هذا إيمان سقراط بالعقل وحبه للخير، وما رأيت أبا العلاء يدعي أكثر من هذا، ولا يدعو إلى أبعد من ذلك.
وأبو العلاء لم يخف على معاصريه، فعرفوه واكتشفوه قبل أن نكتشفه نحن كما ادعى بعضنا. لقد عرفوه كما عرف ابن الزيات الجاحظ فقال: «أثق بظرفه ولا أثق بدينه.»
وبعد، أليس كل ما تحدثنا عنه مدموجا في الدعوات والعلوم الفاطمية؟ فلا حاجة إذن أن يفتش عنه أبو العلاء هنا وهناك، كما أنه ليس لنا أن نتساءل إن كان قرأ سقراط وأفلاطون وأبيقور ولوكريس وموكريس ... فكل هذا كان معروفا من القوم، ناهيك بأن العقل في كل زمان ومكان يدل على هذا، وأبو العلاء لم يؤمن بغير العقل الذي قدسه فلاسفة اليونان جميعا وبه استعانت الدعوة الفاطمية وعليه بنت أسسها، حتى اليوم.
أما «الخير» فهو عندهم بمثابة الله، بل هو الله، وهذا ما دعا إليه الفاطميون، وأذنوا به، وذكروه مع الله، «حي على خير العمل.» وفي الخير يقول أفلاطون: «الخير شيء أسمى من الماهية بما لا يقاس كرامة وقدرا، وهو رباط كل شيء وأساسه، والخير غاية العقل القصوى.» والمحرك الأول يصير عند أرسطو «هو الخير بالذات؛ فهو مبدأ الحركة، هو المبدأ المتعلقة به السماء والطبيعة.»
ويقول أرسطو أيضا: «كل فن وكل فحص عقلي، وكل فعل وكل اختيار مروى فهو يرمي إلى خير ما؛ لذلك رسم الخير بحق إنه ما إليه يقصد البشر وعلى معرفة الخير يتوقف توجيه الحياة.»
أما اللذة التي عافها المعري فهي عند المعلم الإلهي «غاية العبيد والبهائم، وهي حياة العوام الأجلاف»، والسعادة تتحقق «بتأمل الخير الأعظم والاتحاد به»، والميول تصير خيرة باتباع العقل، وشريرة بعصيانه. «ومن يتوهم أن المثابرة غير لازمة للحصول على الكمال مثله مثل المريض الذي يريد الشفاء ولا يستعمل وسائله.»
ويقول أرسطو: «الخير يسمى بأسماء كثيرة فيقال له الله، أو العناية أو العقل.»
أما أبو العلاء فدعا إلى الخير، وفهمه كما فهم النصارى «الندامة الكاملة»؛ أي لا خوفا من الجحيم ولا طمعا بالنعيم، وهي عندهم توصل إلى ملكوت الله توا وبلا واسطة. أما الكهنة فيقولون إنها صعبة جدا فلا يخاطر المؤمن بنفسه ما زال الكاهن موجودا. وشاعرنا يقول في هذا:
ولتفعل النفس الجميل لأنه
خير وأحسن لا لأجل ثوابها •••
অজানা পৃষ্ঠা