على أنها الأيام قد صرن كلها
عجائب حتى ليس فيها عجائب
يوم الطيران
وأهب من نومي في بعض الساعة الخامسة من صباح يوم الجمعة، وجعلت ظلال الأحلام تتقلص رويدا رويدا، والذاكرة تنصقل رويدا رويدا، وجعلت الذكريات تتوارد تباعا، وإذا من بينها أنني بعد ثلاث ساعات أطير! ورحت أجس أطواء نفسي، وأتقرى مداخل حسي، فإذا أنا كل وادع وكل مطمئن، ومضيت أبحث عن الوهم فلا أجده، وأتحسس الفزع في منابته فلا أصيبه! فلو وفدا علي ولو ساعة! فقد ألفتهما وطال الإلف، وحالفتهما فاستوثق بيننا الحلف، وإني في هذا لحقيق بقول المتنبي:
خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا
لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
ونهضت خفيفا، فأصلحت من شأني، ورزمت متاعي، ورأيت أنه ما زال بين يدي من فضل الوقت ما يتسع لرياضة الصباح، وهي تستهلك الساعة وبعض الساعة، وطلع علي حسني لموعده، فمضينا على اسم الله إلى المطار، وهو طول الطريق يزين لي هذه الرحلة ويبهجها لنفسي، وما به - شهد الله - إلا الخوف من أن يفلته صيده، فهو إنما يلقي الحب للطائر، ويتراءى بالحمل لليث الخادر!
ولما رأيته قد أسرف في هذا أقبلت عليه وقلت له: يا سيدي؛ دون هذا وينفق الحمار! خفض عليك، فإني طائر طائر! سواء أكانت الرحلة جميلة أم زفتا وقطرانا، وسواء وصلنا سالمين إلى الإسكندرية أم صرنا إلى الدار الآخرة، فالمسألة أصبحت مسألة كرامة، لا أضحك الله أولادي مني، ولا عبث بسيرتي أصحابي، فرأيته يعالج حقن الغيظ، ويجهد في هذا جهدا شديدا، لأنني توسمت فيه من أول ما دعاني لهذه الداهية أمرا، فبيننا ثأر قديم!
وأمسكنا كلانا عن الحديث حتى بلغنا المطار، وهناك استقبلنا الشاب الكفء الجليل القدر، والفاضل ابن الفاضل الأستاذ كمال علوي المدير العام لشركة مصر للطيران، ورفعونا أولا إلى الميزان، فخرجت والعصا في يدي بخمسة وخمسين كيلو، والحمد لله على القلة، فهي كثيرا ما تخفف من كلفة وتعصم من ذلة.
ثم مضوا بنا إلى الطيارة، وكانت أول طيارة رأيتها في حياتي من كثب، فصفوا الركب بجوارها، والتقط المدير بيده صورتهم الشمسية، ثم دعينا إلى الصعود، وأجلسوني وحسني أيضا في الصف الأول مما يلي مجلس السائق، وجلس في الصف الثاني الأستاذان لطفي محمود، وكمال علوي، ومن ورائهما ثلاثة من الإنجليز، وبقي في الطيارة مكان واحد خاليا.
অজানা পৃষ্ঠা