ولنعد إلى راندنج بعد العرب غزاها البرتغاليون. أما نحن فقد نجونا؛ لا ميناء ولا برتغاليين؛ ومن ثم لم تكن لدينا قلة كاثوليكية، ولا هراء الكفاء الذين يقولون إنها إرادة الله أن يتكاثر الناس حتى يسبحوا في حالة من البؤس دون مستوى الإنسانية، ولم نقاوم تحديد النسل بطريقة منظمة. وليس ذلك وحده ما نعمنا به؛ فبعد مائة وعشرين عاما من احتلال البرتغاليين جاء الهولنديون إلى سيلان وراندنج، وبعد الهولنديين جاء الإنجليز، ونجونا من هذين الوبائين؛ فلا هولنديين ولا إنجليز؛ ولذلك لم نعرف كبار المزارعين، ولا مشقة العمال، ولا بيع المحصولات لتصديرها للخارج، ولا استنزاف التربة بطريقة نظامية، كما لم نعرف الويسكي، ومذهب كالفن، ولا مرض الزهري، ولا اللاأدريين الأجانب. تركنا وشأننا لنتحمل مسئولية أعمالنا. - بالتأكيد كنتم محظوظين.
وواصل رانجا حديثه قائلا: وفوق هذا الحظ المذهل كانت إدارة موروجان المصلح، وهي إدارة جيدة مذهلة، وكذلك وجود أندرو ماك فيل. هل حدثك الدكتور روبرت عن جده الأكبر؟ - قليلا. - هل حدثك عن تأسيس محطة التجارب؟
وهز ويل رأسه.
قال رانجا: محطة التجارب لها دخل كبير في سياستنا السكانية. وكانت بداية كل شيء مجاعة. وقد قضى الدكتور أندرو قبل قدومه إلى بالا بضع سنوات في مدراس. وفي السنة الثانية من إقامته هناك لم تهب الرياح الموسمية، فاحترقت المحاصيل، وجفت الأحواض بل والآبار. ولم يتوافر الطعام إلا للإنجليز والأغنياء، ومات الناس كما يموت الذباب. وفي مذكرات الدكتور أندرو فقرة مشهورة عن المجاعة؛ وصف لها وتعليق عليها. وكان قد استمع إلى كثير من المواعظ حينما كان صبيا، ومن هذه المواعظ موعظة كانت عالقة بذهنه وهو يعمل بين الهنود الجائعين. وتلك هي «ليس بالخبز وحده يعيش الإنسان»؛ هذا نصها. وقد بلغ الواعظ من الفصاحة ما حمل الكثيرين إلى اعتناق مذهبه: «ليس بالخبز وحده يعيش الإنسان.» ولكنه رأى حينئذ أنه بغير الخبز لا عقل ولا روح ولا ضياء باطنيا ولا الآب في السماء. ليس هناك إلا الجوع، واليأس، ثم اللامبالاة، وأخيرا الموت.
قال ويل: وهذه فكاهة كونية أخرى: «من عنده يعطى، ومن ليس عنده يؤخذ منه حتى ما يملك»؛ أي مجرد احتمال أن يكون إنسانا. وهذه أشد الفكاهات قسوة، وأكثرها شيوعا. ولقد رأيت ملايين الرجال والنساء يتأثرون بها، وملايين من الأطفال؛ في كل أرجاء العالم.
ولذلك تستطيع أن تدرك لماذا تركت المجاعة في ذهن الدكتور أندرو هذا الأثر الذي لا يمحى، فاعتزم كما اعتزم صديقه الراجا أن يتوافر في بالا الخبز على الأقل؛ ومن ثم كان قرارهما بإنشاء محطة التجارب. وكانت روثامستد في المنطقة الاستوائية ناجحة نجاحا عظيما؛ فبعد بضع سنوات كانت عندنا أنواع جديدة من الأرز والذرة والدخن وثمرة الخبز، وفصائل أفضل من الماشية والدجاج، ووسائل أفضل للفلاحة والمركبات. وفي الخمسينيات أنشأنا أول مصنع للفوسفات الممتاز شرقي برلين. وبفضل كل ذلك تحسنت التغذية، وطالت الأعمار، وقلت وفيات الأطفال. وبعد عشر سنوات من تأسيس محطة روثامستد الاستوائية أجرى الراجا تعدادا للسكان. وكان عدد السكان من قبل ثابتا إلى حد كبير لمدة قرن. أما الآن فقد بدأ يتزايد. وتنبأ الدكتور أندرو أن بالا سوف تتحول إلى نوع من أحياء الفقراء الفاسدة شبيهة بما عليه راندنج اليوم. فماذا كان يمكن عمله؟ وكان الدكتور أندرو على علم بمالتس. «إنتاج الطعام يتزايد بمتوالية عددية. أما السكان فيتزايدون بمتوالية هندسية.» وليس أمام الإنسان إلا أحد أمرين: إما أن يترك الأمر للطبيعة التي تحل مشكلة السكان بالطريقة المعروفة القديمة، بالمجاعات والأوبئة والحروب، وإما يحد من عدده بالكبت الذي لا يتنافى وقواعد الأخلاق (وقد كان مالتس من رجال الدين ).
وكررت الممرضة الصغيرة هذه العبارة: الكبت الذي لا يتنافى وقواعد الأخلاق، ونطقت العبارة باللهجة الإندونيسية التي تحاكي بها في سخرية ما قال به هذا الرجل الأسكتلندي المتدين. وأضافت: بهذه المناسبة هل تعلم أن الدكتور أندرو تزوج من عهد قريب بابنة أخ الراجا التي تبلغ من العمر ستة عشر عاما؟
وقال رانجا: ولقد كان ذلك سببا آخر في مراجعة نظرية مالتس. إما المجاعة وإما الكبت كما قال، لا بد أن تكون هناك طريقة أفضل وأسعد وأكثر إنسانية، هي وسط بين طرفي مالتس. وبالطبع كانت هناك مثل هذه الطريقة حتى في عهد مالتس، حتى قبل عهد الموانع الحديثة لوأد البذور المنوية. كان هناك الإسفنج والصابون والغلاف المانع المصنوع من كل ما عرف من مواد غير مسامية، من الحرير الناعم إلى أحشاء الأغنام المصمتة. كل الدروع التي تضبط النسل على طريقة بالا. - وكيف استجاب الراجا ورعاياه لهذه الطريقة؟ بالفزع؟ - أبدا؛ فهم بوذيون مخلصون، وكل بوذي مخلص يعلم أن الإنسان ليس إلا وأدا مؤجلا. وعلى المرء أن يبذل قصارى جهده لكي يبتعد عن عملية الميلاد والموت، ومن الخير ألا تسترسل في وضع ضحايا في هذه العجلة من غير داع. ضبط النسل عند البوذي له معنى ميتافيزيقي، وله مغزى اجتماعي واقتصادي لمجتمع القرية الذي يزرع الأرض. ولا بد أن يتوافر عدد من الشباب للعمل في الحقول ولكي يعولوا المسنين والصغار. على ألا يزيد عددهم عن المطلوب؛ لأن ذلك لو حدث لما توافر الغذاء للمسنين ولا للعمال ولا لأطفالهم. كان الزوجان في الماضي ينجبان ستة أطفال لكي يبقى منهم اثنان أو ثلاثة. ثم توافر الماء النقي ووجدت محطة التجارب، فأمكن أن يبقى خمسة من الأطفال الستة. وأمست الأنماط القديمة للتكاثر بغير معنى، ولعل الاعتراض الوحيد على تحديد النسل بطريقة أهل بالا هو سذاجتها. ولكن لحسن الحظ كان هناك لها بديل أفضل منها؛ فلقد كان الراجا ممن يعتنقون مذهب تانترا؛ فتعلم يوجا الحب، وعلم الدكتور أندرو بماثيونا. ولما كان من رجال العلم المخلصين وافق على تجربتها، وتلقى هو وزوجته التعليمات اللازمة. - وماذا كانت النتائج؟ - الموافقة عليها بحماسة.
وقالت رادا: وهذا هو إحساس الناس جميعا بها. - دعينا من هذه التعميمات الكاسحة! هناك من يحس هذا الإحساس، وهناك من لا يحسه. ولقد كان الدكتور أندرو من المتحمسين. ونوقش هذا الموضوع باستفاضة. وفي النهاية قرروا أن موانع الحمل يجب أن تكون كالتربية؛ مجانية، تدعمها الضرائب، تشمل كل فرد بقدر الإمكان وإن تكن غير إلزامية. ولأولئك الذين أحسوا الحاجة إلى شيء أكثر تهذيبا تعليمات خاصة بشأن يوجا الحب. - هل تقصد أن تقول إنهم تعلموها ولم يصبهم أذى؟ - إنها لم تكن في الواقع شاقة جدا. وكانت الماثيونا عقيدة معتمدة، ولم يطلب إلى أحد أن يقترف منكرا يخالف الدين. بل على العكس من ذلك كانت لهم في ذلك فرصة مواتية لكي يلتحقوا بالنخبة الممتازة إذا هم تعلموا أسرارها.
وقاطعته الممرضة الصغيرة قائلة: ولا تنس أهم نقطة في الموضوع. إن يوجا الحب بالنسبة للنساء، كل النساء - ولست أعبأ بما ذكرت عن التعميمات الكاسحة - تعني الكمال، تعني التحول والخروج من أنفسهن للتمام. وكانت فترة من الصمت، أعقبتها بمواصلة الحديث بنغمة أكثر خفة وذلك حين قالت: والآن حان الوقت لكي نتركك لراحتك بعد الظهر.
অজানা পৃষ্ঠা