ولم يرد هاهنا إنزالا من السماء، وأما مسألة الحواريين لعيسى إنما يريدون بذلك أن نزول المائدة من السماء أدل للخلق، وأوضح في الإجابة، وأعظم في الآية، مما لا يقدر الخلق على أن يدعوه، لا ساحر، ولا كاهن، ولو كان متى ذكر السماء أنه فيها دون الأرض لكان إذا ذكر الأرض يدل على أنه في الأرض دون السماء، وقد مضى الكلام في هذا بالذي يغني عن تكراره، إلا أنه لا ينبغي أن ندع شيئا مما يتعلقون به إلا أفحصنا (¬1) عن تأويله. وجاء عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال: "لو حفرتم لصاحبكم في ماء ثم دليتموه لوجدتم الله" (¬2) ،
¬__________
(¬1) الفحص: البحث عن الشيء وقد فحص عنه، من باب قطع، وتفحص وافتحص بمعنى، والأفحوص بوزن العصفور مجثم القطاة؛ لأنها تفحصه، وكذا المفحص بوزن المذهب، يقال ليس له مفحص قطاة، وفي الحديث: "فحصوا عن رؤوسهم كأنهم حلقوا وسطها وتركوها مثل (أفاحيص) القطا".
(¬2) هذا جزء من حديث طويل رواه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات، وفيه زيادة، قال أبو هريرة: ثم قرأ رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ "هو الأول والآخر والظاهر والباطن". يقول البيهقي: والذي روي في آخر هذا الحديث إشارة إلى نفي المكان، وأن العبد أينما كان فهو في القرب والبعد من الله تعالى سواء، وأنه الظاهر، فيصح إدراكه بالأدلة، الباطن فلا يصح إدراكه بالكون في مكان، واستدل أصحابنا على نفي المكان بقول النبي _صلى الله عليه وسلم_: "أنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء"..
পৃষ্ঠা ১৫১