585

وقيل: كانت الأرض كلها حربا على أهل هذا البلد، وكانوا لا يتوجهون جهة إلا لهم فيها عدو، فقال الله عز وجل: { للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله }... الآية كانوا ههنا في سبيل الله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذين أحصرهم المشركون فمنعوهم التصرف. ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله } حصرهم المشركون في المدينة. ولو كان تأويل الآية على ما تأوله السدي، لكان الكلام: للفقراء الذين حصروا في سبيل الله، ولكنه «أحصروا»، فدل ذلك على أن خوفهم من العدو الذي صير هؤلاء الفقراء إلى الحال التي حبسوا وهم في سبيل الله أنفسهم، لا أن العدو هم كانوا الحابسيهم، وإنما يقال لمن حبسه العدو: حصره العدو، وإذا كان الرجل المحبس من خوف العدو وقيل: أحصره خوف العدو. القول في تأويل قوله تعالى: { لا يستطيعون ضربا فى الارض }. يعني بذلك جل ثناؤه: لا يستطيعون تقلبا في الأرض، وسفرا في البلاد، ابتغاء المعاش وطلب المكاسب، فيستغنوا عن الصدقات رهبة العدو، وخوفا على أنفسهم منهم. كما: حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { لا يستطيعون ضربا فى الارض } حبسوا أنفسهم في سبيل الله للعدو، فلا يستطيعون تجارة. حدثني موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { لا يستطيعون ضربا فى الارض } يعني التجارة. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد قوله: { لا يستطيعون ضربا فى الارض } كان أحدهم لا يستطيع أن يخرج يبتغي من فضل الله. القول في تأويل قوله تعالى: { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف }. يعني بذلك: يحسبهم الجاهل بأمرهم وحالهم أغنياء من تعففهم عن المسألة وتركهم التعرض لما في أيدي الناس صبرا منهم على البأساء والضراء. كما: حدثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { يحسبهم الجاهل أغنياء } يقول: يحسبهم الجاهل بأمرهم أغنياء من التعفف. ويعني بقوله: { من التعفف } من ترك مسألة الناس، وهو التفعل من العفة عن الشيء، والعفة عن الشيء: تركه، كما قال رؤبة:

فعف عن أسرارها بعد الغسق

يعني برىء وتجنب. القول في تأويل قوله تعالى: { تعرفهم بسيمهم }. يعني بذلك جل ثناؤه: تعرفهم يا محمد بسيماهم، يعني بعلامتهم وآثارهم، من قول الله عز وجل:

سيمهم فى وجوههم من أثر السجود

[الفتح: 29] هذه لغة قريش، ومن العرب من يقول: «بسيمائهم» فيمدها، وأما ثقيف وبعض أسد، فإنهم يقولون: «بسيميائهم» ومن ذلك قول الشاعر:

غلام رماه الله بالحسن يافعا

له سيمياء لا تشق على البصر

وقد اختلف أهل التأويل في السيما التي أخبر الله جل ثناؤه أنها لهؤلاء الفقراء الذين وصفت صفتهم وأنهم يعرفون بها، فقال بعضهم: هو التخشع والتواضع.

ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { تعرفهم بسيمهم } قال: التخشع. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن ليث، قال: كان مجاهد يقول: هو التخشع. وقال آخرون يعني بذلك: تعرفهم بسيما الفقر وجهد الحاجة في وجوههم. ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { تعرفهم بسيمهم } بسيما الفقر عليهم. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { تعرفهم بسيمهم } يقول: تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة. وقال آخرون: معنى ذلك: تعرفهم برثاثة ثيابهم، وقالوا: الجوع خفي. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { تعرفهم بسيمهم } قال: السيما: رثاثة ثيابهم، والجوع خفي على الناس، ولم تستطع الثياب التي يخرجون فيها تخفى على الناس. وأول الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن الله عز وجل أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يعرفهم بعلاماتهم وآثار الحاجة فيهم. وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدرك تلك العلامات والآثار منهم عند المشاهدة بالعيان، فيعرفهم وأصحابه بها، كما يدرك المريض فيعلم أنه مريض بالمعاينة. وقد يجوز أن تكون تلك السيما كانت تخشعا منهم، وأن تكون كانت أثر الحاجة والضر، وأن تكون كانت رثاثة الثياب، وأن تكون كانت جميع ذلك، وإنما تدرك علامات الحاجة وآثار الضر في الإنسان، ويعلم أنها من الحاجة والضر بالمعاينة دون الوصف، وذلك أن المريض قد يصير به في بعض أحوال مرضه من المرض نظير آثار المجهود من الفاقة والحاجة، وقد يلبس الغني ذو المال الكثير الثياب الرثة، فيتزيا بزي أهل الحاجة، فلا يكون في شيء من ذلك دلالة بالصفة على أن الموصوف به مختل ذو فاقة، وإنما يدري ذلك عند المعاينة بسيماه، كما وصفهم الله نظير ما يعرف أنه مريض عند المعاينة دون وصفه بصفته. القول في تأويل قوله تعالى: { لا يستطيعون ضربا فى }. يقال: قد ألحف السائل في مسألته إذا ألح فهو يلحف فيها إلحافا. فإن قال قائل: أفكان هؤلاء القوم يسألون الناس غير إلحاف؟ قيل: غير جائز أن يكون كانوا يسألون الناس شيئا على وجه الصدقة، إلحافا أو غير إلحاف، وذلك أن الله عز وجل وصفهم بأنهم كانوا أهل تعفف، وأنهم إنما كانوا يعرفون بسيماهم، فلو كانت المسألة من شأنهم لم تكن صفتهم التعفف، ولم يكن بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى علم معرفتهم بالأدلة والعلامة حاجة، وكانت المسألة الظاهرة تنبىء عن حالهم وأمرهم.

وفي الخبر الذي: حدثنا به بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن هلال بن حصن، عن أبي سعيد الخدري، قال: أعوزنا مرة فقيل لي: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته. فانطلقت إليه معنقا، فكان أول ما واجهني به:

অজানা পৃষ্ঠা