الفصل الثامن
الزواج
الزواج صلة شرعية بين الرجل والمرأة، تسن لحفظ النوع وما يتبعه من النظم الاجتماعية.
وشريعة الإسلام في نظام الزواج بهذه المثابة، شريعة تامة تحيط بجميع حالاته، وهي على أتمها في الجانب الذي يتناوله أشد النقد من قبل المخالفين للإسلام عامة، أو المخالفين فيه لنظام الزواج على التخصيص، ونريد به الجانب الذي ينص على إباحة تعدد الزوجات.
فالإسلام لم ينشئ تعدد الزوجات، ولم يوجبه، ولم يستحسنه، ولكنه أباحه في حالات يشترط فيها العدل والكفاية، ولا تحسب الشريعة الاجتماعية تامة وافية ببيان المباح والمحرم في جميع الحالات، إن لم تعرض لهذا الجانب من جانب الزواج، ولم تعتبره احتمالا من الاحتمالات، التي تحتاج إلى النص عليها بالإباحة أو التحريم.
فليس البحث هنا عن تعدد الزوجات هل هو واجب أو غير واجب، وهل هو من العلاقات المثالية أو من العلاقات التي تتخلف عن مقام المثل الأعلى في الأخلاق. فإن الشرائع لا تفرض للمثل الأعلى الذي يتحقق به الكمال، ولكنها تفرض لأحوال الضرورة كما تفرض لأحوال الاختيار، ويحسب فيها حساب ما يقبل على الرضى، وما يقبل على الكره. ولا بد فيه من حكم للشريعة تقتضيه عند الحاجة إليه.
فليس النص على إباحة تعدد الزوجات؛ لأنه واجب على الرجل أو مستحسن مطلوب، وإنما النص فيه لاحتمال ضرورته في حالة من الحالات. ويكفي أن تدعو إليه الضرورة في حالة بين ألف حالة، لتقتضي الشريعة بما يتبع في هذه الحالة ولا تتركها غفلا من النص الصريح.
ومن مخالفة الواقع أن يقال: إن هذه الحالة لا تعرض للناس في وقت من الأوقات، فإن مثلا واحدا من أمثلة كثيرة قد يجعل السماح بتعدد الزوجات أفضل الحلول، ويجعل كل حل سواه قسوة بالغة أو تعطيلا لأشرف الأغراض التي يشرع من أجلها الزواج.
فقد يحدث أن تصاب الزوجة بمرض عضال، يقعدها عن واجباتها الزوجية، ويفقدها وظيفة الأمومة، فإذا امتنع تعدد الزوجات في جميع هذه الحالات فلا محيص للزوج الذي عقمت زوجته، وعجزت عن تدبير بيتها، من تطليق تلك الزوجة، أو من الإبقاء على زواج فقد معناه، وبطل الغرض الأكبر منه للأسرة وللنوع، ولم يبق منه للرجل إلا تكاليف الخدمة البيتية التي تعوله وتعول زوجته بلا عقب ولا سكن يطمئن إليه. •••
فالسماح بتعدد الزوجات في هذه المشكلة البيتية حل مقبول أسلم وأكرم من نبذ المرأة المريضة، ومن إكراه الرجل على العقم والمشقة. وليس من موانع التشريع في أمثال هذه المشكلات، أن تكون فيه غضاضة على المرأة التي يبني الرجل بزوجة أخرى، مع بقائها في عصمته. فإن الغضاضة لاحقة بها في الطلاق، وليست الغضاضة التي تصيب الرجل المقسور على العقم واحتمال تكاليف الخدمة البيتية بالأمر الذي يسهو عنه التشريع، بل هي أولى بنظر الشريعة التي تقدس الزواج وتحفظ قوامه، إذ كان إهمالها إهمالا لحكمة الزواج، وإلغاء لمقصد الشارع من إبرام الصلة بين الزوجين، وتحريم الزنى والفسوق.
অজানা পৃষ্ঠা