1009
وفي روايةٍ أخرى قال (^١): «وفي الآخر خيرٌ كثير».
وقد قال ﷺ لبني عمرو بن عوف حين نزلت: ﴿لمسجدٌ أُسِّسَ على التقوى (^٢)﴾: «ما الطُّهور الذي أثنى الله به عليكم؟». فذكروا له الاستنجاء بالماء، بعد /٣٩٧ الاستجمار بالحجارة. فقال: «هوذاكم فعليكموه» (^٣).
وليس بين الحديثين تعارضٌ، كلاهما أُسس على التَّقوى. غير أن قوله تعالى: ﴿من أوَّل يوم﴾ يقتضي مسجد قباء؛ لأنَّ تأسيسه كان في أول يوم من حلول رسول الله ﷺ دارَ هجرته والبلد الذي هو مهاجره، وفي قوله سبحانه: ﴿من أوَّل يوم﴾ وقد علم أنَّه ليس أول الأيام كلها، ولا أضافه إلى شيء من اللفظ الظاهر، فيه من الفقه صحَّةُ ما اتفَّق عليه الصَّحابة مع عمر ﵁، حين شاورهم في التَّاريخ، فاتفَّقَ رأيُهم أن يكونَ التَّاريخ من عام الهجرة؛ لأنَّه الوقت الذي عزَّ فيه الإسلام، والحين الذي أمن فيه النبي ﷺ وأسس المساجد، وعَبَدَ الله آمنًا كما يحب، فوافق رأيهم هذا ظاهر التَّنْزيل، وفهمنا الآن بفعلهم أنَّ قوله سبحانه: ﴿من أوَّلِ يومٍ﴾ أنَّ ذلك اليوم هو أوَّلُ يوم التاريخ الذي يُؤرَّخ به الآن، فإنْ كان أصحاب رسول الله ﷺ أخذوا هذا من الآية فهو الظنُّ بِهم وبأفهامهم؛ لأنَّهم أَعلمُ النَّاس بتأويل كتاب الله وأفهمهم بما في القرآن من إشارات إفصاح، وإنْ كان ذلك منهم عن رأي واجتهاد فقد علم الله ذلك منهم قبل أنْ يكونوا، وأشار إلى صحته قبل أن يفعل، إذ لا يعقل قول

(^١) أخرجه الترمذي في أبواب الصلاة، باب ما جاء في المسجد الذي أسس على التقوى، رقم: ٣٢٣، ٢/ ١٤٤.
(^٢) سورة (التوبة)، آية: ١٠٨.
(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٤٢٢ من حديث عويم بن ساعدة. وابن ماجه، في الطهارة، باب الاستنجاء، رقم: ٣٥٥، ١/ ١٢٧.

3 / 1012