روى لي الثقة أنه قبض روحه وهو يصليها مستلقيا من المرض، وكان محلقا وشيخ أهل زمانه في أصول الدين وأصول الفقه(1)، وله موضوعات ومسائل فقه مروية وأنظار واجتهاد، فعراه الخوف، وأذهل لبه، فترك نشر العلم، واشتغل بالعبادة، وقد أخذ منه بالنصيب الأوفر - إن شاء الله - وكان لا يدخر شيئا حتى ليومه، بل يؤثر به إخوانه، ويواسي بما فتح الله له أهل الفاقة من المسلمين، وكان يدان المئين والألوف من الدراهم والدنانير في تزويج الفقراء من درسته وإخوانه، ومن شكا عليه العنت وما خلف شيئا من متاع الدنيا إلا ثوبا وكوفية ونعلا، وكان تحته بساط خلق وفروة عارية، وتولى قضاء ديونه، وتولى مشقة أطفاله ولده الفقيه الفاضل الزاهد محمد بن حاتم بن منصور.
روى لي ولده هذا أن تاجرا من أهل صنعاء، وكان صالحا فقيها جاءه ليودعه وهو يريد التجارة إلى مصر فقال له حاتم: يا فلان، لو خيرت بين أن أحوز هذا /290/ الذي يشغلك أو أكون أعمى أصم لاخترت العمى والصمم، وكان لا تأخذه(2) في الله لومة لائم، جاءه يوما أمير صنعاء وملكها معتذرا في حد سارق وجده أخذ على أخ من إخوته ثوبا في الليل، فسلم على الفقيه، وأراد تقبيل يده، فانزوى عنه الفقيه، وعف عن مس يده كأنها ثعبان، فقال: يا سيدنا قد فعلنا بهذا السارق، وصنعنا، فقال له الفقيه - أعاد الله من بركاته -: يا عبد الله، هذا السارق يأخذ الناس بالليل، وأنت تأخذهم بالنهار، فبهت ذلك الأمير، وولى منكسر القلب مسود الوجه.
পৃষ্ঠা ৫২৪