728

[البقرة: 17] وما أشبه ذلك. فتأويل الكلام: مثل إبطال الله أجر ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا، كمثل ريح فيها صر. وإنما جاز ترك ذكر إبطال الله أجر ذلك لدلالة آخر الكلام عليه، وهو قوله: { كمثل ريح فيها صر } ولمعرفة السامع ذلك معناه. واختلف أهل التأويل في معنى النفقة التي ذكرها في هذه الآية، فقال بعضهم: هي النفقة المعروفة في الناس. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: { مثل ما ينفقون فى هذه الحيوة الدنيا } قال: نفقة الكافر في الدنيا. وقال آخرون: بل ذلك قوله الذي يقوله بلسانه مما لا يصدقه بقلبه. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثني أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { مثل ما ينفقون فى هذه الحيوة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته } يقول: مثل ما يقول فلا يقبل منه كمثل هذا الزرع إذا زرعه القوم الظالمون، فأصابه ريح فيها صر أصابته فأهلكته. فكذلك أنفقوا فأهلكهم شركهم. وقد بينا أولى ذلك بالصواب قبل. وقد تقدم بياننا تأويل الحياة الدنيا بما فيه الكفاية من إعادته في هذا الموضع. وأما الصر، فإنه شدة البرد، وذلك بعصوف من الشمال في إعصار الطل والأنداء في صبيحة معتمة بعقب ليلة مصحية. كما: حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن عثمان بن غياث، قال: سمعت عكرمة يقول: { ريح فيها صر } قال: برد شديد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس: { ريح فيها صر } قال: برد شديد وزمهرير. حدثنا علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي. عن ابن عباس، قوله: { ريح فيها صر } يقول: برد. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس: الصر: البرد. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { كمثل ريح فيها صر }: أي برد شديد. حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله. حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي في الصر: البرد الشديد. حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { كمثل ريح فيها صر } يقول: ريح فيها برد. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { ريح فيها صر } قال: صر باردة أهلكت حرثهم. قال: والعرب تدعوها الضريب: تأتي الريح باردة فتصبح ضريبا قد أحرق الزرع، تقول: «قد ضرب الليلة» أصابه ضريب تلك الصر التي أصابته. حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا جويبر، عن الضحاك: { ريح فيها صر } قال: ريح فيها برد. يعني بذلك جل ثناؤه: وما فعل الله بهؤلاء الكفار ما فعل بهم، من إحباطه ثواب أعمالهم، وإبطاله أجورها ظلما منه لهم، يعني: وضعا منه لما فعل بهم من ذلك في غير موضعه وعند غير أهله، بل وضع فعله ذلك في موضعه، وفعل بهم ما هم أهله، لأن عملهم الذي عملوه لم يكن لله، وهم له بالوحدانية دائنون ولأمره متبعون، ولرسله مصدقون. بل كان ذلك منهم وهم به مشركون، ولأمره مخالفون، ولرسله مكذبون، بعد تقدم منه إليهم أنه لا يقبل عملا من عامل إلا مع إخلاص التوحيد له، والإقرار بنبوة أنبيائه، وتصديق ما جاءوهم به، وتوكيده الحجج بذلك عليهم. فلم يكن بفعله ما فعل بمن كفر به وخالف أمره في ذلك بعد الإعذار إليه من إحباط وافر عمله له ظالما، بل الكافر هو الظالم نفسه لإكسابها من معصية الله وخلاف أمره ما أوردها به نار جهنم وأصلاها به سعير سقر.

[3.118]

يعني بذلك تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا بما جاءهم به نبيهم من عند ربهم، { لا تتخذوا بطانة من دونكم } يقول: لا تتخذوا أولياء وأصدقاء لأنفسكم من دونكم، يقول: من دون أهل دينكم وملتكم، يعني من غير المؤمنين. وإنما جعل البطانة مثلا لخليل الرجل فشبهه بما ولي بطنه من ثيابه لحلوله منه في اطلاعه على أسراره، وما يطويه عن أباعده وكثير من أقاربه، محل ما ولي جسده من ثيابه، فنهى الله المؤمنين به أن يتخذوا من الكفار به أخلاء وأصفياء ثم عرفهم ما هم عليه لهم منطوون من الغش والخيانة، وبغيهم إياهم الغوائل، فحذرهم بذلك منهم عن مخالتهم، فقال تعالى ذكره: { لا يألونكم خبالا } يعني لا يستطيعونكم شرا، من ألوت آلو ألوا، يقال: ما ألا فلان كذا، أي ما استطاع، كما قال الشاعر:

جهراء لا تألو إذا هي أظهرت

بصرا ولا من عيلة تغنيني

يعني لا تستطيع عند الظهر إبصارا. وإنما يعني جل ذكره بقوله: { لا يألونكم خبالا } البطانة التي نهى المؤمنين عن اتخاذها من دونهم، فقال: إن هذه البطانة لا تترككم طاقتها خبالا: أي لا تدع جهدها فيما أورثكم الخبال. وأصل الخبال والخبال: الفساد، ثم يستعمل في معان كثيرة، يدل على ذلك الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم:

" من أصيب بخبل أو جراح "

وأما قوله: { ودوا ما عنتم } فإنه يعني: ودوا عنتكم، يقول: يتمنون لكم العنت والشر في دينكم وما يسوءكم ولا يسركم. وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين كانوا يخالطون حلفاءهم من اليهود وأهل النفاق منهم، ويصافونهم المودة بالأسباب التي كانت بينهم في جاهليتهم قبل الإسلام، فنهاهم الله عن ذلك وأن يستنصحوهم في شيء من أمورهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: قال محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من اليهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فأنزل الله عز وجل فيهم، فنهاهم عن مباطنتهم تخوف الفتنة عليهم منهم: { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم } إلى قوله:

وتؤمنون بالكتب كله

অজানা পৃষ্ঠা