140

মুস্তফা নাহাস

مصطفى النحاس

জনগুলি

لقد كان مركز الوفد في هذا الائتلاف على عهد سعد دقيقا، أحوج ما يكون إلى الكياسة وبراعة التناول، ولطف المسلك، حتى تنتفي وجوه انتفاع الإنكليز به، ويكون الخير منه للدستور وحده ومصير النظام النيابي ومركز الأكثرية في البلاد.

ولكن العوامل الرجعية لم تلبث عقب عيد الجهاد الوطني في تلك السنة - 1926 - أن عاودت محاربة الدستور في الخفاء ومقاومة سلطانه بالدس والكيد، والعمل على تعطيل أحكامه، تعلقا بأمل الظفر بحكم الطغيان؛ فشرعوا في إيقاظ الفتنة بين طلاب الأزهر بتحريضهم على الإضراب بمناسبة القرارات الحكيمة التي اتخذها البرلمان لإعادة مدارس القضاء الشرعي ودار العلوم والمعلمين الأولية إلى وزارة المعارف وفق القوانين الصادرة بشأنها، ولكن تلك الدسيسة قضت في المهد، وتغلبت الحكمة فانطفأت الفتنة وشيكا وحبط كيد الكائدين.

ولكن على أثر نقد هادئ في مجلس النواب غضب المرحوم عدلي باشا فقدم استقالته؛ فأسرع الرجعيون خصوم الدستور على عادتهم إلى إيقاد الفتنة مرة أخرى، متخذين من ذلك الحادث سبيلا للتجسيم والتهويل والإسراف في الطعن والافتراء، من فرط الحقد الذي يخنق الصدور، والغيظ الذي يملأ القلوب.

استقالت وزارة عدلي باشا في أبريل سنة 1927، وكان أول من اتجه إليه نظر سعد هو مصطفى النحاس باشا ليتقلد الحكم، فعرض الفكرة عليه، ولكن مصطفى رفض قبولها متشددا في رفضه، فقال سعد مفاكها: «هل تتهرب يا مصطفى من المسئولية؟» فأجاب النحاس على الفور: «وهل دولتكم تتهربون منها أيضا ...؟ لماذا لا تقبلونها يا دولة الرئيس؟! اقبلوها وأنا أدخلها معكم!»

مصطفى النحاس.

فابتسم سعد وانثنى يقول: «لك الله يا مصطفى! إنني أموت مطمئنا ...» ثم أردف بالفرنسية كلمة معناها: إنني معجب بكم!

وكانت هذه هي المرة الثانية التي لم يشترك فيها مصطفى النحاس باشا في مقاليد الحكم، وآثر البقاء في مجلس النواب، وهو في كل مرة منهما يقدم مصلحة وطنه على نفسه، ويغار على الائتلاف خشية انهيار صرحه، ويجتنب إحداث أزمة مع الإنكليز بسببه؛ وهي وطنية رفيعة أصيلة في إنكار الذات، متفانية في خير الوطن، بعيدة التفكير في مصلحة البلاد.

وما لبث أن انجلى الموقف بتكليف عبد الخالق ثروت باشا تأليف الوزارة، فأعاد جميع أعضاء الوزارة السابقة دون تغيير، ولكن طرأت في أثناء الدورة البرلمانية أزمة حادة تتصل بنظام الجيش المصري، ولم تكن في الواقع تستحق أن تتفاقم إلى الحد الذي وصلت إليه في ذلك الحين، لولا أن لورد لويد - وهو من أشد الغلاة في النزعة الاستعمارية - راح يستغل الموقف أسوأ الاستغلال، ويسترسل مع نزوعه السياسي في حركات عنيفة، ومناورات خطرة، ويرسل النذير بعد النذير.

كان كل ما في الأمر أن وزير الحربية - وهو أحمد خشبة باشا يومئذ - قد فكر في مشروع لزيادة الرديف، أو الاحتياطي المدرب، وزيادة قوة الجيش العامل، وإنشاء سلاح طيران حربي. وكان ذلك التفكير هو مجال الحكمة يومئذ وفصل الخطاب، لو أن في قصر الدوبارة رجلا بعيد مطارح البصر، معتدلا في سياسته، حكيما في مأخذه وتناوله؛ فلو أن ذلك تهيأ يومئذ وتوافر، لأمكن حل القضية المصرية، فلم تتأخر عشر سنوات طوال، قبل أن يأتي الرجل النافذ البصيرة الذي يعين على حلها من هذه الناحية بالذات، وهي مسألة الجيش ووسائل الدفاع وأساليبه، ولكن الأقدار أبت أن يستمع الإنكليز إلى عامل الحكمة في ذلك الحين، وشاءت إلا أن يستمعوا بعد عشرة أعوام منه إلى عامل الضرورة، وسياسة الظروف القاهرة؛ فكان ذلك من أغلاط السياسة الإنكليزية التي جعلت إيلافها معالجة المسائل في أحيانها دون النظر إلى بعيد، ودون التفكير في المستقبل والمصير.

وقد هاج لورد لويد يومئذ وثارت ثائرته، ولم يكن سياسيا حصيفا متزنا كما يجب أن يكون من يقلد منصبا خطيرا كمنصبه، ولكنه كان أحمق نزاعا إلى الغطرسة، جانحا إلى إظهار السطوة، سريع الهياج، مندفعا مع استعمارية مسرفة؛ فتصور الأمر خطرا جائحا، وخاله أمرا فريا، وأرسل إلى بلاده يطلب البوارج ويستقدم الأساطيل ...!

অজানা পৃষ্ঠা