قلت : كنت أدرس في أبها ، والعلم عندي من الشهد أشهى ،لا أخرج من الحارة، من البيت إلى المنارة ، وقليلا ما أركب السيارة . كانت الكتب أغلى عندي من الذهب، فإذا تفردت بكتاب ، نسيت الأصحاب والأحباب .
كنت أصلي الفجر ، ثم أجلس في مصلاي لطلب الأجر ، فإذا داعبني النعاس ، قلت : لا مساس ، فإذا غدا الطير من وكره وطار ، وقضيت وجبة الإفطار ، ذهبت إلى الكلية ، ونسيت الدنيا بالكلية .
وكأن زملائي أهل جد وجلد ، والكل منهم مثابر مجتهد . ذكرونا بالصحب الأول ، وكانوا من سبع دول ، اثنان من السعودية ، أخلاقهم ندية ، وصداقتهم ودية ، وآمالهم وردية . وأربعة من اليمن ، تشتري صحبتهم بأغلى ثمن ، وأعدها علي من أحسن المنن ، وواحد من أوغندا ، يهد الدروس هدا ، كأنه ليث إذا تبدا ، وطالبان من السودان أعذب من الماء عند الظمآن ، وطالب من دولة بنين ، قوي أمين ، ومن نيجيريا أربعة طلاب ، يكرمون الأصحاب ، ويتحفون الأحباب ، وواحد من الصومال ، من خير الرجال ، مع صبر واحتمال . فإن اختلفنا في الديار ، فنحن إخوة في شريعة المختار .
فاجتمع في الفصل اللسان ، والألوان ، واللغات ، واللهجات ، من كل الجهات . فصرت أنا بينهم كسحبان وائل ، ولو أنني أعيا من باقل . فكنا في أحسن زمالة ، لا سآمة ولا ملالة ، ودرسنا أساتذة ، بعضهم جهابذة ، فكان منهم من يحضر وينظر ، ويأتي الفصل وهو مبكر .
تخاله من ذكاء القلب متقدا
ومن تلهبه في العلم نشوانا
ومنهم من كان يقرأ علينا من صحف اكتتبها ، فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ، فكان يرتل علينا المقرر ترتيلا . وربما تعب فقال لنا : ضعوا تحت هذه الكلمة خط ، ولا يزيد على ذلك قط .
পৃষ্ঠা ২২