645

ام بالنظر وقضية العقل؟ الجواب عن ذلك : انا نقول لم يؤخذ علم البيان بالاستقراء ، فان العرب الذين ألفوا الشعر والخطب لا يخلو امرهم من حالين : إما انهم انتدعوا ما أتوا به من ضروب الفصاحة والبلاغة بالنظر وقضية العقل ، او اخذوه بالاستقراء ممن كان قبلهم.

فان كانوا ابتدعوه عند وقوفهم على اسرار اللغه ومعرفة جيدها من رديئها وحسنها من قبيحها فكذلك هو الذي اذهب اليه ، وان كانوا أخذوه بالاستقراء ممن كان قبلهم فهذا يتسلسل الى اول من ابتدعه ولم يستقرئه ، فان كل لغة من اللغات لا تخلو من وصفى الفصاحة والبلاغة المختصين بالألفاظ والمعاني ، الا ان للغة العربية مزية على غيرها لما فيها من التوسعات التي لا توجد في لغة اخرى سواها الى ان قال : انا نقول الفرق بين النحو وعلم البيان ظاهر ، وذاك ان اقسام النحو اخذت من واضعها بالتقليد حتى لو عكس القضية فيها لجاز له ذلك ، ولما كان العقل يأباه ولا ينكره ، فانه لو جعل الفاعل منصوبا والمفعول مرفوعا قلد في ذلك كما قلد في رفع الفاعل ونصب المفعول ، وأما علم البيان من الفصاحة والبلاغة فليس كذلك ، لأنه استنبط بالنظر وقضية العقل من غير واضع اللغة ، ولم يفتقر فيه الى التوقيف منه بل اخذت ألفاظ ومعان على هيئة مخصوصة ، وحكم لها العقل بمزية من الحسن لا يشاركها فيها غيرها ، فان كل عارف بأسرار الكلام من اي لغة كانت من اللغات يعلم ان اخراج المعاني في ألفاظ حسنة رائقة يلذها السمع ولا ينبو عنها الطبع خير من اخراجها في ألفاظ قبيحة مستكرهة ينبو عنها السمع ، ولو اراد واضع اللغة خلاف ذلك لما قلدناه انتهى.

পৃষ্ঠা ৬৫