তাফসির আল-তাবারি
جامع البيان في تفسير القرآن
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن قال: كان الرجل يتصدق برذالة ماله، فنزلت: { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون }. حدثنا المثنى، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنا عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول: { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } قال: في الأقناء التي تعلق، فرأى فيها حشفا، فقال: «ما هذا؟». قال ابن جريج: سمعت عطاء يقول: علق إنسان حشفا في الأقناء التي تعلق بالمدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ما هذا؟ بئسما علق هذا "
فنزلت: { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون }. وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تيمموا الخبيث من الحرام فيه تنفقون، وتدعوا أن تنفقوا الحلال الطيب. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قول الله عز وجل: { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } قال: الخبيث: الحرام، لا تتيمه: تنفق منه، فإن الله عز وجل لا يقبله. وتأويل الآية: هو التأويل الذي حكيناه عمن حكينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفاق أهل التأويل في ذلك دون الذي قاله ابن زيد. القول في تأويل قوله تعالى: { ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه }. يعني بذلك جل ثناؤه: ولستم بآخذي الخبيث في حقوقكم. والهاء في قوله: { بأخذيه } من ذكر الخبيث. { إلا أن تغمضوا فيه } يعني إلا أن تتجافوا في أخذكم إياه عن بعض الواجب لكم من حقكم، فترخصوا فيه لأنفسكم ، يقال منه: أغمض فلان لفلان عن بعض حقه فهو يغمض، ومن ذلك قول الطرماح بن حكيم:
لم يفتنا بالوتر قوم وللضي
يم رجال يرضون بالإغماض
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولستم بآخذي هذا الرديء من غرمائكم في واجب حقوقكم قبلهم إلا عن إغماض منكم لهم في الواجب لكم عليهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا عصام بن رواد. قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبو بكر الهذلي، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: سألت عليا عنه، فقال: { ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه } يقول: ولا يأخذ أحدكم هذا الرديء حتى يهضم له. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن أبي مالك، عن البراء بن عازب: { ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه } يقول: لو كان لرجل على رجل فأعطاه ذلك لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه }.
يقول: لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم، لم تأخذوا بحساب الجيد حتى تنقصوه، فذلك قوله: { إلا أن تغمضوا فيه } فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسها؟ وهو قوله: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون }. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه } قال: لا تأخذونه من غرمائكم ولا في بيوعكم إلا بزيادة على الطيب في الكيل. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { يأيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبت ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه } وذلك أن رجالا كانوا يعطون زكاة أموالهم من التمر، فكانوا يعطون الحشف في الزكاة، فقال: لو كان بعضهم يطلب بعضا ثم قضاه لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد أغمض عنه حقه. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: { ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه } يقول: لو كان لك على رجل دين فقضاك أردأ مما كان لك عليه هل كنت تأخذ ذلك منه إلا وأنت له كاره؟ حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا جويبر، عن الضحاك في قوله: { يأيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبت ما كسبتم } إلى قوله: { إلا أن تغمضوا فيه } قال: كانوا حين أمر الله أن يؤدوا الزكاة يجيء الرجل من المنافقين بأردىء طعام له من تمر وغيره، فكره الله ذلك، وقال: { أنفقوا من طيبت ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض } يقول: لستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه. يقول: لم يكن رجل منكم له حق على رجل فيعطيه دون حقه فيأخذه إلا وهو يعلم أنه قد نقصه، فلا ترضوا لي ما لا ترضون لأنفسكم، فيأخذ شيئا وهو مغمض عليه أنقص من حقه. وقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذي هذا الرديء الخبيث إذا اشتريتموه من أهله بسعر الجيد إلا بإغماض منهم لكم في ثمنه. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن عمران بن حدير، عن الحسن: { ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه } قال: لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه } يقول: لستم بآخذي هذا الرديء بسعر هذا الطيب إلا أن يغمض لكم فيه. وقال آخرون: معناه: ولستم بآخذي هذا الرديء الخبيث لو أهدي لكم إلا أن تغمضوا فيه، فتأخذوه وأنتم له كارهون على استحياء منكم ممن أهداه لكم.
ذكر من قال ذلك: حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: ثنا أبي، عن أسباط، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب: { ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه } قال: لو أهدي لكم ما قبلتموه إلا على استحياء من صاحبه أنه بعث إليك بما لم يكن له فيه حاجة. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، قال: زعم السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء نحوه، إلا أنه قال: إلا على استحياء من صاحبه وغيظا أنه بعث إليك بما لم يكن له فيه حاجة. وقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذي هذا الرديء من حقكم إلا أن تغمضوا من حقكم. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن ابن معقل: { ولستم بأخذيه } يقول: ولستم بآخذيه من حق هو لكم، إلا أن تغضموا فيه، يقول: أغمض لك من حقي. وقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذي الحرام إلا أن تغمضوا على ما فيه من الإثم عليكم في أخذه. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قوله: { ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه } قال: يقول: لست آخذا ذلك الحرام حتى تغمض على ما فيه من الإثم قال: وفي كلام العرب: أما والله لقد أخذه ولقد أغمض على ما فيه وهو يعلم أنه حرام باطل. والذي هو أولى بتأويل ذلك عندنا أن يقال: إن الله عز وجل حث عباده على الصدقة وأداء الزكاة من أموالهم وفرضها عليهم فيها، فصار ما فرض من ذلك في أموالهم حقا لأهل سهمان الصدقة، ثم أمرهم تعالى ذكره أن يخرجوا من الطيب، وهو الجيد من أموالهم، الطيب، وذلك أن أهل السهمان شركاء أرباب الأموال في أموالهم بما وجب لهم فيها من الصدقة بعد وجوبها، فلا شك أن كل شريكين في مال فلكل واحد منهما بقدر ملكه، وليس لأحدهما منع شريكه من حقه من الملك الذي هو فيه شريكه بإعطائه بمقدار حقه منه من غيره، مما هو أردأ منه أو أحسن، فكذلك المزكي ماله حرم الله عليه أن يعطي أهل السهمان مما وجب لهم في ماله من الطيب الجيد من الحق، فصاروا فيه شركاء من الخبيث الرديء غيره، ويمنعهم ما هو لهم من حقوقهم في الطيب من ماله الجيد، كما لو كان مال رب المال رديئا كله غير جيد، فوجبت فيه الزكاة وصار أهل سهمان الصدقة فيه شركاء بما أوجب الله لهم فيه لم يكن عليه أن يعطيهم الطيب الجيد من غير ماله الذي منه حقهم، فقال تبارك وتعالى لأرباب الأموال: زكوا من جيد أموالكم الجيد، ولا تيمموا الخبيث الرديء، تعطونه أهل سهمان الصدقة، وتمنعونهم الواجب لهم من الجيد الطيب في أموالكم، ولستم بآخذي الرديء لأنفسكم مكان الجيد الواجب لكم قبل من وجب لكم عليه ذلك من شركائكم وغرمائكم وغيرهم إلا عن إغماض منكم وهضم لهم وكراهة منكم لأخذه.
يقول: ولا تأتوا من الفعل إلى من وجب له في أموالكم حق ما لا ترضون من غيركم أن يأتيه إليكم في حقوقكم الواجبة لكم في أموالهم فأما إذا تطوع الرجل بصدقة غير مفروضة فإني وإن كرهت له أن يعطي فيها إلا أجود ماله وأطيبه لأن الله عز وجل أحق من تقرب إليه بأكرم الأموال وأطيبها، والصدقة قربان المؤمن، فلست أحرم عليه أن يعطي فيها غير الجيد، لأن ما دون الجيد ربما كان أعم نفعا لكثرته، أو لعظم خطره، وأحسن موقعا من المسكين، وممن أعطيه قربة إلى الله عز وجل من الجيد، لقلته أو لصغر خطره وقلة جدوى نفعه على من أعطيه. وبمثل ما قلنا في ذلك قال جماعة أهل العلم. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، قال: سألت عبيدة عن هذه الآية: { يأيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبت ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه } قال: ذلك في الزكاة، الدرهم الزائف أحب إلي من التمرة. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، قال: سألت عبيدة عن ذلك، فقال: إنما ذلك في الزكاة، والدرهم الزائف أحب إلي من التمرة. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة عن هذه الآية: { يأيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبت ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه } فقال عبيدة: إنما هذا في الواجب، ولا بأس أن يتطوع الرجل بالتمرة، والدرهم الزائف خير من التمرة. حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين في قوله: { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } قال: إنما هذا في الزكاة المفروضة، فأما التطوع فلا بأس أن يتصدق الرجل بالدرهم الزائف، والدرهم الزائف خير من التمرة. القول في تأويل قوله تعالى: { واعلموا أن الله غني حميد }. يعني بذلك جل ثناؤه: واعلموا أيها الناس أن الله عز وجل غني عن صدقاتكم وعن غيرها، وإنما أمركم بها، وفرضها في أموالكم، رحمة منه لكم ليغني بها عائلكم، ويقوي بها ضعيفكم، ويجزل لكم عليها في الآخرة مثوبتكم، لا من حاجة به فيها إليكم. ويعني بقوله: { حميد } أنه محمود عند خلقه بما أولاهم من نعمه، وبسط لهم من فضله. كما: حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: ثنا أبي، عن أسباط، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب في قوله: { والله غنى حميد } عن صدقاتكم.
[2.268]
অজানা পৃষ্ঠা