যুক্তিসঙ্গত ও অযৌক্তিক আমাদের চিন্তাশীল ঐতিহ্যে
المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري
জনগুলি
31
لكننا نخطئ لو سبق إلى أوهامنا ظن بأن هؤلاء «الإخوان» قد اطردت معهم الوقفة التجريبية العلمية في كل ما تعرضوا له من مسائل، إننا لو توقعنا منهم شيئا كهذا لفاتتنا - إذن - روح عصرهم، فكيف نتجاهل حقيقة كبرى في روح الثقافة التي أحاطت بهم من أنها ثقافة استمدت روافدها من عيون مختلفة، فلما صبت تلك الروافد ماءها في وعاء واحد، امتزج بعضها ببعض امتزاجا عضويا متكاملا آنا، وتنافر بعضها مع بعض فكانا أقرب إلى العناصر المتجاورة منهما إلى العناصر الممتزجة.
وها هم أولاء أصحابنا «الإخوان» يميلون مرة نحو النظرة التجريبية الحسية، كالتي رأينا نموذجا منها في الصفحات السالفة، ثم يميلون مرة أخرى نحو نظرة عقلانية الأسس، فلا تقوم على حس ولا تجربة، سواء شعروا بتلك المفارقات أو لم يشعروا، فربما كانوا على وعي بمفارقاتهم تلك، لكنهم آثروا أن يقفوا من كل مجال فكري الموقف الذي يناسبه، دون أن يكلفوا أنفسهم شطط التوحيد الشامل الكامل في نظرة واحدة متسقة أصولها مع فروعها، وكلياتها مع جزئياتها.
فقد جعلوا القسم الأول من رسائلهم للفكرة الرياضية التي نقلوها نقلا عن الفيثاغوريين الأقدمين، وإذا قلنا «الفكرة الرياضية» هنا، فكأننا قلنا إن النظرة أساسها عقلاني، ثم تجيء التجربة على سبيل التطبيق المؤيد، لا على سبيل الينبوع الذي نشتق منه ونستقي، فنحن نعلم أن فيثاغورس وأصحابه قد جعلوا «العدد» أساسا لتفسير الكون بكل ما فيه من كائنات، بمعنى أن الأشياء «صنعت» صنعا من العدد تماما كما نقول مثلا إن هذه المنضدة مصنوعة من الخشب، وذلك المفتاح مصنوع من حديد، كيف؟ ابدأ النظر كما بدأ فيثاغورس بأن تنظر إلى الأشياء نظرة «هندسية»، واجعل المميز الذي يميز شيئا من شيء هو «الشكل» الذي صيغ فيه، فعندئذ لا يكون الفارق بين كتابي هذا وقلمي أن الكتاب من ورق والقلم من معدن، بل يكون الفارق هو أن الكتاب مستطيل الشكل والقلم أسطواني، فإذا بدأت هذه البداية ونظرت إلى الأشياء هذه النظرة، سهل عليك بعد ذلك أن تصنف الأشياء على أساس «الأشكال» الهندسية، فمنها ما هو «نقطة» ومنها ما هو «خط» ومنها ما هو «سطح» ومنها ما هو «مثلث» أو «مربع» أو «مستطيل» أو «دائري» إلى آخر الأشكال التي يمكن أن تتفرع من هذا الأصل، إن كان لهذه الأشكال آخر.
فالأساس - كما ترى - عقلي صرف، ثم تجيء بعد ذلك ممارستنا التجريبية للأشياء الواقعة، فنردها إلى تلك الأقسام العقلية النظرية، ولعل الغلطة «الرياضية» الأولى التي وقع فيها الفيثاغوريون، والتي تتابعت منها بقية الأغلاط الفرعية، هي أنهم وحدوا بين وحدة الهندسة (التي هي النقطة) ووحدة الحساب (التي هي الواحد)، ومن ثم جعلوا فكرة «النقطة» وفكرة «الواحد» مترادفتين، فإذا وضعنا نقطة إلى جوار نقطة أخرى، نشأ - هندسيا - خط، وهنا يقفز الفيثاغوريون من مستوى الهندسة إلى مستوى الحساب، فيقولون: إن الخط هو اثنان، وهكذا دواليك في سائر الأشكال؛ كل شكل يقابله عدد، فإذا رأينا شيئا على شكل مثلث - هندسيا - رمزوا له هم بالعدد ثلاثة، على أساس أن أقل عدد يمكن أن يكون منه النقاط على شكل مثلث هو الثلاثة، بأن تجعل اثنين منها قاعدة، ثم تضع الثالث عليهما ليكون رأسا للمثلث، وهكذا.
أخذ إخوان الصفا هذه الفكرة وتبنوها لأنفسهم، ولا غرابة؛ فطريقة تكوينهم نفسه من حيث هم جماعة من الخلان الأوفياء بعضهم لبعض، هي كطريقة الفيثاغوريين حين ألفوا من أنفسهم أول الأمر جماعة من الإخوان تربطهم الصداقة والطهر وخلوص النصح وصفاء النية، فكان أن جعل إخوان الصفا «العدد» أصلا للأشياء، كما فعل الفيثاغوريون سواء بسواء ، ورتبوا على ذلك نتائجهم، سواء بالنسبة إلى الأمور الطبيعية أو الأمور الروحانية بغير تمييز.
وهم يعترفون بتبعيتهم للمذهب الفيثاغوري صراحة، فتراهم يقولون: «نقول على رأي فيثاغورس الحكيم: إن طبيعة الموجودات بحسب طبيعة العدد، فمن عرف العدد وأحكامه، وطبيعته وأجناسه، وأنواعه وخواصه، أمكنه أن يعرف كمية أجناس الموجودات وأنواعها» (ج3، ص178)، «فلما كان الباري هو مبدع الموجودات، فهو الواحد بالحقيقة» وإن جميع الأشياء تتجانس من حيث الهيولى - أي من حيث مادتها - فإذا اختلفت بعد ذلك وتباينت، فإنما يكون ذلك من حيث الصورة، والصور تختلف بين شيء وشيء ، بحسب مقادير الشكل فيهما، فهنالك من الأشياء ما هو ثنائي، وما هو ثلاثي، أو رباعي، وهكذا.
فمن الثنائيات: الهيولى والصورة، الجوهر والعرض، العلة والمعلول، البسيط والمركب، المظلم والمنير، المتحرك والساكن، العالي والسافل، الحار والبارد، الرطب واليابس، الخفيف والثقيل، الخير والشر، الصواب والخطأ، الذكر والأنثى؛
ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون .
ومن الثلاثيات: الأبعاد الثلاثة؛ الطول والعرض والعمق، والمقادير الثلاثة؛ الخط والسطح والجسم، والأزمان الثلاثة؛ الماضي والحاضر والمستقبل، ودرجات الحق؛ الواجب والممتنع والممكن، والعلوم الثلاثة؛ الرياضية والطبيعية والإلهية.
অজানা পৃষ্ঠা