ما بعد المذكرات
بعد عشر سنوات
الرحلة إلى فلسطين ولبنان 1924
وأخيرا
استطعت أن أغادر مصر في يوم الثلاثاء 29 يوليو سنة 1924 بقطار الساعة الحادية عشرة صباحا قاصدا بورسعيد لأبحر منها إلى لبنان على الباخرة الإيطالية كارينوليا من بواخر اللويد تريستينو، وغادرتها ومعي زوجي وابني، وسافر معنا والدي ليودعنا على ظهر الباخرة، وودعنا على المحطة رؤوف زكي وعزمي وأحمد الشيخ والغمراوي.
أذكرتني سفرتي هذه بسفرتي سنة 1914، في سنة 1914 غادرت المنصورة في يوم 2 أغسطس بقطار الساعة التاسعة صباحا قاصدا بورسعيد لأبحر منها إلى لبنان على ظهر الباخرة برنس عباس من بواخر الشركة الخديوية في رفقة صديقي عبد الرحمن بك الرافعي، وكنا يومئذ وحيدين لأن كلا منا كان شابا لم يضطلع بعد من أعباء الحياة إلا بشؤون نفسه؛ لذلك لم يسافر معنا أحد ولم يودعنا على المحطة أحد.
2 أغسطس سنة 1914! ... 29 يوليو 1924!
عشر سنوات كاملة! عشر سنوات لم يشهد العالم مثلها في تاريخه من يوم كان العالم: تغير وجه الأرض أمام نظر الإنسان؛ إن تغيرت نفس الإنسان تغير وجه الأرض وإن لم يتغير في الوجود شيء! فالأرض أرض والسماء سماء والشمس تشرق وضاحة الجبين والقمر يحبو في سماواته فتتعلق بطلعته أحداق العاشقين.
عشر سنوات ما بين رحلتي الأولى ورحلتي الثانية إلى لبنان، وتاريخ الرحلة الأولى هو تاريخ إعلان الحرب الكبرى، أما تاريخ هذه الرحلة الثانية فلا يذكر بشيء لأن الحرب الكبرى الحقيقية لما تضع أوزارها، وكيف تضع أوزارها والدوافع إليها تزال قائمة! كيف تضع أوزارها ولا يزال الضيق مستحكما، ولا تزال الطوائف يرهق بعضها بعضا، ولا يزال بين الناس سيد ومسود وعابد ومعبود، ولا تزال الأمم تتحكم في الأمم، ولا يزال الإنسان لا يروى له ظمأ ولا تنقع له غلة إلا إذا ولغ في دم أخيه الإنسان.
في 2 أغسطس سنة 1914 كان العاقم قد أترع سلاما وعظمة فكان يتيه كبرا وغرورا، وكانت الحروب التي سبقت تلك السنة ما بين تركيا ودول البلقان، وبين تركيا وإيطاليا، وبين الروسيا واليابان، وبين إنكلترا والترنسفال، كانت هذه الحروب تافهة ضئيلة لم تتجاوز في نظر العالم أن كانت معارك فردية تنشب بين أمة وأمة، ثم تمر من غير أن يصيب العالم منها ألم يحرك قلبه أو يهز ضميره، كانت أشبه شيء بالجرح البسيط يصيب قدم الرجل والرجل سائر فلا يعبأ به ولا يهتم له ولا يفكر في الجرح الدامي الذي يهز قلبه ويرسل الرعب إلى فؤاده، ويهدد بالخطر حياته والذي ينتظره وراء الأكمة القريبة منه والتي يقصد هو إليها مطمئنا يريد أن يأخذ في أدغالها الأسد والوحش على غرة منها جميعا.
অজানা পৃষ্ঠা