بعد ذلك بقليل انتهى القداس. كانت المتاجر بصدد إغلاق أبوابها، واتخذت كل منا طريقا منفصلا للعودة إلى منزلها. كان ثمة طريق مختصر يمكنني أن أسلكه، وكان عبارة عن جسر مشاة فوق النهر. وحينما شارفت على الوصول إلى نهايته، سمعت صوت ركض شديد، أقرب إلى صوت ارتطام مكتوم، من خلفي، حتى إن ألواح الجسر قد اهتزت تحت قدمي. استدرت جانبا وظهري بمواجهة سور الجسر، وقد تملكني القليل من الخوف حرصت على ألا أظهره. لم يكن هناك أي أضواء بالقرب من الجسر وكانت الأجواء مظلمة للغاية آنذاك.
حين اقترب صاحب الصوت أدركت أنه عازف الترومبون مرتديا زيه شديد السواد. كانت حقيبة الترومبون هي مصدر صوت الارتطام حيث كانت تصطدم بالسور.
قال لي لاهثا: «لا عليك، إنه أنا. كنت أحاول فقط اللحاق بك.»
قلت: «كيف عرفتني؟» «بإمكاني الرؤية قليلا، وكنت أعرف أنك تسكنين في هذه الناحية، واستطعت أن أحدد أنه أنت من خلال مشيتك.»
تساءلت: «كيف؟» مع معظم الناس، كان مثل هذا الافتراض المسبق يجعلني في قمة الغضب بدرجة تعوقني عن التساؤل. «لا أعلم، إنها مشيتك فحسب.» •••
كان اسمه راسل كريك، كانت عائلته تنتمي إلى منظمة جيش الخلاص، فكان والده هو الواعظ سائق العربة، ووالدته واحدة من منشدي الترانيم. ونظرا لأنه كان يعمل مع والده ومعتادا على التعامل مع الخيول، وظفته لديها ميريام ماكالبن بمجرد أن ترك المدرسة، وكان ذلك بعد اجتيازه الصف الثامن، وكان هذا الأمر شائعا جدا بين الصبية في تلك السنين. فنظرا لظروف الحرب، كان ثمة العديد من الوظائف لشغلها بينما هم - وهو معهم - في انتظار أن يكبروا بحيث يلتحقوا بالجيش. وكان سيبلغ السن التي ستؤهله لذلك في سبتمبر.
لو كان راسل كريك قد أراد اصطحابي للخروج معه بالطريقة المعتادة، للذهاب إلى السينما أو للرقص، لما كانت هناك فرصة لقبول عرضه؛ فقد كانت أمي ستقول إنني ما زلت صغيرة جدا على ذلك. وعلى الأرجح أنها لم تكن لتشعر بضرورة أن تقول إنه عامل إسطبل ووالده ينقل الفحم وعائلته بأكملها كانت ترتدي ملابس جيش الخلاص ويشاهدون في الشارع باستمرار. وكانت تلك الاعتبارات تعني شيئا لي أنا أيضا، إذا تعلق الأمر بالظهور معه علنا باعتباره رفيقي. لقد كانت تعني شيئا على الأقل حتى يلتحق بالجيش ويصبح حسن المظهر بحيث يكون من اللائق تقديمه إلى الآخرين. ولكني في الواقع لم أكن مضطرة للتفكير في أي من ذلك. فلم يكن باستطاعة راسل اصطحابي إلى السينما أو إحدى صالات الرقص؛ لأن دينه كان يمنعه هو نفسه من الذهاب إلى هناك. لقد كانت العلاقة التي نشأت بيننا تبدو سلسة، وشبه طبيعية، بالنسبة إلي؛ لأنها كانت في بعض جوانبها - وليس كلها - تشبه كثيرا تلك العلاقة العادية المعترف بها بالكاد ذات الطبيعة المؤقتة التي تنشأ بين الأولاد والفتيات في مثل سني، وليس سنه.
كنا نركب الدراجات لسبب ما، فلم يكن راسل يمتلك سيارة ولم يكن أمامه من سبيل للحصول على واحدة، على الرغم من إجادته للقيادة؛ فقد كان يقود شاحنة إسطبل الخيول. لم يكن يأتي ليصطحبني من منزلي ولم أطلب منه ذلك مطلقا، بل كنا نخرج من البلدة بالدراجات كل بمفرده بعد ظهيرة يوم الأحد ونلتقي دائما في نفس المكان، عند مدرسة تقع عند مفترق طرق على بعد ميلين أو ثلاثة أميال من البلدة. كان لجميع المدارس الريفية أسماء تعرف بها وليس أرقاما رسمية تنقش على أبوابها، فلم تكن هناك أبدا مدرسة اسمها إس رقم 2، أو إس إس رقم 5، بل كانت هناك مدرسة لامبس، ومدرسة بروسترز، ومدرسة ريد بريك ومدرسة ستون. وكانت المدرسة التي وقع عليها اختيارنا، والتي كانت معروفة لي مسبقا، تسمى مدرسة فلوينج ويل (النبع المتدفق)، وكانت تلك التسمية تعزى إلى وجود نبع ضيق من الماء يتدفق باستمرار من إحدى المواسير في ركن من أركان فناء المدرسة.
كانت تحيط بذلك الفناء، الذي كانت حشائشه تجز دائما حتى في الإجازات الصيفية، أشجار قيقب يانعة تلقي بظلال شبه سوداء. وفي أحد الأركان كان ثمة كتلة من الحجر ينمو منها بعض الحشائش الطويلة، حيث كنا نخبئ دراجتينا.
كان الطريق أمام فناء المدرسة نظيفا ومفترشا بالحصى، إلا أن الطريق الجانبي، الذي كان يؤدي لأحد التلال، لم يكن يعدو أكثر من ممر ضيق في حقل، أو درب غير ممهد. على أحد جانبيه كان ثمة مرعى مغطى بالزعرور البري والعرعر، وعلى الجانب الآخر مجموعة من أشجار البلوط والصنوبر يفصل بينها وبين ضفة الطريق حفرة. كان في هذه الحفرة مقلب نفايات؛ ليس مقلب النفايات الرسمي للمنطقة، وإنما مجرد مقلب نفايات غير رسمي صنعه أهل المنطقة. وكان هذا يثير اهتمام راسل، وفي كل مرة كنا نمر به كان لا بد أن نميل فوقه ونحملق في الحفرة لنرى إن كان به أي شيء جديد أم لا. ولم يكن المقلب يحوي أي جديد قط؛ إذ كان في الغالب لم يستخدم لسنوات، ولكن كثيرا ما كان يتمكن من التقاط شيء لم يكن قد لاحظه من قبل. «أترين؟ هذه شبكة رادياتور محرك في-8.» «أترين أسفل عجلة العربة؟ ذاك راديو قديم يعمل بالبطارية.»
অজানা পৃষ্ঠা