প্রাচীন মিশরের বিশ্বকোষ (প্রথম পর্ব): প্রাক-ইতিহাস যুগ থেকে ইহনাসী যুগের শেষ পর্যন্ত
موسوعة مصر القديمة (الجزء الأول): في عصرما قبل التاريخ إلى نهاية العصرالإهناسي
জনগুলি
وهكذا كان الحال مع كل أنواع الحيوانات أو الحشرات التي كانت تملؤها الروح المقدسة، وكان على الإنسان أن ينتخب واحدا من نوع خاص مميز ويضعه في المعبد حيث يعنى به ويخدم بصفته الحيوان الحقيقي الذي تقمصه الإله، وهذا ما نشاهده بين بني الإنسان. إذ عندنا يتوفى الملك كان القوم يقدسون إنسانا آخر معينا مكانه، وبذلك يصبح مهبط تلك القوة المقدسة التي تعيش في البلاد وتحكمها مهما كانت صفاته، ولا غرابة إذا كانت هذه الطريقة بعينها متبعة في الحيوانات المقدسة، فكان عندما يفنى واحد منها تنتقل الروح الإلهية إلى حيوان آخر يتعرفه الإنسان من بين حيوانات هذه الفصيلة بعلامات وإشارات خاصة ويقاد إلى المعبد، أما موضوع تقديس فصيلة الحيوان الذي كان ينتخب منه الإله أو تقديس البعض منه فإن هذا يتوقف على أحوال الحياة وضروراتها التي كان لا مناص منها. غير أن علماء اللاهوت المصري قد وصلوا إلى حل هذا المشكل بطرق مختلفة، ففي كثير من الأحوال، وبخاصة في العصر المتأخر من التاريخ المصري، كان يعتبر مثلا قتل أي حيوان من النوع المقدس ضربا من الفسوق والعصيان والكفر بالإله، ويعاقب المجرم بالقتل، وكذلك كان ينطبق هذا الحكم على أكلة لحوم هذه الحيوانات، فمثلا كان محرما أكل لحم القطط أو الكلاب، ولكنا من جهة أخرى نجد أن القوم كانوا يذبحون الخراف والماعز والثيران. أما البقرة التي كانت تدر اللبن فكان محرما ذبحها، وهذه الطريقة متبعة في الهند. يضاف إلى ذلك أننا لم نسمع عن تمساح قتل في الأماكن التي كان يقدس فيها هذا الحيوان، وبخاصة في العصور المتأخرة. على حين أننا من جهة أخرى نعرف أن التمساح كان صيده محببا للأهلين، فكانوا يطاردونه بكل شغف وحماس في المقاطعات التي كان لا يقدس فيها، ومن المدهش أن الأسد رغم تقديسه في بعض جهات القطر كان يصاد من غير تحرج في طول البلاد وعرضها.
ولكن الآلهة كانت لا تتقيد قط بهيئة واحدة من أشكال الطبيعة، بل كانت في الحقيقة كالإنسان لكل منها روح مثله على هيئة طائر «با»، وهو عنصر حي يسكن الجسم مدى الحياة، وكذلك كان له قرين «كا» يمثله المصريون على هيئة ذراعين مرفوعين ، وكانت وظيفة هذا «القرين» أن يمد الجسم المادي بالحياة والقوة، ويقف خلفه ليحميه بعد الموت، وكان من الضروري وجوده مع الإنسان في قبره وإلا مات أبديا، ويمكننا هنا أن نميز بين القرين «كا» وبين الروح «با»، فالأول يسكن مع الجسم في القبر، ويمنحه الحياة بالقرابين التي يقدمها أهل المتوفى له على مائدة قربانه بوساطة كهنة تسمى خدام القرين، وقد كانت تحبس عليهم الأوقاف الشاسعة من أجل ذلك. أما «البا» فهو الروح الذي يصعد إلى السماء بعد وفاة الإنسان، ومن ذلك يمكننا أن نستخلص أن الإنسان كان له روح مادية «كا» تسكن معه في القبر وروح نورانية تصعد إلى السماء وهي «با»، غير أن الآلهة كانت تختلف في ذلك عن بني الإنسان، وذلك أن الإله يمكنه في كل لحظة أن يترك الجسم الذي يسكن فيه، وينتقل إلى جسم آخر كما يريد، لأنه لم يكن عرضة للموت (يستثنى من ذلك الإله أوزير) وفي إمكان الإله أن يوجد في كل مكان يريد أن يشعر فيه بقربه أو بقوته، ولذلك يمكنه أن يتقمص أشياء مختلفة جدا في وقت واحد، فيسكن الحيوانات والأحجار والأوتاد من الخشب، والأمثلة لدينا كثيرة، ونكتفي منها بذكر الإله «مين» والإله «أوزير»، ويرجع السبب في ذلك أن الإله حسب قول المصريين له عدد عظيم من القرائن «كاو» وعدد عظيم من الأرواح «باو» تروح وتغدو حرة طليقة حتى عندما يكون الإله متقمصا صنمه أو تمثاله الأعظم، ورغم هذا كان من المستطاع أن يسحر الإله ويقتنص في شيء محسوس بوساطة التعاويذ، وبذلك يصبح ولا قوة له ولا حول، وذلك هو السر في أننا نجد في كل معبد مصري غير الحيوانات المقدسة شيئا سريا يحفظ في صندوق يكون في معظم الأحيان تمثالا صغيرا من الحجر أو الفخار، ويعتبر هذا الصندوق المكان الحقيقي للإله، وبعبارة أفصح المسكن الذي حبس فيه الإله بقوة السحر في الزمن القديم أيام تكريس المعبد.
الروح ممثلة بطائر «با» تنزل إلى غرفة دفن المتوفى لتزور جسمه ثم تصعد ثانية إلى السماء.
ومن جهة أخرى نجد صورا عدة لشكل الإله الذي يتقمص الحيوان، وكذلك للشكل الذي تظهر به روحه، فكان يمثل أحيانا بجسم إنسان يعلوه رأس حيوان وأحيانا بالعكس، وهذه الصور والتماثيل الإلهية كانت تعتبر كأنها ملوك مرتدون ملابسهم ومعطرون ومحلون بعدد عظيم من التعاويذ، وكانت تطلع في الأعياد العظيمة على الشعب - وبخاصة صندوق الإله السري - وتوضع في سفينة تبنى خصيصا لسياحتها، ويحملها خدامها من طائفة الكهنة على أعناقهم، وكانت هذه الأعياد والاحتفالات تنمو وترتقي في الطقوس والعدد كلما تقدمت المراسيم الدينية في البلاد وتنوعت شعائرها، وذلك حسب ثراء البلاد وعظم فتوحها في عصور التاريخ المصري.
أما الرموز الإلهية المقدسة التي كنا نجدها بجانب رموز المقاطعات فلا يمكننا أن نعتبرها عريقة في القدم؛ وذلك لأنها تحمل صورة الحيوان المقدس أو إشارة مقدسة أخرى، وتتقدم القوم في المواكب في ساحات القتال.
وكان الإله يظهر عظمته وبطشه وجبروته في كل أمور الحياة الظاهرة التي لم يكن في مقدور الإنسان أن يتغلب عليها، ولذلك كانت الآلهة تعمل كأنها رؤساء أو ملوك في آن واحد، وذلك حسب أهوائهم ومزاجهم، ولكن ذلك كان لا يمكنهم من الخروج عن اتباع قوانين الطبيعة وسننها، ولذلك نجد أنه كان للآلهة المصريين طبيعتان، فكانوا من جهة يظهرون بأنهم إرادة حرة خالدة، ومن جهة أخرى كانوا قوى طبيعية خاضعة لدورة الفلك وظواهره، وعلى ذلك كانوا في الوقت عينه قوة إيجابية وسلبية، فكانت الحياة تسير في دائرتها حسب قوانينها الطبيعية، مثال ذلك: تلقيح الخصب بماء النهر وطلوع النباتات ونضوجها وموتها ثم البذر والحياة التناسلية، وتلقيح الحيوان والإنسان، أو كما في حالة الإلهين «حور» و«ست» وهما اللذان يتعاقب منهما النور والظلام وكذلك تقلبات النجوم المنيرة ، وأخيرا بوجه خاص الحرب بين القوة المعمرة والقوى الشريرة المخربة، ومن كل هذا نجد أن حياة الآلهة تمر في سلسلة متصلة الحلقات من الصراع والتغيرات التي تحدث بنظام عام بعد عام ، ومن أجل ذلك نشاهد أن القوم كانوا يهتمون بحظ هؤلاء الآلهة المتقلب؛ إذ عليه مدار حياتهم وسعادتهم، فكانوا يسعون لمساعدتهم بقدر ما في وسعهم، وذلك هو السر في الاحتفال بالأعياد التي كان يحتفل بها القوم في كل مقاطعة في مواقيت ثابتة بحكم التقاليد الموروثة، فكان يعتقد أن هذا الإله أو تلك الآلهة قد ولدت في يوم خاص من السنة، ولذلك كان يحتفل به، فمثلا نجد أن أعياد الآلهة «أنوبيس» و«وبوات» و«تحوت» و«مين» وغيرهم قد لعبت دورا هاما بإثباتها على آثار الأسرة الأولى. يضاف إلى ذلك أنه كان هناك أعياد أخرى تقام احتفالا بانتصار الإله على أعدائه أو قهرهم، وأنه وصل بعد ذلك إلى الملك ليطلع مشعا بكل بهائه أمام الشعب محمولا على أعناق الكهنة في سفينته المقدسة، وقد مقل الإله «سوكر» في عهد الأسر الأولى بهذه الكيفية، وكذلك الآلهة الأخرى نجد لها صورا تدل على نفس الفكرة.
أما الإله «أوزير» الذي كان يسكن في جوف الأرض منذ وفاته، والذي كان يعيش ويحيا هناك رغم موته بقوة سحر قرينته «كا» التي تتقمص أجسام الموتى، فإن حادث وفاته كان له أكبر أهمية، لأنه منه نشأت قوته وسلطانه، ولذلك كانت تقام له محافل عظيمة تمثل كل أطواره في بلدة «العرابة» المدفونة.
وعند الاحتفال بأعياد الآلهة المحلية يسير سكان المقاطعة صفا صفا خشعا في موكب يرأسه حاكم المقاطعة أو الملك حسب الأحوال، وبصحبته الذين يعرفون الطقوس وخدام الإله، الذين يحيون طلعته ويقدمون له الخشوع والخضوع، وعند نشوب صراع بين الآلهة كان أتباعه يحاربون من أجل إلههم بالأسلحة والعصي، وينتحبون عند هزيمته وموته، ويمثلون عين «حور» بالقرابين، ويحيون ظهور الإله ثانية أو ميلاده، ويجلسون تمثاله على العرش أو ينصبون عمود «أوزير»، أو يقودون الإله عندما يتزوج بإلهة مجاورة أو يحضرون له امرأة إلى المعبد.
ورغم هذه التغييرات الخطيرة والحوادث المتعاقبة بنظام فإن الآلهة مع ذلك كانت تمثل في نظرهم قوى أبدية باقية دائما وعاملة سواء أخضعت هذه القوى أو ماتت، أو دبت فيها الحياة من جديد وولدت ثانية، على أنه لا توجد لحظة يمكن الإنسان أن يستغني فيها عن حماية الآلهة؛ إذ إنهم كانوا يقفون على الدوام بالقرب من أتباعهم متمتعين بكل سلطانهم وقوتهم، ولذلك كان في مقدور الإنسان أن يدعوهم لمساعدته، ويلتمس عطفهم ورضاهم. على أن الاعتقاد الديني لم يؤثر على التناقض بين هاتين الفكرتين؛ لأن العقيدة دائما مرتبطة بوقت الحاجة الملحة التي تخلقها الظروف دون البحث في أي تناقض أو تضارب، على أن هذا الاختلاف يؤدي رغم ذلك إلى النتيجة الآتية:
وهي أن الحوادث التي لها ارتباط بالأعياد سببها في الواقع الظواهر الطبيعية التي تضعها أمامنا الطبيعة، ولكن خيال المصري كان يرجع بها إلى أزمان سحيقة ويعزوها إلى ظهور الإله لأول مرة وأخذه الشكل الذي ظل باقيا عليه فيما بعد، ومن ثم تحولت هذه الحوادث التي وقعت في أزمان معينة إلى أعياد تشيد بذكرى الأعمال العظيمة أو الآلام الشديدة التي تحملها الإله لصلاح المجتمع الإنساني ورفاهيته، والتي يتوقف عليها نظام الكون وشعائر هذه الأعياد التي يصحبها كثير من الآلات والطقوس المقدسة، والرموز المختلفة تحتاج كذلك إلى تفسير، فهذه الحوادث تكون وليدة اللحظة التي وقعت فيها تحدث غالبا عند ظهور أمور خارقة للعادة، فتبقى عليها الطقوس الدينية من غير ما تبصر ولا روية، حتى بعد أن يتضح أنها غامضة لا تفهم، ومن ثم تأخذ صبغة سرية غامضة لها مفعول عظيم وتحاط بشيء من الرهبة والتقديس، ومن مثل هذه الأمور جاءت الضرورة لخلق الأساطير الدينية التي يدعي رجال الدين أنها تفسر هذه الأشياء الخارقة للعادة، وكذلك تفسر لنا صور الآلهة وأخلاقهم بحوادث وقعت في الأزمان السحيقة في القدم، ثم تناقلها عباد الإله كأنها أسرار مقدسة، ومن ثم أخذ الإنسان يشترك فيها بإقامة الشعائر واتباع الطقوس الدينية اللازمة لذلك، وبخاصة مراعاة قواعد النظافة وطهور الجسم والأطعمة المنصوص عنها كما فرضتها الشريعة عندهم، وكذلك يراعى اجتناب كل رجس مثل النجاسة التي تحدث من اختلاط الجنسين، وأن يكون الشخص مختونا، وذلك كله كان من أقدس شعائر الدين عند المصريين.
অজানা পৃষ্ঠা