161
كان هذا مظفر الدين قزل أرسلان وهو عثمان شمس الدين أيلدكز مستوليًا على بلاد العجم بعد أخيه يهلوان وهو عم السلطان السلجوقي ليس معه أمر نافذ ولا بيده في الملمات منه آخذ وقد حكم على البلاد جميعها أرانيه وأذربيجان والري واصبهان ومن حد حلوان إلى حد خرسان وقد هرب السلطان السلجوقي ليخرج من تحت حكمه ويتسلط على عادة كل سلطان ورسمه ثم قوي وعاد ولم ينتظم لسوء تدبيره أمر ولم يرتفع له قدر فإنه كان كثير التحيل من خواصه يرتاب بغش ذوي استخلاصه فإذا أوهموه في أعظم أمرائه أمرًا عظيمًا لم ير في الإيقاع بهم تهوينًا ولا تهويمًا فما يشعر به الواقف على رأسه إلا ورأسه طاير ودمه ماير فخانه مقربوه وانتزحوا فكل منهم نافر ومازال قزل أرسلان يتتبعه ويرده تارة ويردعه حتى ظفر به وسيره إلى بعض القلاع وحبسه وهذا قزل أرسلان كان يجد لي أمرًا في السماح والأموال في أنامله كالهشيم على مهب الرياح ومن جملة سجاياه الكريمة أنه تبقى عنده رسل الأطراف مقيمين في ظل الإسعاف مشمولين من تفقده بكرا يم الألطاف (٢٤٠ أ) فلو أقام الرسول سنة أقام بتبجيله وتشريفه حتى تستغني بدقيق أنعامه وجليله فإذا استأذن في العود أجزل له عطاءه ووفر له الاءه وأعاده مملوء الحقائب مطوق الجنائب مثقلًا بالنضار وكان إذا عرف اجتماع الرسل عنده من الأمصار وأقاصي البلاد وأداني الديار أحضرهم في إيوانه وغمرهم بإحسانه فمن وافقته على أنسه أقام ومن عف عن القعود في ذلك المجلس قام. وكان على مذهب ملوك العجم في إدمان الشرب وسمعت أنه أنهب آلات مجلسه الذهبية والفضية وكانت ألوفًا لندماه مرارًا وكم مرة لم يبق في خزانته غرضًا ولا درهمًا ولا دينارًا وكانت هذه شيمته في دولة أبيه وهو يحبه إذا افتقر ويغنيه فلما اتسع ملكه وتوحد واتسق سلكه وتفرد ولم يخل خليفته ولم يزل طريقته وكلما سنحت الدنيا له سخًا بها ووهب الدرر بسخائها والدرر لسحابها. وإذا ركب تعد له المواكب وتمد له الجنايب والمراكب مثقلة بالسرقسات المدثرة والأطواق والسحوت العسجدية المجوهرة وهو راكب أزهاها حليًا وأبهاها جربًا. وحكى أنه أنعم على أحد الرسل بمركوب غال فجاءه كل سابح كأنه بحر ساطع كأنه فجر ضامر كأنه صقر ذي حافر كأنه صخر وقد ركب الأمير وهو يسايره ويحادثه ويحاوره وتحت الأمير مركوب في كون مركوبه بعينه بطوقه وسحته ونضاره وتحته مد فرس الرسول وترح وتجهد فقال: ما بال جوادك إلينا يسهل وعلينا يحمل فقال: يطلب رفيقه وينادي شقيقه وهو من فراقه على فرق ومن اشتياقه على قلق فنزل الأمير عن حصانه ووهبه له بقلايده وعقبانه وركب غيره وصان ببذله خيره وقبل سايره قاض من قضاة تلك البلاد وهو على بغلة عاطلة هزيلة والأمير على بغلة فارهة جميلة بمصوغات التبر في الحلي ثقيلة فقال يا قاضي: ما لبغلتك قد عجفت فقال: أدمغتها الغيرة من أختها فما هي على تختها ولا في طوقها وسحتها فأعطاه البغلة بسرجها وطوقها وأمر لبغلة القاضي بمثل زينتها لتقرن بها بقرينتها وزاده عطية لأجل علفها وإزالة هزلها وضعنها فاستغنى القاضي بها بقية عمره ووجد جده وعدم عدمه. ومن جملة مكارمه أن الأثير الأخسيكي شاعر دهره وساحر عصره مدحه بستة أبيات من شعره فجاد له بستة آلاف دينار من تبره وقال: لو زادني زدته. وحكى أيضًا أنه وصل إلى المعسكر شاب أديب قد حوى من كل فضل طرفًا وحاز من كل غريبة طرفًا لكنه فقير قد أدركته حرفة الأدب وأحوجه الأضرار إلى الاضطراب وأخرجه الاغترار بالاغتراب فلما وصل إلى المعسكر اجتمعوا حوله وسمعوا قوله وعرفوا معرفته ووصفوا صفته ونما الخبر إلى الأمير على ألسنة ندمائه فأمر بإحضاره ولما حضر فاكهه وشافهه واستطرف أدبه واستوصف آدابه ونظم في وصف الحال رباعية بالفارسية فأحضر له ألف دينار حمر وقال: خذ هذه واتسع بها وشفع وقد وصلناك فلا تنقطع فلما بسط الكف وقبض الألف طار من الفرح كالفرخ إلى وكره وأبعد الدموع إلى تلك الدنانير عن ذكره ورجع إلى البلد وقرت عين الوالدين بالولد وطلبه مظفر الدين قزل أرسلان فأخبر بانفصاله وأنه قنع بما تهيأ به من أفضاله فقال: ما كان أدنى همته ولو عرفنا لاجزلنا عطيته.

1 / 160