মিন শুক্কুক জালাম
من شقوق الظلام: قصة سجين أكثر ما يؤرق فيها أنها لم تنته بعد
জনগুলি
تلمست المكان ببصري المشوش ولمحت شيئا ما يشبه مقعدا دائريا، تقدمت لأجلس عليه، وما إن وطئته أليتي حتى صرخت من سخونة المقعد الذي لم يكن سوى مدفأة نفطية. قفزت فزعا متوجعا وسباب من الضابط المسئول عن التحقيق ينهمر علي: «غبي، هل هناك أحد يجلس على مدفأة؟»
امتلأ المكان برائحة ألم، غضب وسخرية، وقليل من رائحة جلد بشري لسعته نار. والأهم من ذلك كله ولدت قناعة راسخة عند المحقق بأني أصبحت في وضع مثالي لعدم جدوى أي استجواب معي، وفعلا انتهى التحقيق رسميا في تلك اللحظة. وباشروا بإلقاء ما تبقى من ملابسي علي، وقبل أن يدفعوني في حجرة المصعد وليس نزولا على السلالم كما هي كل مرة في الطريق الطويل إلى الزنزانة الانفرادية، شعرت أكثر ببرودة الأرض وتذكرت حذائي، فطلبته، لم يعبأ أحد بسؤالي، طلبته ثانية، وهذه المرة بإلحاح استفز أحدهم، فقال بغضب: «عجيب أمرك! أنت تموت وما زلت تبحث عن حذائك؟!»
عند تلك اللحظة رجع التحدي إلي بعد أن شعرت بنوع من الأمان من انتهاء حفلة الليلة، حاولت السخرية منهم كما سخروا مني بسؤالي هذا. كنت مصرا على ألا أعيش شعور الهزيمة وأظل متمسكا بيقيني بأن الفجر سيطلع يوما ما، وسوف يطرد كل هذا الظلام المخيم علي وعلى وطني.
ليال دامت على ما يزيد عن أربعة أسابيع بقليل يمكن لي أن ألخصها بعبارة واحدة، نفي قاطع لكل أنواع التهم التي وجهت لي، مصحوب بألم رهيب. وبدا لي أني في طريق الانتصار على تلك المعاناة، وسرى في شعور من الزهو. بدأت أنتظر ذاك اليوم الذي تفتح الأبواب فيه مغاليقها لأعانق الحرية من جديد، وأعود لما كنت عليه وأدلع بلساني إليهم ساخرا. أول تباشير النصر جاءت حين أخلوني من الزنزانة الانفرادية في القبو إلى زنزانة فوقية جماعية يدخلها نور من فتحة صغيرة.
التقيت في هذه الزنزانة لأول مرة بمعتقلين سياسيين من طلبة جامعيين عرفت بعضا منهم، كنت أراهم في أروقة الجامعة وآخرين التقيتهم لأول مرة. التحقيق قد انتهى تقريبا إلا من بعض الحالات التي لا تقارن بما عشته في الزنزانة الانفرادية، وأصبحت أنام مسترخيا بعض الشيء ليلا لا أنتظر فيه زائرا يدعوني إلى حفلة تعذيب تنتهي عند بزوغ الفجر.
كنت حذرا كما يتطلب الموقف من شركاء الزنزانة، ولم أرد على أسئلتهم الفضولية عن تهمتي، بل نفيت أن تكون سياسية أصلا. اخترعت تهمة أخرى بعيدة كل البعد لأقطع الأسئلة، وادعيت فيما بعد أني كنت أعاكس فتيات لهن وضع خاص، وجيء بي إلى المعتقل لتأديبي. لكن جو الزنزانة وشعوري بالألفة والثقة والتعاطف مع سكان الزنزانة وما خيل لي من انتهاء التحقيق، حثني كل ذلك إلى أداء الدور الذي أهوى القيام به دوما بكل شغف، وهو الحديث في الممنوع من الكلام. صرت أتحدث معهم بكثير من الأمور التي بالعادة من يخوض فيها ينتهي به المطاف إلى السجن، لكن أليس نحن الآن في سجن؟ فلا ضير إذن من الكلام. وصرت في بعض الأحيان أستعرض ثقافتي على بعض منهم ممن لم يخض في هذا المضمار وتورط بالصدفة في هذا المأزق الذي نحن جميعا فيه. بدأنا نخوض النقاشات وكنت أسيرها أحيانا، أكمل معلومة ناقصة هنا وأصحح أخرى هناك، تسرب اطمئنان إلى داخلي وصرت أستعد لأنسى هذا الشهر الاستثنائي وأرجع ثانية إلى دوري الذي اختطته لنفسي وأشرع بالدعوة لما أومن به ولو كان ذلك في زنزانة الآن، وغدا سأفعل ذلك في كل أرجاء البلد، وسوف أعود محملا بخبرة عظيمة في مواجهة الخصوم بعد هذه التجربة المثيرة والمريرة.
كنا نتكاثر رويدا رويدا في الزنزانة وأصبحنا نضايق الجدران بزحمة أنفاسنا وأجسادنا، ومع ذلك لم يكن ذلك مدعاة للإزعاج بالنسبة لنا، ولم أسمع أحدا تأفف من ذلك. تنوعنا المتعدد الاتجاهات في الانحدارات الطبقية والاجتماعية والفكرية والعرقية لم يسبب أي تنافر أو فرقة بيننا، وحدتنا المحنة والهدف الواحد، كما هو حال كل الحالمين بالحرية، الحلم المشترك يلغي كل الفروقات بينهم. مرة أخرى، أثبتت وقائع الأمور أن الإنسانية والحرية ليست حلما أمميا وحسب، بل إنها الحقيقة الخالصة التي تتجلى براقة حين تزال كل الشوائب. كل دين أو فكر أو عرق يلغي أممية الإنسانية فهو كذبة وزيف مهما قيل عنه ومهما بلغ عدد المصدقين به، وكثرة الكذابين ليس بمقدورها أن تجعل من الكذب حقيقة.
8
في ليلة من كل عام تضيع ساعة فيها بين توقيت صيفي وآخر شتوي، جاء من يوقظني من أحلامي ويهد قوس النصر الذي كنت بنيته فوق رأسي. أزيحت ستارة كانت تغطي القضبان القصيرة في باب الزنزانة، وإذا بأحدهم ينادي باسمي وصوت المفاتيح يصلصل في يد حارس آخر يقف إلى جنبه، أصابتني الدهشة كما الآخرين في الزنزانة؛ إذ كان زائرا لم يعهد أن جاء في مثل هذا الوقت المتأخر. كل الموجودين في الزنزانة حسم أمرهم ولا يتوقع أحد منهم أن يستدعى للتحقيق من جديد؛ لذا لم يفهم أحد سبب هذا الاستدعاء في هذا الوقت المتأخر، الدهشة والوجوم ارتسما على وجوه الكل. صعدت ثانية إلى مسرح الجريمة ووقفت في غرفة ما مقيدا من الخلف لكن مفتوح العينين وأطنان من سباب وشتائم وتهديد ووعيد تلقى علي من كل حدب وصوب. ألف سؤال واستفهام مر في رأسي في ثوان قليلة، وظلت كلها تدور حائرة بلا جواب. ماذا حصل وما الذي اكتشفوه لينهال علي كل هذا الغضب من جديد؟ دخل معتقل معصوب العينين حافي القدمين يرتدي بيجاما صيفية، لم أتعرف عليه في البدء؛ لأن منظره كان مبعثرا جدا، إلا حين أزاحوا العصابة عن عينيه ليبدأ المشهد المثير.
سأله شرطي أمن برتبة مفوض (م. س): «من هذا؟» - «فلان بن فلان.» ذكر اسمي كاملا. - «وماذا تعرف عنه؟»
অজানা পৃষ্ঠা