وأعتقد أننا في مثل هذا الموقف الآن: فظروف اجتماعية واقتصادية تغيرت واشتد بها التغير، وسلم للقيم باق على حاله، وإذا فالثورة الحقيقية التي نريدها، هي أن نقلب هذا السلم قلبا تتغير معه أوضاع درجاته بنسبة بعضها لبعض، وعندئذ نجد أن درجات سفلى ستعلو، ودرجات عليا ستسفل.
كنا أمة زراعية رعوية، نشتغل بالزراعة اليدوية فنتخلق بأخلاقها، وإلى جانب ذلك ورثنا أخلاق الرعاة البدو عن آبائنا العرب، فكان لنا من هذا المزيج الزراعي الرعوي أساس تقويمنا لكل شيء، لكن الزراعة والرعي قد مستهما عجلات الآلات الصناعية، وللصناعة أخلاق غير أخلاق الزراعة والرعي، فلا بد لنا من ثوب جديد ليلائم الجو الجديد. •••
لم يعد بد في الحياة الجديدة من رفع قيمة العلم الطبيعي وخفض قيمة الوسائل الكلامية؛ لأن آلات المصانع لا يديرها الشعر المقفى ولا النثر المسجوع، فإن كانت الإبل في حياة البدو الرحل بحاجة إلى حداء الشاعر لتقطع الفلاة على حلو النغم، فإن القطار لا يستمع إلى غناء ولكنه يريد قضبانا من حديد، والطائرة لا غنى لها عن محركات من الصلب الصليب، كان آباؤنا العرب يتنافسون في عكاظ كل عام ليروا أيهم أشعر من أخيه ليتقرر بذلك أي القبائل أعلى منزلة وأعز جانبا، لكن ميدان التنافس اليوم كائن بين مخابير المعامل وأنابيبها وغازاتها وعناصرها؛ لأن الغلبة للسابق في إعداد الآلة، ولم تعد الغلبة كما كانت للشاعر المجيد وعشيرته.
نفتح كيس البريد الوارد إلى «الثقافة»
1
فإذا نسبة الوارد هي عشر قصائد من الشعر مقابل مقالة واحدة، وبين المقالات النثرية نفسها تجد نسبة البحوث الأدبية إلى البحوث العلمية عشرة إلى واحد أيضا. أعني أن في كل مائة ممن يهتمون بالكتابة تسعين شاعرا وتسعة من الأدباء الناثرين وعالما واحدا، وربما تطيب هذه النسبة الثقافية في قبيلة بدوية أو في قرية زراعية تجر المحراث بالأيدي، فتعمل ساعة وتستريح خمس ساعات تستمع خلالها لما ينشده الشعراء من شعر، لكن العالم قد تغير، وقيم الأشياء ينبغي كذلك أن تتغير تبعا له.
ولا يزال لواء الحكم معقودا عندنا - في أغلب الأحيان - للخطيب البليغ في تنميق اللفظ، القدير في رفع الصوت وخفضه، لا للعالم الإحصائي في شئون الدنيا الجارية من حرب واقتصاد، وحتى الكاتب الذي يكتب للناس في الصحف، تراه أميل إلى صب أسلوبه في قالب الخطابة الذي يؤثر في النفوس الساذجة، أكثر منه إلى مراعاة الدقة والأمانة في رصد الحقائق.
ولم يعد بد في الحياة الجديدة من رفع قيمة العامل بيديه وخفض قيمة المفكر النظري الذي يشطح بفكره في السماء ويأبى النزول إلى الأرض مع أبناء آدم وبناته، فالكفاءة العملية لا «شهادة الكفاءة» النظرية هي مقياس التقدير، ومضى العهد وانقضى الذي كان فيه التفكير النظري المجرد من القدرة على التطبيق من علامات التهذيب والسيادة.
ولم يعد بد في الحياة الجديدة من تغيير النظر إلى المرأة تغييرا كاملا شاملا، ولست أقصر حقها على ما تطالب به من فتح الأبواب أمامها على مصاريعها لتعمل إلى جانب الرجل وتنافسه، بل أزيد على ذلك نقطة أخرى أغفلها المطالبون للمرأة بحقوقها، وأراها جوهرية في تكامل شخصيتها تكاملا يلائم روح العصر الجديد النشيط العامل، وتلك أن المرأة مسئولة عن نفسها، وليس المسئول أخا لها أو والدا كما كانت الحال أيام القبيلة، حين كانت المرأة وعاء يستولده الرجل ما شاء لنفسه من بنين وبنات.
عفة المرأة في الحياة البدائية هي الشغل الشاغل، وهي محور الأخلاق كلها، فإن سلمت كانت الأخلاق بخير، مهما يكن بعد ذلك بين الناس من تقتيل وسرقة ونهب ورشوة وفساد؛ وذلك لأن الغريزة الجنسية عندهم هي الهدف الوحيد الذي يحيون من أجله، وها نحن أولاء نسمع كل يوم صراخا ينبعث من هنا وهناك خوفا من «المدنية الغربية» لأنها تهدم الأخلاق! و«الأخلاق» عند الصارخين المستغيثين هي عفة المرأة ولا شيء غير ذلك، ظنا منهم أن المرأة عندنا أعف منها عندهم، أما أن يكون من الأخلاق ألا تسرق أموال الدولة وأنت قيم عليها، وألا ترفع أنصارك وأصهارك على حساب أصحاب الحق، وألا تجبن عن التصريح برأيك حين تشعر بأنه الحق، وألا تسكت على ظلم تراه، وألا تسطو على العاجزين في طعامهم، حين تستبيح لنفسك أكثر مما ينبغي لك، فيتبقى للعاجزين أقل مما ينبغي لهم ... إلى آخر هذه القائمة الطويلة العريضة من «الأخلاق» بمعناها الصحيح، فليس ذلك كله عندهم بشيء مذكور ما دام «الحريم» مصونا في الخدور.
অজানা পৃষ্ঠা