثر من أنه ألف أن يلاحظ الأشياء التي تفوتهم وتعزب عن بالهم ولا تتصل بحسهم، وأن يعنى باستقرائها عناية التدقيق وطول البال.
الملاحظة تمهد وتوطن للعمل الصالح، وتعبد الطريق للفعل الصحيح والمسلك الصائب الحكيم؛ وهي تكفل للمرء علم ما يحتاج إلى علمه لملاقاة الطوارئ، وملاقاة الحوادث ومواجهة المفاجآت والخطوب، كما أن التساؤل يوسع مدى العمل، ويستكمل الملاحظات ويكسب المعرفة الضرورية لقيام الزعامة وبروزها، فقد كان الزعيم لنكولن يألف الإكثار من الأسئلة والمبالغة في التقصي، واستجواب الذين يتقدمون إليه بالأنباء والأخبار والمعلومات، وقد تمكنت منه هذه الملكة من النشأة والطفولة، فكانت كلمات مثل «استقلال» و«مستقل» تشغل خاطره الصغير وتشوقه إلى فهم معانيها، فكان لا ينفك يسأل عن معناها، فلما أجيب إليه لبث مستيقظا ساهرا الليل كله يستوضح لنفسه المراد من كلمة الاستقلال والمقصود، حتى بلغ شأو الرجولة فأضحى رجلا أكبر ملكاته ومواهبه سرعة ربط الألفاظ من معانيها واختيار أبسط الكلمات للتعبير حتى يتيسر لأكثر الناس فهم الأفكار والأحاسيس التي كان يريدهم على فهمها، وكان يقول عن نفسه: إنني لا أرتاح لحظة ولا أسكن ولا أهدأ من ناحية فكرة تعرض لي، وأريد بثها ونشرها، حتى أسايرها شمالا وأتابعها جنوبا وأحدها شرقا وأبلغ تخومها مغربا.
وكذلك وصل لنكولن إلى المعرفة الصحيحة الدقيقة لاستخدام الكلمات والألفاظ في أدق مواضعها وأسهل مبانيها وأسلس نظامها، وذلك ببحثها أولا وفحصها واستجوابها وتحري جميع وجوهها وتقصي سائر نواحيها؛ فعرف بذلك كيف يفكر تفكيرا واضحا رائقا، ويفوق كثيرا من الزعماء في التعبير عن أغراضه ومعانيه بأحسن منهم أسلوبا، وأصفى منهم كلما، وأسلس منهم تعبيرا، فمثلا لقد راح يستجوب نفسه، ويسائل خاطره من ناحية فلسفية، وعلى صورة عجيبة منطقية، عن معنى «الأمانة»؛ فذهب إلى أن الأمانة هي فضيلة سلبية، إذ إن معناها هو «ألا تسرق»، ولكن العدل بخلاف ذلك فضيلة إيجابية، وهي لهذا مولدة للقوى محركة حافزة دافعة.
إبراهام لنكولن.
إن أكثر الناس سطحيون، فمن الصفات النادرة التي تخلق بالزعامة قوة الملاحظة؛ فهي المزية الكفيلة بأن تفتح أمام الزعيم آفاقا جديدة من الفكر قلما يستطيع الناس أن يرقوا إليها إذا لم يتوفر لهم الهادي الأمين.
وأما بعد النظر فذلك هو المقدرة على رؤية أمر من الأمور من جميع جوانبه في غير ميل أو تجانف إلى جانب واحد منها، وإنه ليقي الرجل منا السقوط في الفخاخ التي كثيرا ما يقع الناس فيها بقصر نظرهم وضيق أذهانهم، كما أنه يعين المرء على التسامح ولا يجعله يضيق بشيء، ويفسح له مدى التفكير ومضطربه.
ومن مزايا بعد النظر أنه يسبق الحوادث، ويستشف الحجب، ويعين على توقع الأمور القادمة، ويوم قام الرحالة الكشاف المشهور أمندسن يريد القطب الجنوبي أخذ معه سبعة وتسعين كلبا من كلاب الأسكيمو الخفاف الأقوياء، ولم يكد يسير جنوبا حتى راح يقيم فوق تخوم الجليد مستودعات للميرة والمئونة معلما لمواضعها بالأعلام والرايات والبنود ومختلف الإشارات، حتى إذا عاد من كشف المتجمد وجدها في أماكنها لم تصب بسوء، وكذلك أكسبه بعد النظر والفراسة والتوقع صفة الاستعداد للحوادث وأعانته جميعا على النجاح.
الرحالة أمندسن - كاشف القطب.
ويقتضي النظر البعيد وسبق الأحداث خيالا قويا وحكما متزنا، فإن مزاج هاتين الملكتين من شأنه أن يوفر الاستعداد، ويكفل التأهب وييسر الاحتياط للمجهول، والتعرف من المنتظر وغير المنتظر على السواء.
ويشمل الذكاء وقوة الذهن ملكة التقدير الصحيح للأشياء، سواء منها القيمة والتافهة، فإن هذه الملكة هي خير معوان على صواب الحكم وسداد البت في الأمور، والوصول إلى نتائج حاسمة وقرارات فاصلة، ويقتضي التقدير من الناحية النفسية وزن الشواهد والأناة في البحث وطول التفكير، كما يوجب التدقيق في التفاصيل والجزئيات، بل الاهتمام بالتوافه والشئون الصغيرة، فكثيرا ما رأينا العظماء يرون في التافه ما يؤدي إلى الخطير، ويشهدون في الأمر الصغير ما يحدث كبير الأثر، وقد كان أندرو كارنيجي يقول: «احذروا من التوافه وصغار الأمور.» ومرد ذلك إلى أن الاستخفاف بها قد ينقلب خطرا، ويستحيل شرا عظيما، وقد يكون في الكلمة أو النظرة أو الحادث البسيط ما يؤثر في مصير فرد أو مصير أمة بأسرها، وإن صغار الأشياء هي التي تخلق الإنسان أو تحطمه، وتبنيه أو تهدمه، بل إن التوافه هي التي تشترك مع العظائم في تقرير المصير، وبناء الإرادة، وطريقة المسير إلى الغد المجهول ...!
অজানা পৃষ্ঠা