তাফসির আল-তাবারি
جامع البيان في تفسير القرآن
[البقرة: 28]. وأما تأويل من تأوله بمعنى الحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة، والبيضة من الدجاجة، والدجاجة من البيضة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، فإن ذلك وإن كان له وجه مفهوم، فليس ذلك الأغلب الظاهر في استعمال الناس في الكلام، وتوجيه معاني كتاب الله عز وجل إلى الظاهر المستعمل في الناس، أولى من توجيهها إلى الخفي القليل في الاستعمال. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته جماعة منهم: { تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي } بالتشديد وتثقيل الياء من الميت، بمعنى أنه يخرج الشيء الحي من الشيء الذي قد مات، ومما لم يمت. وقرأت جماعة أخرى منهم: «تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي» بتخفيف الياء من الميت. بمعنى أنه يخرج الشيء الحي من الشيء الذي قد مات دون الشيء الذي لم يمت، وتخرج الشيء الميت دون الشيء الذي لم يمت من الشيء الحي، وذلك أن الميت مثقل الياء عند العرب ما لم يمت وسيموت وما قد مات. وأما الميت مخففا: فهو الذي قد مات، فإذا أرادوا النعت قالوا: إنك مائت غدا وإنهم مائتون، وكذلك كل ما لم يكن بعد، فإنه يخرج على هذا المثال الاسم منه، يقال: هو الجائد بنفسه والطائبة نفسه بذلك، وإذا أريد معنى الاسم قيل: هو الجواد بنفسه والطيبة نفسه. فإذا كان ذلك كذلك، فأولى القراءتين في هذه الآية بالصواب قراءة من شدد الياء من الميت، لأن الله جل ثناؤه يخرج الحي من النطفة التي قد فارقت الرجل، فصارت ميتة، وسيخرجه منها بعد أن تفارقه وهي في صلب الرجل، ويخرج الميت من الحي، النطفة التي تصير بخروجها من الرجل الحي ميتا، وهي قبل خروجها منه حية، فالتشديد أبلغ في المدح أكمل في الثناء. القول في تأويل قوله تعالى: { وترزق من تشاء بغير حساب }.
يعني بذلك جل ثناؤه: أنه يعطي من يشاء من خلقه، فيجود عليه بغير محاسبة منه لمن أعطاه، لأنه لا يخاف دخول انتقاص في خزائنه، ولا الفناء على ما بيده. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { وترزق من تشاء بغير حساب } قال: يخرج الرزق من عنده بغير حساب، لا يخاف أن ينقص ما عنده تبارك وتعالى. فتأويل الآية إذا: اللهم يا مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، دون من ادعى الملحدون أنه لهم إله ورب وعبدوه دونك، واتخذوه شريكا معك، أو أنه لك ولد وبيدك القدرة التي تفعل هذه الأشياء، وتقدر بها على كل شيء، تولج الليل في النهار، وتولج النهار في الليل، فتنقص من هذا وتزيد في هذا، وتنقص من هذا وتزيد في هذا، وتخرج من ميت حيا، ومن حي ميتا، وترزق من تشاء بغير حساب من خلقك، لا يقدر على ذلك أحد سواك، ولا يستطيعه غيرك. كما: حدثني ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: { تولج الليل فى النهار وتولج النهار فى الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي } أي بتلك القدرة، يعني بالقدرة التي تؤتي الملك بها من تشاء وتنزعه ممن تشاء، وترزق من تشاء بغير حساب، لا يقدر على ذلك غيرك ولا يصنعه إلا أنت. أي فإن كنت سلطت عيسى على الأشياء التي بها يزعمون أنه إله، من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، والخلق للطير من الطين، والخبر عن الغيوب لتجعله آية للناس، وتصديقا له في نبوته التي بعثته بها إلى قومه، فإن من سلطاني وقدرتي ما لم أعطه، كتمليك الملوك، وأمر النبوة ووضعها حيث شئت، وإيلاج الليل في النهار، والنهار في الليل، وإخراج الحي من الميت، والميت من الحي، ورزق من شئت من بر أو فاجر بغير حساب، فكل ذلك لم أسلط عيسى عليه، ولم أملكه إياه، فلم يكن لهم في ذلك عبرة وبينة، إذ لو كان إلها لكان ذلك كله إليه وهو في علمهم يهرب من الملوك، وينتقل منهم في البلاد من بلد إلى بلد.
[3.28]
وهذا نهي من الله عز وجل المؤمنين أن يتخذوا الكفار أعوانا وأنصارا وظهورا، ولذلك كسر «يتخذ» لأنه في موضع جزم بالنهي، ولكنه كسر الذال منه للساكن الذي لقيه وهي ساكنة. ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرا وأنصارا، توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء يعني بذلك، فقد برىء من الله، وبرىء الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر، إلا أن تتقوا منهم تقاة، إلا أن تكونوا في سلطانهم، فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله: { لا يتخذ المؤمنون الكفرين أولياء من دون المؤمنين } قال: نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار، أو يتخذوهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين، فيظهرون لهم اللطف، ويخالفونهم في الدين. وذلك قوله: { إلا أن تتقوا منهم تقة }. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد، قد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم. فقال رفاعة بن المنذر بن زبير وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود، واحذروا لزومهم ومباطنتهم، لا يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم ولزومهم، فأنزل الله عز وجل: { لا يتخذ المؤمنون الكفرين أولياء من دون المؤمنين }... إلى قوله: { والله على كل شيء قدير }. حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: { لا يتخذ المؤمنون الكفرين أولياء من دون المؤمنين } يقول: لا يتخذ المؤمن كافرا وليا من دون المؤمنين. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { لا يتخذ المؤمنون الكفرين } إلى: { إلا أن تتقوا منهم تقة } أما أولياء: فيواليهم في دينهم، ويظهرهم على عورة المؤمنين، فمن فعل هذا فهو مشرك، فقد برىء الله منه، إلا أن يتقي منهم تقاة، فهو يظهر الولاية لهم في دينهم والبراءة من المؤمنين. حدثني المثنى، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عمن حدثه، عن ابن عباس: { إلا أن تتقوا منهم تقة } قال: التقاة: التكلم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان.
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله: { إلا أن تتقوا منهم تقة } قال: ما لم يهرق دم مسلم، وما لم يستحل ماله. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { لا يتخذ المؤمنون الكفرين أولياء من دون المؤمنين } إلا مصانعة في الدنيا ومخالقة. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { لا يتخذ المؤمنون الكفرين أولياء من دون المؤمنين } إلى: { إلا أن تتقوا منهم تقة } قال: قال أبو العالية: التقية باللسان وليس بالعمل. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ قال: أخبرنا عبيد ، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { إلا أن تتقوا منهم تقة } قال: التقية باللسان من حمل على أمر يتكلم به وهو لله معصية، فتكلم مخافة على نفسه، وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا إثم عليه، إنما التقية باللسان. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: { إلا أن تتقوا منهم تقة } فالتقية باللسان: من حمل على أمر يتكلم به وهو معصية لله فيتكلم به مخافة الناس وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن ذلك لا يضره، إنما التقية باللسان. وقال آخرون: معنى: { إلا أن تتقوا منهم تقة } إلا أن يكون بينك وبينه قرابة. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { لا يتخذ المؤمنون الكفرين أولياء من دون المؤمنين إلا أن تتقوا منهم تقة } نهى الله المؤمنين أن يوادوا الكفار أو يتولوهم دون المؤمنين، وقال الله: { إلا أن تتقوا منهم تقة } الرحم من المشركين من غير أن يتولوهم في دينهم، إلا أن يصل رحما له في المشركين. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { لا يتخذ المؤمنون الكفرين أولياء } قال: لا يحل لمؤمن أن يتخذ كافرا وليا في دينه، وقوله: { إلا أن تتقوا منهم تقة } قال: أن يكون بينك وبينه قرابة، فتصله لذلك. حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: { إلا أن تتقوا منهم تقة } قال: صاحبهم في الدنيا معروفا الرحم وغيره، فأما في الدين فلا. وهذا الذي قاله قتادة تأويل له وجه، وليس بالوجه الذي يدل عليه ظاهر الآية: إلا أن تتقوا من الكافرين تقاة.
فالأغلب من معاني هذا الكلام: إلا أن تخافوا منهم مخافة. فالتقية التي ذكرها الله في هذه الآية إنما هي تقية من الكفار، لا من غيرهم، ووجهه قتادة إلى أن تأويله: إلا أن تتقوا الله من أجل القرابة التي بينكم وبينهم تقاة ، فتصلون رحمها. وليس ذلك الغالب على معنى الكلام والتأويل في القرآن على الأغلب الظاهر من معروف كلام العرب المستعمل فيهم. وقد اختلفت القراء في قراءة قوله: { إلا أن تتقوا منهم تقة } فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار: { إلا أن تتقوا منهم تقة } على تقدير فعلة مثل تخمة وتؤدة وتكأة من اتقيت، وقرأ ذلك آخرون: «إلا أن تتقوا منهم تقية» على مثال فعيلة. والقراءة التي هي القراءة عندنا، قراءة من قرأها: { إلا أن تتقوا منهم تقة } لثبوت حجة ذلك بأنه القراءة الصحيحة، بالنقل المستفيض الذي يمتنع منه الخطأ. القول في تأويل قوله تعالى: { ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير }. يعني تعالى ذكره بذلك: ويخوفكم الله من نفسه أن تركبوا معاصيه أو توالوا أعداءه، فإن لله مرجعكم ومصيركم بعد مماتكم، ويوم حشركم لموقف الحساب، يعني بذلك: متى صرتم إليه، وقد خالفتم ما أمركم به، وأتيتم ما نهاكم عنه من اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، نالكم من عقاب ربكم ما لا قبل لكم به، يقول: فاتقوه واحذوره أن ينالكم ذلك منه، فإنه شديد العذاب.
[3.29]
يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد للذين أمرتهم أن لا يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، إن تخفوا ما في صدوركم من موالاة الكفار فتسروه، أو تبدوا ذلكم من أنفسكم بألسنتكم وأفعالكم، فتظهروه يعلمه الله فلا يخفى عليه يقول: فلا تضمروا لهم مودة، ولا تظهروا لهم موالاة، فينالكم من عقوبة ربكم ما لا طاقة لكم به، لأنه يعلم سركم وعلانيتكم، فلا يخفى عليه شيء منه، وهو محصيه عليكم حتى يجازيكم عليه بالإحسان إحسانا، وبالسيئة مثلها. كما: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: أخبرهم أنه يعلم ما أسروا من ذلك وما أعلنوا، فقال: { إن تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه }. وأما قوله: { ويعلم ما فى السموات وما في الارض } فإنه يعني أنه إذ كان لا يخفى عليه شيء هو في سماء أو أرض أو حيث كان، فكيف يخفى عليه أيها القوم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ما في صدوركم من الميل إليهم بالمودة والمحبة، أو ما تبدونه لهم بالمعونة فعلا وقولا. وأما قوله: { والله على كل شيء قدير } فإنه يعني: والله قدير على معاجلتكم بالعقوبة على موالاتكم إياهم، ومظاهرتكموهم على المؤمنين، وعلى ما يشاء من الأمور كلها، لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه شيء طلبه.
[3.30]
يعني بذلك جل ثناؤه: ويحذركم الله نفسه، في يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا موفرا، وما عملت من سوء { تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا }: يعني: غاية بعيدة، فإن مصيركم أيها القوم يومئذ إليه، فاحذوره على أنفسكم من ذنوبكم. وكان قتادة يقول في معنى قوله: { محضرا } ما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } يقول موفرا. وقد زعم أهل العربية أن معنى ذلك: واذكر يوم تجد، وقال: إن ذلك إنما جاء كذلك، لأن القرآن إنما نزل للأمر والذكر، كأنه قيل لهم: اذكروا كذا وكذا، لأنه في القرآن في غير موضع، واتقوا يوم كذا وحين كذا. وأما «ما» التي مع عملت فبمعنى الذي، ولا يجوز أن تكون جزاء لوقوع «تجد» عليه. وأما قوله: { وما عملت من سوء } فإنه معطوف على قوله: «ما» الأولى، و«عملت» صلة بمعنى الرفع، لما قيل «تود». فتأويل الكلام: يوم تجد كل نفس الذي عملت من خير محضرا، والذي عملت من سوء، تود لو أن بينها وبينه أمدا. والأمد: الغاية التي ينتهي إليها، ومنه قول الطرماح:
অজানা পৃষ্ঠা